بلسان المصريين وقلوبهم: منحبك يا مصر

مصر : ۱۱-٦-۲۰۱۲ - ۵:۰۸ م - نشر

محاكمة قضائية تاريخية وانتخابات رئاسية أولى في تاريخ مصر هما الحدثان اللذان رافقا رحلتي الأولى لمصر، ولم أظن أني سأقابل أحداثاً أكثر أهمية هناك إلا أني كنت على خطأ.

ليست مظاهرات ساحة التحرير هي ما أتحدث عنه، ليست أهرامات الجيزة ولا حتى المقابر القديمة التي فاجأتني باتساعها وسط المدينة معطية اجواءً غيبية بولادة الموت في قلب الحياة، ما أتحدث عنه هو قلب مصر.. نبض مصر.. والقوة الحقيقية لمصر.

شعب مصر هو ما كان أهم اكتشافاتي في رحلتي، ليس بالجديد على وأنا إبنة الثورة السورية الجريحة، أن أنبهر بقوة الشعب المصري وهذا ما شهد عليه العرب وتابعناه في الإعلام في الأيام القليلة التي ولدت فيها ثورة 25 يناير، لكن قوة الشعب اليوم التي أتحدث عنها هي في التعامل مع الحدث السياسي الجديد كلياً.

ما لفتني هو طبيعة الشعب المتصل بوطنه، المعترف بأحداثه التاريخية التي تمر، السلبية والإيجابية، والأهم المشارك بها بكل جوارحه سواء من خلال الاعتصام والتظاهر لتغيير الأحكام أو من خلال الجدالات الطويلة المستمرة بين الجميع، بين الفلاح والطالب، بين العامل وربة المنزل، بين الأطفال وأقربائهم المختلفين مهعم بالرأي سواء، وجميعهم تحكمهم دائرة الفعل، إذ جميع من ذكر نزل للتصويت ودافع بعد نتائج الانتخابات عن صوته وقدم حججه بقوة ووعي، لا فرق في السياسة بين عالم وجاهل الجميع ضمن نطاق الفاعلية لأجل مصر.

في الأيام التالية من تواجدي في عدة محافظات مصرية، مرة أخرى أعود للناس بوصفهم أبناء دولة واحدة لأرى تمايزاً رهيباً سواء في التوزع الجغرافي أو اللهجات أو الانتماءات الحزبية وفي الفوارق التعليمية والاتجاهات الدينية، لكنهم جميعاً أخوة تحت راية مصر.

في الشوارع وفيما عدا إعلانات الانتخابات المكتسحة والإعلانات التجارية، مصر تظهر دائماً وحبهم لها يطغى بالكلمة على جميع الصور "بنحبك يا مصر" هذه الجملة التي لاحقت عيوني من شوارع المدينة الأولى وحتى مدينة شرم الشيخ السياحة التي رغم طابعها السياحي المضياف لم تخف اهتمامها بما تعيشه البلاد وشاركت بنظرات المصريين وكلماتهم الطيبة بالترحيب بي كعربية والشد على يدي لأني سورية فيقولون "قلبنا معاكم وربنا حاميكم بإذن الله الله ينصر شعب سوريا".

يصر المصريون أن الكفة الرابحة في أي بلد هي شعبه ليست خيراته، ليست سياساته بل شعبه، وعلى الرغم من أنه في زمن الربيع العربي لكل ثورة ظروفها ومتطلباته إلا أنه اتضح أن حجر الأساس المغير للظروف هو ما برهنته الثورة المصرية وما تمخض عنها في الفترة التالية، بقوة الشعب سقط الرئيس وبقوة الشعب وإرادته وصلت مصر لأول انتخابات في تاريخها، وأنا لا أنتقص هنا من أهمية شعوب الثورات العربية الأخرى التي تراوحت نسب نجاح ثورتها إذ أن الوحدة والإصراره هي الطرف الأول من معادلة قوة الشعب، وليستكمل دوره يجب أن يكون متسلحاُ بالوعي واليقظةالسياسية، يحاول بهما رسم منهج الثوة، وملامح الفترة التالية وهذا باعتقادي ما أعطى الشعب المصري الحق الكامل بالتصرف السياسي في البلد والوصول للمحاكمة ومن بعدها الانتخابات.

الثقافة والوعي فعلاً ملمح واضح في الشعب المصري الذي تعرفت به اليوم، فالمتابعات الإعلامية سواء المرئية أو المكتوبة وخصوصاً المقالات التحليلية والآراء المختلفة في الصحف اليومية هاجس يومي، من وجهة نظرهم يسألون أهل العلم ويقولون "خلينا نشوف البلد رايحة فين" اعتمادهم على الإعلام المصري كمحرك رديف دليل على وعيهم بجوانب الحبكة السياسية وهم على هذا الحال ابتداء بعامل المحطة وانتهاء بالمهندس.

أحاديث الأصدقاء عكست طابع المرحلة، إذ تلخصت المكالمات التلفونية في الأيام القليلة التي حضرتني في مصر بقوة في نقاشات وتحليلات واعية واستطلاعات رأي سياسية ومجادلات عن الفترة المرتقبة والحكم السياسي الأصلح وكل ذلك بدأ بلا سىلام وانتهى "خير ان شاء الله" وعلى هذا بات المصريون واستفاقوا طيلة الأيام الستة التي قضيتها معهم ليخلقوا لي مثالاً مصرياً جديداً لم أكن أعلم تفاصيل حياته الزخمة بالأفعال والإصرار مصقولة بوعي عربي وثقافة ناضجة.

شكراً للمصريين الذين أقحموني في دوامة التحدي والإصرار وأعادوا لي نفس الأمل، شكراً للمصريين الذين رأيت مصر من عيونهم ساحرة مقاتلة ناضجة وطموحة، شكراً للمصريين المضيافين الذين عرفوا لي معنى العروبة من جديد، شكراً لكم وهنيئاً لكم بوطن جديد بنيتموه بحب وقوة ووعي.

وإني على الوعد أنظر بنفس العين إلى بلدي سوريا وأراها من جديد تقوم لتقف بشعبها وأنتظر أيام قريبة قادمة أكتب لكم أدعوكم إلى ساحات وميادين دمشق لنخط بالحبر العريض الأحمر عاشت مصر.. تحيا سوريا.

هنادي دوارة الإمارات

Copyright © 2012 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

5 تعليقات

  • SehsCairo

    إن شاء الله مرسى كسبان، وحسبنا الله فى شفيق وأعوانه.

  • shahy sherif

    لك الله محي أصلك يا بنت سوريا و شكرا على حرف بالمقال لأنه عن جد مقال كتير واعي و حلو و مش جديد عليكي يا إعلامية سوريا أن تكتبي بهالروعة و إن شالله تكوني انبسطي بجد في رحلتك إلى مصر بلدك التاني و أهلا وسهلا فيكي باي وقت فكرتي تزوري في مصر مرة اخرى … و إن شالله الله يحمي سوريا دائما ,و أنا راح كون من أول الموجودين بساحات وميادين دمشق لنخط بالحبر العريض الأحمر عاشت مصر.. تحيا سوريا, و لأكتب معكم يا شعب سوريا تحيا سوريا و شعبها … بحبك كتييير :)

    • هنادي دوارة

      شكراً يا شاهي فعلاً كانت كلمات عفوية مني بصدق تعبير عن الزيارة الجميلة أهلاً وسهلاً فيكي بسوريا وإن شاء الله منجتمع كلنا بسوريا أو بمصر المهم أن تحيا البلدين بحرية.

  • حامد السيوفي

    يا مصري ليه دنياك لخابيط و الغُلب محيط
    و العنكبوت عشش عالحيط و سرح عالغيط
    يا مصري قوم هش الوطاويط كفاياك تبليط
    صعبة الحياة و الحل بسيط حبة تخطيط..فتحت باب استيرادك.. و صرفت فوق ضعف إيرادك
    حلي للخواجة استكرادك.. سابك بتقرا في أورادك
    و ده قشَطّكْ و نزل تشفيط..
    و مهولاتي تحب تزيط…
    ساعة الفرح زغاريط تنطيط…
    و في المياتم هات يا صويت..
    و في المظاهرات سخن تشيط ..
    و في الإنتخاب تنسي التصويت…
    و ليه بترشي و تتساهل … و تضيع حقوقك بالساهل
    تستاهل النار تستاهل..
    يا غويط و يحسبك الجاهل
    ساهل و ساهي و غبي و عبيط..
    يا مصري ياللي الغلا عاصرك…
    و النهب في عصرك حاصدك
    قوم للحياة و اسبق عصرك.. و لا حاجة حترجع مصرك
    إلا ان تكون شغال و نشيط.

    • هنادي دوارة

      تفائل يا أخ حامد، فالمصري اليوم يعد بالكثير، إذ ها هو المصري النشيط كل يوم في ميدان التحرير  يقوم للحياة في استباقة عربية للتعبير عن الرأي، تفائل يا أخي فالأيام القادمة للمصريين الحقيقيين.

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك