الثورة المصرية بعد عام

بقلم/
مصر : ۳۰-۱-۲۰۱۲ - ۹:۰۰ ص - نشر

إحتفلت مصر ومعها العالم العربي في الخامس والعشرين من شهر كانون الثاني/يناير بمرور الذكرى الأولى لإنطلاق الثورة المصرية المجيدة، والتي إلتقطت مشعل الثورة العربية من ثوار تونس البواسل الذين فتحوا طريق الربيع العربي على مصراعيه، ليدلف منه ملايين العرب المضطهدين المهمشين ويثوروا على جلاديهم، فمنهم من أنجز الفصل الأول من الثورة في إسقاط الطاغية، ومنهم ما زال يهتف في الميادين ينادي برحيل النظام أو محاكمة رموزه أو تصحيح مسار الثورة بعد أن إنقضـّت مجموعات كانت تنتظر على السياج تحاول أن تسرق الثورة أو تحرف مسارها أو تتورثها وتـُقصي من قام بها فعلاً.

بعد عام من إنطلاق الثورة المصرية الحضارية التي أنجزت هدفها الأول بإسقاط مبارك وبعض زبانيته، نود أن نقوم بمراجعة سريعة لما أنجزته الثورة وما لم تنجز، والتحديات الكبرى التي ما زالت تواجه مسيرة ثورة الحرية والكرامة.

إنجازات على طريق إستكمال مسيرة الثورة

  • إن إسقاط مبارك وولديه وزبانيته المقربين يعد إنجازاً كبيراً لا يجوز التقليل منه بعد ثلاثين سنة من الطغيان والفساد والتهميش. لقد حوّل نظام مبارك مصر إلى دولة ثانوية، لا تهش ولا تنش، غارقة في الفساد، تتحكم فيها الأجهزة الأمنية وتنصاع لرغبات إسرائيل لتضمن الموافقة على التوريث أكثر مما تصغي لأنات شعبها الذي يعاني نحو 60% منه من فقر مدقع. لقد حاول النظام التحايل على الجماهير بطرق عديدة وملتوية ليبقى في السلطة، إلا أن الجماهير ظلت متمسكة بمطلبها الرئيس وهو إسقاط الطاغية ومن حوله. لقد كان لإنتصار الثورة المصرية، بهذه السهولة النسبية والزخم الجماهيري العالي الذي تميزت به، فضل إنطلاق الثورات العربية الأخرى في اليمن وليبيا والبحرين وسوريا، وإنتشار المظاهرات الحاشدة في كل من المغرب والأردن وعـُمان وبعض المدن العراقية والمنطقة الشرقية في السعودية.
  • المنجز الثاني للثورة المصرية هو عدم الرضوخ للضغوط التي مورست على المجلس العسكري من قبل الدول النفطية لتسليم مبارك وولديه ومساعديه، بعد أن تم إعتقالهم وتوجيه التهم رسمياً لهم بعد نحو شهرين من سقوطهم. لقد قام وزير الخارجية السعودي، سعود الفيصل مصحوباً بوزير المالية، بلقاء المشير محمد حسين طنطاوي ليعرب عن قلقه من محاكمة مبارك ويعرض على المشير مبلغاً مغرياً من المال مقابل أن يصطحب معه صديقه المخلوع، إلا أن المجلس العسكري رفض مثل هذا الضغط وقال في مصر لا أحد فوق القانون.
  • المنجز الثالث للثورة أنها كسرت حاجز الخوف ولم يعد الشعب يخشى رصاص النظام ولا رجال الأمن ولا البلطجية، فالشعب المصري جاهز تماماً لأن يعود للشارع ويفرض إرادته إذا شعر أن ثورته في خطر. وبالفعل إستطاعت المظاهرات المليونية المتتابعة أن تسقط حكومة أحمد شفيق وتعين مكانها حكومة عصام شرف وتفرض محاكمة مبارك وإبنيه وأن تسقط بعض رموز النظام السابق وتحل البرلمان وتلغي الحزب الوطني وتطرد المحافظين المعينين وتصر على تغييرات جذرية في الدستور لغاية كتابة دستور جديد. لقد حولت الثورة الحاكم المصري من فرعون، يقف على رأس هرم لا يصل إليه أحد، إلى إنسان عادي يمشي على الأرض بين الناس يمكن إنتقاده والصراخ في وجهه ورميه بالبيض والطماطم إن لزم الأمر.
  • المنجز الرابع تمثل في عقد إنتخابات نزيهة بغض النظر عن الفئات التي كسبت تلك الانتخابات. فقد تكون هذه أول انتخابات حقيقية غير مزورة توصل من نجح في الإنتخابات بالفعل، بالضبط كما جرى في تونس وفي المغرب. لقد ساهم التزوير الفظ والوقح لآخر إنتخابات في عهد مبارك بتاريخ 28 نوفمبر 2010 في تحضير الأرضية الشاملة لإنطلاق ثورة 25 يناير 2011.

إلى أين تتجه مسارات الثورة المصرية؟ عقبات وتحديات

لقد أصيب معظم الشعب المصري والعربي بالإحباط للنتائج النهائية التي تمخضت عنها الثورة وخاصة بعد الإنتخابات الأخيرة. لقد أحس الناس أن الثورة بدأت تسلب منهم نهاراً جهاراً، وذلك للأسباب التالية:

  • إن العديد من رموز النظام السابق ما زالوا في السلطة. وتحت الضغط الشعبي فقط تم عزل بعض الرموز الكريهة كأحمد أبو الغيط وأنس الفقي. أما رئيس الوزراء الجنزوري وفايزة أبو النجا فقد خدموا لسنوات طويلة نظام مبارك. والغريب أن الدكتور نبيل العربي الذي عين وزيراً للخارجية في حكومة عصام شرف، مما أثار موجة من الإرتياح في العالم العربي لمواقفه الوطنية المعروفة، حيث تم إستبعاده من الخارجية أيام مبارك بسبب الضغط الأمريكي الإسرائيلي، ما لبث أن أبعد عن الخارجية بسرعة وبطريقة تثير التساؤل وعين أميناً عاماً للجامعة العربية، مما يذكرنا بإبعاد عمرو موسى عن الخارجيه وتعيينه أميناً عاماً للجامعة العربية.
  • إستمرار حالات الفوضى وإنعدام الأمن في كثير من المناطق، لدرجة أن جماهير الشعب بدأت تئن من واقع مرير من الناحيتين الإقتصادية والأمنية. تدفقت الجماهير بمئات الألوف في أواسط نوفمبر للإحتجاج على ممارسات المجلس العسكري، ولدهشة العالم عامة والشعب المصري خاصة تصدت قوات الأمن للمحتجين بفتح النيران وقتل نحو 40 محتجاً.
  • رغم تخوفات شباب الثورة، إلا أن المجلس العسكري أصر على عقد الإنتخابات البرلمانية في موعدها في نهاية نوفمبر مما عزز الشكوك لدى قطاعات واسعة من الشعب المصري والعربي أن صفقة بين المجلس العسكري وحركة الإخوان المسلمين قد عقدت تتضمن تبادل المنافع والمصالح. لقد كان واضحاً أن الإنتخابات لن تصب إلا لصالح الأكثر تنظيماً وأوسع ميزانية وهم الإخوان المسلمون، مع العلم أنهم إنضموا للثورة بعد أسبوع من إنطلاقها وبعد التأكد من زخمها وإستقطابها لكافة فئات الشعب، ثم كانوا أول من لبى نداء عمر سليمان للحوار الوطني. فكيف لمن لم يصنع الثورة وتردد في الانضمام إليها أن ينتهي بقطف ثمارها ويترك شباب الثورة الحقيقيين يلهثون دون تنظيم أو إستعداد لدخول إنتخابات يعرفون مسبقاً أنهم غير قادرين على كسبها؟
  • هناك إشارات أخرى تزيد من مخاوف الشارع المصري والعربي حول مواقف المجلس العسكري. فإنسحاب الدكتور محمد البرادعي من الترشح للإنتخابات الرئاسية، وتصريحات الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر حول شكه في أن ينصاع المجلس العسكري لحكم المدنيين، وتصريحات عصام العريان، مسؤول المكتب السياسي للإخوان المسلمين، حول تأييده بقاء المجلس العسكري في السلطة وبقاء الوزارة الحالية ستة شهور أخرى، كلها إشارات تدل على أن العسكر قد أحكموا القبضة على الوضع في البلاد وليس في برنامجهم حالياً التخلي عن السلطة لحكومة مدنية.

مصر إلى أين؟

نعرف أن الثورات تمر في منعطفات خطيرة قبل وصولها إلى حالة الاستقرار. فالثورة كما يعرفها علماء السياسة هي الإطاحة بنظام سياسي إجتماعي إقتصادي وإستبداله بنظام مختلف تماماً، عن طريق حركة شعبية عارمة أو عن طريق العنف المسلح. ففي المرحلة الإنتقالية بين إنطلاق الثورة وقبل الوصول إلى حالة الإستقرار تتعرض الثورات إلى الكثير من المطبات والمؤامرات الداخلية والخارجية ومحاولات حرف الثورة عن مسارها وزرع رجالات في جسم الثورة بهدف تخريبها.

والخارطة السياسية في مصر حالياً تقول إن هناك ثلاث قوى تتنافس وتتصارع: المجلس العسكري الذي يعتبر أن الثورة إنتهت وحققت أهدافها بسقوط مبارك وبعض أعوانه وحان الوقت للإحتفال، وحركة الإخوان المسلمين التي تعتبر أن الثورة إنتصرت بحصول الإنتخابات الحرة وإنتخاب برلمان يمثل نبض الشارع المصري، والقوى الوطنية والثورية مفجرة الثورة الحقيقية تعتبر أن الثورة لم تكتمل ولم تحقق أهدافها بعد وإذا توقفنا هنا يكون ما حدث في مصر عبارة عن إنتفاضة شعبية لا أكثر، غيرت رأس النظام لكنها لم تقتلعه من جذوره.

إننا واثقون في إنتصار الرأي الأخير، وأن االثورة لا بد وأن تصل بر الأمان بعد تضحيات جسيمة، وذلك لسبب بسيط وهو أن جماهير الشعب تخطت حاجز الخوف ولا توجد قوة في الأرض تستطيع خداعها أو إرهابها.

لقد سجلت الإنتخابات الأخيرة فوزاً ساحقاً للإسلاميين، كان متوقعاً بسبب تنظيمهم وعلاقاتهم الإجتماعية وإمكانياتهم المادية، لكن حصول السلفيين الممثلين في حزب النور الذي لم يمض على تأسيسه عام واحد على أكثر من 20% من الأصوات في الإنتخابات المصرية الأخيرة شيء غير مفهوم وغير واقعي وغير مبرر، إذ كيف يمكن لهذا التيار أن يحتل المرتبة الثانية بعد حركة الإخوان المسلمين والتي تجاوزت الثمانين عاماً في الخارطة السياسة المصرية، متجاوزاً الكثير من الأحزاب العريقة كالوفد والتجمع والغد وغيرها؟

لكنني واثق أن الإنتخابات القادمة المنضبطة لدستور متفق عليه ستغير الخارطة السياسية. فقد ينتخب الناس أول مرة بناء على الشعارات، لكن في المرات القادمة سينتخبون بناء على الإنجازات. ولذلك نحن واثقون بوعي الشعب المصري وقواه الحية، التي كما إستطاعت أن تسقط مبارك قادرة على تصحيح مسار الثورة وإيصالها إلى بر الأمان.

عبد الحميد صيامأمريكا

أستاذ العلوم السياسية ودراسات الشرق الأوسط في جامعة رتجرز بنيوجرزي

Copyright © 2012 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك