الثالوث المقدس الجديد ... في سوريا اليوم

مصر : ۲۹-۵-۲۰۱۲ - ۷:۵۰ ص - نشر

كتب فيما سبق، في أيام السلم والرخاء السياسي والإجتماعي، محرم على الإعلام السوري، لا بل على المواطن السوري، الحديث في الثالوث المقدس وهو عند السوريين المتكلمين (الدين والسياسة والجنس)، لكن ذلك كان في زمان مضى، في زمن الهدوء، زمن كان الجنس أكثر المشكلات المفتعلة كلامياً في جلسة مثقفين، وكانت الطوائف وقوانينها والدين وأخلاقياته وممارساته الواقعية ميدان كلامي لا يفضي لنتيجة، وقس على ذلك مصطلحات كتفعيل الحياة السياسية والإئتلاف الجماهيري والأيديولوجيات الحزبية، كل ذلك كان محرماً.

اليوم وفي الوضع الراهن الذي تعيشه سوريا، وفي ظل ما تتخبط به وما يكثر الحديث عنه، سواء من حرب أهلية مرتقبة أو تدخل عسكري خارجي وتزعزع صفوف المعارضة في الداخل والخارج، نشأ ثالوث مقدس جديد عند السوريين، لكنه اليوم بات يفرض نفسه بقوة في كل إجتماع وعلى كل موقف سواء من المعارضين للنظام الحالي أو الموالين له وهو (الحوار والسياسة والثقافة) وفي ظل تأرجح البوصلة السورية للخروج من الأزمة الحالية إجتمع مفكرو المرحلة من الأطياف الثلاثة المكونة للثالوث لرمي المسئولية على الآخر في إيجاد مخرج لما يسمى اليوم بالوعي السوري بالشكل الذي يقدم نفسه فيه سواء في الشارع أو على الفضائيات.

يقول الأول: ليس بالحوار وحده تتبلور الصورة كما تدعو بعض الأطياف، فهو مبدأ مفقود على الأرض السورية منذ مدة، ومن الخطأ إعتماد خطوطه المبدئية كحل جذري يرضي جميع الأطراف لأنه لن يرضي أي من الأطراف مع التباعد الواضح في وجهات النظر والإختلافات والتناقضات سواء في صفوف المعارضة أو حتى المواليين والشبيحة كل على حدى، ويضيف لا أظن إتباع الحوار الهادئ المتزن الذي يعطي غالباً نتيجة إيجاية، قد ينجح على الأرض الحمراء في شوارع سورية ولا الصفراء في المجالس والمؤتمرات السورية في بلدان المهجر وبعض الدول العربية وغير العربية، لذا أنسحب من الصورة المبهمة للحل السوري وأعتذر من دعاتي لأنني لو وافقتهم لأنصبغت بصفة الغباء التي أسقطت على جميع أعمالهم وتصريحاتهم عربياً ودولياً.

يقول الثاني: أي عاقل في الوجود يرى أن وجودي أساسياً ورئيسياً في المشهد السوري اليوم، ومن غير الحنكة السياسية الدبلوماسية تستطيع إخراج الشعب السوري من محنته بأقل الخسائر؟ نعم أنا لها ولكن، دعونا لا نبالغ كثيراً فلقد أضعت مصطلحاتي في أربعين عاماً من الإستبداد، والمصادقة على برامجي وبياناتي وقف على إيجابية المكاتب السياسية للائتلافات الحزبية أو سلبيتها، ولأصدقكم القول أسعى جاهداً للتأييد الشعبي وصوتي مع نبض الشارع السوري، إن علا أعلو وإن خبا فليس لي مفر، ولست بصانع قرارات فكما ترون حكمت على نفسي بأن أكون صوت الشارع بطريقتي التي لن أغالي في تقييمها مع هذا الكم من التعقيدات العربية والدولية والتصويتات الخارجية والإنقسامات الداخلية، لذا دعونا لا نطيل أمد هذه المهزلة أكثر ولنبحث عن بديل.

يقول الثالث: لقد كنت خياّل المرحلة السابقة، ومن لم يتعرف على ناقد سوري أو فنان سوري أو ممثل سوري؟ أنا الوجه الحقيقي لسوريا والذي يعرفني به معظم العرب ومؤخراً نجحت بالحصول على التأييد الدولي، لكن لا أعلم من إستبعدني من المشهد الحالي فظن البعض أن الفن التشكيلي ليس له مكان في الأزمة ونسوا أن الأحمر دمي قبل دم الشهداء، وتخلوا عن الأديب وقالو له زمانه ولنا زماننا، فكان خطابهم غوغائياً بدون منطق، الكلمة المتينة الموزونة التي تعبر عن رأي وفكر صاحبها، نعم أنا لها وعلي وحدي يتوقف حل الأزمة السورية.

وأنا أؤيده وأقول نجح الشعب السوري بالوصول لفترة ذهبية من الثقافة والإبداع ليعبر بها عن وعي جماهيره كما يقال، ثقافة إتجهت للعلمانية الحديثة فوحدت صفوف الطوائف الدينية حتى لم يعد يشعر إبن البلد بوجودها والدليل على ذلك أن كان أول شعار للمتظاهرين (الشعب السوري واحد)، وبالثقافة عرض السوريون قضيتهم ورفعوا شعار ثورتهم لأن تطور مستوى ثقافتهم ووعيهم الفكري رفض واقع يتعارض مع طموحات وأهداف فكرية قادمة فكانت (ثورة كرامة)، وعلى وعي الجماهير وثقافتهم راهن الجميع، وأنا سأستخدم البند الثالث من الثالوث لأدعم ما تبقى من أركانه وأقويه ليرسم مستقبل سوريا الجديد ويمهد الطريق لكل من البركانين الأولين في الثالوث الجديد.

مطلوب من المثقف أن يصوغ سبل الحوار بين بين أحزاب المعارضة المتناقضة أولاً ويسعى لأن تكون صفاً واحداً مهيأ للفترة القادمة ببرنامج زمني وخطة قابلة للتنفيذ تشمل جميع اطياف المشهد السوري وأن يجمع شملهم بتصريحات لها نفس واحد وكلمة واحدة مقابل الند المحاور، ومطلوب من المثقف أن يدعم السياسي ويرتقي به ليقود الرأي العام وليس فقط ليعبر عن رأي الشارع ويسعى لنيل رضاه بل يقدم قامات سياسية مخضرمة تتولى مسئولية المرحلة القادمة وتمسك بزمام الأمور بعيداً عن الحرب الأهلية أو التدخلات الخارجية أو باقي السيناريوهات التي تجر البلد إلى مصير مجهول.

ومطلوب من المثقف أن يكسب رهان الجميع ويصر على حل بعيد عن الدموية ما ستطاع إليها، يشحن الحلول السلمية، وبالمقابل يقوي عزيمة المطالبين بفكر حديث راقي ينأى بهم عن غوغاء التشبيح والمزايدة والفبركة، فاليوم المثقف بالدرجة الأولى قبل السياسي وقبل المحاور، المثقف لأنه وبحكم واقعه إعتاد على وضع النقاط على الحروف والتحليل والتفسير والشرح بمزيد من الكلمات التي تناسب مختلف مستويات الفكر، المثقف هو الرهان الوحيد الذي سيخرج سوريا من ازمتها وستخرج لأنها لطالمت تمتعت بشريحة مشهود لها من قادة الرأي على المستوى الثقافي والإبداعي والقادرين على تحريض مكونات المجتمع السياسي القادم في سوريا الحوار، سوريا العلمانية بثالوثها الجديد.

هنادي دوارة الإمارات

Copyright © 2012 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

Leave your vote

0 points
Upvote Downvote

Total votes: 0

Upvotes: 0

Upvotes percentage: 0.000000%

Downvotes: 0

Downvotes percentage: 0.000000%

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق



Hey there!

Forgot password?

Don't have an account? Register

Forgot your password?

Enter your account data and we will send you a link to reset your password.

Your password reset link appears to be invalid or expired.

Close
of

Processing files…

أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك