الثورة الطاهرة في مواجهة الأخلاق العاهرة

بقلم/
مصر : ۲۸-۳-۲۰۱۲ - ۱:۱۷ ص - نشر

جاهل من يظن أن الثورة والثوار قلةُ أدب، وخروجٌ على الحكام، وتعطيلٌ لعجلة الإنتاج، وشغلُ "صِيعٍ" عملاءَ خونةٍ مستأجرين. ليس من يظن ذلك جاهلاً فقط، بل هو في الحقيقة "سَمَكة". سمكةٌ لأنه معدوم الذاكرة. سيادة الجاهل هذا لا يتذكر الثمانية عشر يوماً الأولى من عمر الثورة، وكيف هلل شعب مصر كله في منازله، وعشرون مليوناً من جميع طوائفه، بما فيها سيادة هذا الجاهل نفسه، في ميادين مصر من أقصاها إلى أقصاها بميلاد الهبة العظمى من الله سبحانه وتعالى لإنهاء القهر والإستبداد والظلم والمهانة والإستعباد والتخلف المخزي، بميلاد ثورة يناير المستنيرة المجيدة، وإنهاء حكم مصاصي الدماء لأغنى دولة بالمنطقة العربية والإفريقية.

لقد خرجت الكنوز الخُلُقية، وجوانب الخير كلها، من مكنونات الشعب المصري وخاصة شبابه الأحرار، فرأينا الشجاعة والإقدام والتضحيات والتعاون والإيثار والتصميم والمسالمة والسماحة والتفاؤل والوطنية والصبر والمرابطة وتناغم الجنسين من الرجال والنساء. أعلن الشعب بكل شفافية وسلامة نية عن توحده مع القوات المسلحة وانطلق الشعار الذي كانت تَدْمَع له العيون "الجيش والشعب إيد واحدة"، ووقتها كانت تدمع العيون أيضاً عندما ترى صور الشهداء، فلذات أكبادنا، وعندما كنا نسمع كوكب الشرق تشدو "وقف الخلق ينظرون جميعاً كيف أبني قواعد المجد وحدي."

كنا نشك قليلاً جداً في صدق المجلس الأعلى للقوات المسلحة وتبنيه ودعمه للثورة، وصدقنا التحية العسكرية للشهداء، ولكن تنامت شكوكنا وبدأنا في مخاطبة المجلس العسكري للإلتزام بتحقيق أهداف الثورة، ولكن، للأسف الشديد، قاد المجلس العسكري بكل حنكة أهداها له مستشاروه من النظام الإستبدادي السابق حتى تحالف مع التيار الإسلامي بعد أن أطلقه من معاقله ومخابئه وزنازينه واستدعاه من منافيه حتى يجهضوا الثورة لتحقيق مكاسب متبادلة ضد مكاسب الشعب الصابر المأمولة.

ووصلنا الآن إلى مرحلة تتسم بالإنكشاف (أي عدم التستر) الواضح من أجل "الخروج الغانم"، وليس مجرد "الخروج الآمن"، للمجلس العسكري وجنرالاته القدامى وإستمرار حكم العسكر، ظاهراً كان أم باطناً، ثم اعتلاء دعاة الدين سدة الحكم، وسيطرة سيدة مصر الأولى، الحاضنة الفكرية لحزب الحرية والعدالة على السلطات التشريعية والتنفيذية لمصر العظيمة، وأي مغنم هذا أيتها الجماعة المحظوظة؟ والتيار السلفي في وسط هذه المعمعة يمثل دور "المحدقاتي" أو "كداب الزفة"، أي "معاكو معاكو، عليكو عليكو" فهو قد دخل في عالم السياسة ظاناً أنها فتح من الله ونصر مبين، وهو يظن أنها مبارزة فقهية أو ندوة دينية، وليس أدل على ذلك من مبادرات الآذان في البرلمان، ومشروع تطبيق الحدود، وغير ذلك من مراهقة سياسية ودينية.

كيف تنادي الثورة بالحرية، ومجهضو الثورة يقودون المرحلة الإنتقامية بالقهر والحبس والمحاكمات العسكرية بل وبالقتل والسحل والتعرية وإنتهاك الحرمات والقوانين وبإصدار المراسيم الدكتاتورية؟ كيف تنادي الثورة بالعدالة الاجتماعية ونواب الشعب "الزاهدون المتدينون!" يلبسون أفخر الحلل ويركبون السيارات الألمانية الفخمة محصنين بحراس الأجساد ورعاياهم في العشوائيات والأحياء الشعبية ينامون دون عشاء ودون كساء على حصائر مستهلكة بل وفي مياه الصرف الصحي؟

كيف تنادي الثورة بالعدل والقصاص ومجهضو الثورة يسعون بالتضليل والتقنين إلى التصالح مع مصاصي دماء مصر وقتلة الشهداء وتبرئة جميع المتهمين في قضايا قتل المتظاهرين وإنتهاك حرمات العذارى؟ كيف تنادي الثورة بالكرامة ويركع حكامنا لأمريكا وإسرائيل وينتظرون عطايا البنك الدولي الهزيلة المسمومة ودينارات الدويلات الخليجية التي نست جميعها أنها رضيعة أرض الكنانة، أم الدنيا ودرتها؟ أي نكسة نعيشها اليوم وقد تضاءلت بالنسبة لها النكسة الشهيرة عام ١٩٦٧؟ كيف يسعى الشرفاء أمثال البرادعي وصباحي وأبو الفتوح وزملاؤهم من المرشحين المحتملين ثم يواجهون بحرب ضروس لقمعهم برئيس توافقي هزلي، يستحيل نجاحه إلا بالتزوير، ليجهض الثورة ويقود مصر إلى مصير الظلام والتخلف والعبودية؟ ألهذه الدرجة هان عليكم أيها السادة الحكام مصر وشعبها ومقامها وتاريخها؟

يقول سبحانه وتعالى "وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ" (إبراهيم، ٤٢). هذا ما نقوله لمن يدبرون لإجهاض حلم النهضة لدولة طال إنتظار قيامها وشعب تاق لحقه في الحياة. أما الشعب المصري فلابد أن تتحرك مواقع الفعل والحركة فيه بداية من أطفال الثورة حتى شيوخها من أجل مقاومة الطغيان وإنتزاع الحياة الحرة الكريمة:

١. معركة الرئاسة الآن هي عنق الزجاجة، إما أن يستسلم المجلس العسكري والتيار السياسي المُسْتَدْيِن، لإرادة الناخبين والسماح لمرشحين وطنيين ثوريين أمثال صباحي وأبو الفتوح لحصد ما يستحقون من أصوات الشعب الواعي، وتسير الثورة في تحقيق مطالبها، وإما أن يرى المجلس العسكري أنه قد حُبِس في خانة "الياك" وأنه مهدد بعدم الخروج الآمن ومن ثم فسوف يعلن الحرب على مصر بدلاً من إسرائيل، تخصصه الدقيق عند الحاجة، وهنا تكون الكارثة. ولكن من يصدق أن الجيش سيطيع أوامر المجلس الأعلى في هذه الحالة؟ هذا أمر مستحيل فلن يقتل الجيش المصريين في الميادين والشوارع، وليس هذا مقام إثبات ذلك الآن. ولذلك فالحل الأمثل للمجلس الأعلى هو الرضوخ للحق ولمصر وشعب مصر. ويكفي الجيش ورجاله أن يكونوا جميعاً، وليس قياداته العليا فقط، فئة مميزة شأنها شأن القضاء والعاملين في البنوك وغير ذلك من فئات مميزة تمييزاً شفافاً معلناً مقبولاً.

٢. أشعر بالطمأنينة، التي أود أن يشعر بها أيضا كل أحرار مصر وأقباطها المسيحيون بصفة خاصة، حيث أن شطط التيار السياسي الإسلامي ومراهقته الدينية والسياسية سوف ينتهيان بمزاولة السياسة وظهور نسل أبو الفتوح والزعفراني ومحمد حبيب وشباب الإخوان ورجال حزب الوسط وهم جميعا نسل محمد عبده ورشيد رضا والغزالي والقرضاوي والهلباوي والغنوشي وغيرهم كثر. ومن ثم فهم فئة مستنيرة ترى الإسلام بعيون الواقع والعصر ومقتضياته وتحدياته العالمية وليس مجرد اللحى والجلابيب والحدود وفقه المرأة والحيض والنفاس. وأشعر بالطمأنينة أيضاً أن شباب التيار الإسلامي بتفرعاته المختلفة سيدعم هذا التيار السمح ليحق الحق ويعطي الإسلام حقه ويجعله برداً وسلاماً على البشرية جمعاء.

٣. وأخيرا فلينظر كل منا جميعاً إلى عيون أولاده وأحفاده ويحمد الله سبحانه وتعالى أن أنعم عليهم بمستقبل جميل مُشَرف سعيد كريم، حُرِمْنَا منه نحن عبر ستين عاماً كبيساً، بميلاد الثورة المجيدة والتي ستستمر رغماً عن أنف أعدائها قصار النظر من ديدان الأرض وسباع الجيفة، ورحم الله البابا شنوده رمز الإنسانية والحب والسلام، ورحم سبحانه وتعالى أمواتنا أجمعين فهم السابقون ونحن اللاحقون.

أ.د. محمد نبيل جامعمصر

أستاذ علم إجتماع التنمية بجامعة الإسكندرية

Copyright © 2012 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك