أيها الإخوان.. لا تقتلونا بغيظنا

بقلم/
مصر : ۱٤-۵-۲۰۱۲ - ۹:۰٤ ص - نشر

لقد أثار دور جماعة الإخوان أثناء المرحلة الإنتقامية بعد الثورة، والذي كان آخر مشاهده ترشيح الشاطر (الذي إستبدل بمرسي) لرئاسة الجمهورية، زوبعة من ردود الأفعال الشعبية والنخبوية لدرجة التيقن عند البعض بالدور التآمري غير الوطني لجماعة الإخوان.

والحقيقة أن الجماعة نفسها لم تكن لتثير هذه الزوبعة لو لم يقم المجلس العسكري بالتفاهم والتحالف الذي تكررت مشاهده معها، وهو يشاركها في إجهاض ثورة يناير الحبيبة، دون أدنى مراعاة لحق الرعية البائسة، ذلك الشعب المصري الصابر، لكي يستمتع بمجرد حق الحياة الحرة والكرامة الإنسانية الفطرية ومسايرة الأحياء المكرمين من شعوب الأرض وأوطانها.

فزورة المجلس العسكري محلولة ومتوقعة!! جماعة جنرالات منتفعة في ظل نظام مبارك بشكل فائق للغاية، لن تستمر على حالها في ظل العدل والحق والحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية، التي تمثلها الثورة الشعبية الينايرية المستمرة، ومن ثم فيمكن أن نفهم أنهم يحاربون من أجل الحفاظ على هذه المكاسب والخروج الآمن الغانم. أما فزورة الجماعة فقد تركت العَنَان لكل مجتهد وطني أن يحاول فهمها وحلها وتفسيرها والتيقن من تأثيرها على المستقبل القريب للشعب المصري. وتمر الشهور وتتوالى الأحداث لتؤكد أن جماعة الإخوان لا تُولِي أهداف الثورة قدر أنملة من النظر والرعاية بقدر ما تلتهم كل فرصة متاحة لتحقيق أجندتها السرية.

إذن فماذا تريد جماعة الإخوان؟ قالها المرشد بوضوح وصرامة في رسالته الأخيرة: رسالة الجماعة "تبدأ بإصلاح الفرد ثم بناء الأسرة ثم إقامة المجتمع ثم الحكومة فالخلافة الراشدة فأستاذية العالم… أستاذية الهداية والرشاد والحق والعدل". لم يذكر المرشد في رسالته كلمة "مصر" مرة واحدة، ويستخدم مصطلح "الخلافة" ليخاطب مسلمي العالم المليار والنصف لينشئ نظاماً عالمياً فيه دولة الخلافة الإسلامية والحاكمية وسيادة العالم (على حد قول الشاطر) والأستاذية التي تتعامل مع العالم بما فيه مسلميه على أنهم مخلوقات تحتاج إلى أستاذية الإخوان وهدايتهم وكأن مسلمو العالم قد ضلوا عن الإسلام وهدايته.

وهنا نرجو من الجماعة العبقرية أن تسأل الشعب المصري الثائر: أيهما تريد أيها الشعب؟ الخلافة الراشدة وأستاذية العالم أم العيش والحرية والعدالة الإجتماعية؟ هل تريد أيها الشعب الصابر أن تجد رغيف عيش يؤكل وكوب ماء يشرب ومدرسة ومستشفى صالحين وعمل كريم أم تريد خلافة وأستاذية لدول العالم الضالة؟

حتى لا نظلم الإمام الشيخ حسن البنا، لابد من الإشارة إلى أنه قال لولا أن مصر كانت محتلة بالإنجليز خارجياً وأعوانهم داخلياً لتمنيت أن تقلع الجماعة عن أهدافها العالمية وتقتصر على الدعوة والعمل الخيري فقط. والحمد لله نحن الآن لسنا تحت الإحتلال الأجنبي. هذا وقد قال الإمام البنا مخاطباً الإخوان: "أيها الإخوان أنتم لستم جمعية خيرية ولا حزباً سياسياً ولا هيئة موضعية لأغراض محدودة المقاصد. ولكنكم روح جديد يسري في قلب هذه الأمة فيحييه بالقرآن، ونور جديد يُشرق فيبدد ظلام المادة بمعرفة اللَّه، وصوت داوٍ يعلو مردداً دعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم). ومن الحق الذي لا غلو فيه أن تشعروا أنكم تحملون هذا العب‏ء بعد أن تخلى عنه الناس."

لقد تبنت الجماعة بعد الإمام البنا نهج الحركات الفاشية الإقصائية الأيديولوجية العالمية مثل الشيوعية والصهيونية والماسونية. وهنا أود أن أسرد مواقع التشابه بين حركة الإخوان وحركة الصهيونية العالمية راجياً أن أكون مخطئاً في تلك النظرة:

١. الصهيونية حركة إرهابية غير قانونية هدفها إنشاء كيان صهيوني على حساب أرض فلسطين العربية بإستخدام جميع الوسائل المحرمة دولياً لأن الصهيونية لا تعترف بقوانين الأمم المتحدة وتعتبر نفسها فوق القانون، وتحولت جماعة الإخوان بعد نشأتها بحوالي عشر سنين إلى حركة سياسية عالمية غير قانونية تهدف لحكم العالم عن طريق الخلافة الإسلامية، وإتخذت من العنف سبيلاً بإغتيال رموز وطنية في العشر سنوات التالية.

٢. هناك دعم أمريكي للحركة الصهيونية، وهناك على ما يبدو دعم أمريكي أيضاً لحركة الإخوان المسلمين على الأقل في فترة حكم أوباما الحالية نظراً لإعتقاد أوباما أن الإسلام السني الذي يراه في الإخوان المسلمين هو الذي سيسمح ببقاء الحركة الصهيونية وحماية إسرائيل ويحمي العالم من التطرف الإسلامي الإيراني ومن التطرف الإسلامي المتمثل في القاعدة الوهابية التي قام بقتل زعيمها بن لادن، تارة ليكتسب شعبية أمريكية تتفوق على سابقيه، وتارة ليرهب الإخوان المسلمين معلناً أن هذا هو مصيرهم إذا إنحرفوا نحو الإسلام الوهابي المتطرف. ولذلك فشهر العسل بين السعودية وأوباما ليس في أحلى أوقاته.

٣. الشبه الثالث بين حركة الإخوان والحركة الصهيونية أن أيديولوجية الإخوان تتحقق على يد جماعة خيرية غير حكومية، وقد بنيت دولة إسرائيل بواسطة منظمة أهلية أيضاً هي نقابة العمال أو الهستدروت.

٤. تحتفظ الجماعة الإخوانية بنوع من التنظيم السري والمليشيات السرية تماماً مثلما فعلت الصهيونية العالمية عندما كونت الحركة الصهيونية مليشيات صهيونية من أهمها الهاجانه و الأرغون.

٥. التمسكن حتى التمكن، فقد دأب الصهاينة على الإدعاء بأنهم ظلموا وحرقوا وقهروا ثم إستمروا بعد إعلان دولة إسرائيل على التمسكن والادعاء بأنهم جماعة صغيرة ضعيفة مسالمة أمام جحافل العرب الهمجية العدوانية غير المسالمة، والآن تتغطرس إسرائيل على العالم كله بما فيه أمريكا نفسها. ونفس المنطق سمعناه من الإخوان الذين يقولون أنهم قُمعوا وسُجنوا وعُذبوا في ظل الحكم العسكري على مدى أكثر من ستين عاماً، وهاهم الآن كما نرى ينظرون بشذر وإستعلاء إلى جميع القوى السياسية الأخرى بعد أن تمكنوا من البرلمان والجمعية التأسيسية للدستور والنقابات والمحليات، ويصرون على إحتلال رأس السلطة التنفيذية، مقعد رئاسة الجمهورية، وإتباع مبدأ المغالبة لا المشاركة و"التكويش لا التمثيل".

الخلاصة: برنامج "اللهطة" الذي يسعى إليه الإخوان، يتعارض تماماً مع برنامج "النهضة" الذي يدعي الشاطر، أو مرسي الآن، أنه يحمله لمصر، وهما لم يكونا رجلي دولة ولا حتى سياسيين، ومن ثم فهما معدوما الخبرة في بناء الدولة حيث كانت خبرتهما في بناء الجماعة الإخوانية ذات الأيديولوجية الإقصائية الخيالية الفاشية التي تهدد مصر وشعب مصر ومستقبل هذا البلد الصابر، لو قُدر لهذه الجماعة أن يكتمل إستعمارها لسلطات مصر التشريعية والتنفيذية والقضائية. لقد انتقم مبارك ونظامه من مصر بإطلاق سراح تيار الإسلام السياسي بعد أن كان محظوراً ليشاركه في إعاثة كل هذا الفساد والإرهاب وتعطيل حركة البناء الثوري، وقام المجلس العسكري بتنفيذ الخطة بكل إحكام وحنكة، وستبقى سيئات هذه المرحلة الإنتقالية أوزاراً يتحملها المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى يوم الدين. مصر وشعبها ليست لعبة يتسلى بها الحكام الظالمون أو المحكومون الموتورون. إرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.

أ.د. محمد نبيل جامعمصر

أستاذ علم إجتماع التنمية بجامعة الإسكندرية

Copyright © 2012 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك