الإستفادات المحتملة من ثورة الرجل الشجاع

بقلم/
مصر : ۲٦-٦-۲۰۱۲ - ۷:۵۰ م - نشر

لا أحد يمكنه أن ينكر المرتبة المهمة التي تحتلها تركيا ضمن الخارطة الدولية على جميع المستويات السياسية والإجتماعية والإقتصادية. مرتبة لم تصل إليها صدفة داخل محيط أوروبي قوي لا مكان فيه للضعفاء، وقد تجاوزت تأثيرات أحفاد "أتاتورك" الجغرافية لتصل كل الدول بما فيها الدول العربية. أمام هذا النجاح الكاسح الذي حققه هؤلاء، لا يسعنا إلا أن نصفق أولاً لهذه التجربة وأن نقف وقفة تأملية دقيقة مع هذا النموذج ونحن نتساءل: ما سر هذا النجاح؟ كيف نجح هؤلاء بعد سلسلة من الهزات والمشاكل أعقبت سقوط الإمبراطورية العثمانية؟ ماهي الاستفادات الممكنة من الثورة التركية هذه؟

1. نموذج الحزب العملي: من الركائز الأساسية التي ينبغي تأملها في النموذج التركي، نجد التركيبة الحزبية التي ساهمت فعلاً في رسم وجه جديد لتركيا المعاصرة، فإذا أخذنا عدد الأحزاب سنجدها تحصى على رؤوس الأصابع وأن أقوى حزب هو الحزب الحاكم (حزب العدالة والتنمية) والذي يترأسه أردوغان* صاحب الكارزما المؤثرة تأثيراً إستمد شرعيته من العمل الجاد وقوة المبادئ والإرادة. حزب حمل على عاتقه رهان التنمية وتحقيق مبادئ العدالة واقعياً، فالقاعدة السياسية معروفة، كلما تعددت الأحزاب كلما إزداد التنافس وهو تنافس قد تكون له إيجابياته، لكن حينما تتناسل الأحزاب دون هدف أو رهان واضح اَن ذاك سنتحول من نظام الأفكار المتعددة المختلفة إلى نظام الصراعات الجوفاء والفارغة من أي مضمون. فإذا أخذنا النسق الحزبي المغربي نجد أن الكثير من الأحزاب لا تظهر إلا في لحظات موسمية ترتبط غالباً بمرحلة الإنتخابات وما يوازيها من ولائم وصراخ في الشوارع والأزقة، إضافة إلى ظهور صراعات فارغة تركز على من يتغلب على من. وطبعاً كل الوسائل ممكنة، وكل هذا لا يخدم المصلحة العامة للبلاد. هذا ما تنبه له النموذج التركي حيث حاول أخذ رهانات واضحة محددة زمنياً، ثم السهر على تحقيقها واقعياً. والأكيد أن الإشتغال بتصورات ومناهج عمل واضحة يؤدي الى نتائج واقعية في تقدم مستمر، إن النموذج التركي أوضح لنا بالملموس أن السياسة لم تعد تخبطاً عشوائياً بل هي مجموعة من الأفكار النظرية يبنيها العقل، وتمر بالمنهج الذي يعمل على بلورتها لتصل إلى التجسيد الواقعي. فالسياسة بلغة "حنا ارندت" هي أن يعمل السياسي ما في وسعه من أجل أن يتذوق المواطن مبادئ العدالة والمساواة والتوزيع العادل للثروات، بعيدا عن النظريات والأفكار الطوباوية الحالمة.

2. السياسة الإقتصادية والإجتماعية الواقعية: رغم عراقة الدولة التركية، إلا أنها إلى حدود سنة 2001 كانت تتخبط في العديد من المشاكل الإجتماعية والسياسية التي جعلت الكثير من الأتراك يهاجرون نحو دول أوروبية أخرى مثل هولاندا وألمانيا وغيرها، لكن بعد صعود حزب العدالة والتنمية الحاكم، حاول بلورة مجموعة من الأفكار الجريئة على كل المستويات: الصناعة، الفلاحة، الرياضة، السياحة.. دون نسيان الصناعة السنيمائية وغيرها من القطاعات الأخرى، فتحولت تركيا بأكملها إلى ورشة عمل ضخمة تؤمن بما يمكن أن نسميه "الكوجيطو العملي" أنا أشتغل من خلال منهج عقلي واقعي ومن أجل وطني.. إذن أنا موجود". ومن المؤشرات الرقمية التي أعقبت الثورة التركية نجد تحول الناتج القومي الإجمالي بين عامي 2002 و2008 من 300 مليار دولار إلى 750 مليار دولار، كما أثبتت المنتجات التركية قدرتها على منافسة دول عملاقة مثل روسيا وايران نظراً لتوسطها جغرافيا لثلاث قارات كبرى هي أفريقيا واوروبا واَسيا، إضافة الى الزيادة في الصادرات حيث تحولت من 30 مليار دولار إلى 130 مليار دولار، كما تحول الدخل السنوي للأفراد من 3300 دولار إلى 10000 دولار سنوياً، هذه الأرقام جعلت تركيا في المرتبة السادسة عشرة ضمن ترتيب أكبر الإقتصادات العالمية والسادسة على المستوى الأروبي.**

3. المصلحة العامة فوق كل إعتبار: من أسرار النجاح الأساسية ومن المؤشرات القوية على تقدم بلد بالمقارنة باَخر نجد ضرورة تحول المصلحة الخاصة الى مصلحة عامة تذوب فيها الأطماع الفردية في سبيل أن ترى التقدم يشمل الجميع وليس طبقة أو عائلة في حد ذاتها، في حصر مرضي للأفكار والثروات، فالجميع ينبغي أن يساهم من موقعه، الكاتب في مكتبه، الأستاذ في قسمه، الطبيب في عيادته، الفلاح في ضيعته.. وهكذا فيلتقي الكل في ملتقى طرق واحد وفي اطار شعار واحد "المصلحة العليا للوطن كهدف". هذه الفكرة حاضرة في التجربة التركية، صحيح ليس هناك كمال، ولن يكون في أي نموذج في العالم، لكن الأكيد أنه حينما تكون الأغلبية بهذا التفكير وبهذه التصورات، الأكيد أن النتائج ستظهر على المدى القصير والمتوسط. إن حب الوطن ليس بالكلام بل بالعمل من اجله والتضحية في سبيله من خلال تحمل المسؤولية الكاملة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، مما يعني أن الدول التي تقدمت لن تنتظرنا حتى نلحق بها ثم تكمل المسير، بل نحن مطالبين بتسريع الوتيرة والإستفادة من التجارب الناجحة.

إن نجاح أية أمة رهين بالوقوف وقفات تأملية أمام أسرار النجاح وأسباب الإخفاق، على أساس أن هناك عوامل دقيقة وجزئية تلعب دورها في التقدم غير الإمكانيات المادية والإقتصادية، تنطلق من الإشتغال المنهجي المبني على التخصص، عبر السياسة التي ينظر إليها كعلم لا يدخلها إلا أصحاب الأفكار الجريئة والمبادئ السياسية بعيداً عن الأفكار الإقطاعية التي تخدم مصالح فردية، وصولاً إلى توحيد الأفكار والأهداف، فالبلقنة والتجزيئ يؤدي إلى نتائج جزئية يغيب فيها التكامل والنسقية في البناء، إن الثورة التي حققتها تركيا تستحق فعلاً هذا الإسم، خاصة وأنها تحققت داخل تكتل أوروبي يعتبر الأقوى عالمياً، إذ استطاعت أن تنتزع الإعتراف ويحسب لقرارراتها ألف حساب.

* أردوغان كلمة تركية تعني الرجل الشجاع.

** بعض الأرقام المقدمة في المقال هي نتيجة لأبحاث قام بها الدكتور ابراهيم أوزتورك أستاذ علم الإقتصاد بجامعة اسطانبول.

عبد العزيز شكودالمغرب

أستاذ مادة الفلسفة

Copyright © 2012 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك