شرف الرجل الثاني

بقلم/
مصر : ۲۷-۱-۲۰۱۲ - ٦:۲٦ م - نشر

ليست زلة لسان أو عنوان لأحد أفلام "الأبيض والأسود" وإنما حقبة سوداء مظلمة ومضنية عاشها الشعب المصري بواقع أليم حينما تولى (الرجل الثاني) عصام شرف حكومة تسيير الأعمال خلفاً لحكومة أحمد شفيق (الرجل الأول) في الفترة من مارس حتى نوفمبر من العام الأول للثورة.

هذا الرجل الثاني بدأ يظهر في ميدان التحرير يوم 8 فبراير 2011 أثناء الثورة وقبل سقوط مبارك بثلاثة أيام.

عصام شرف إستطاع ركوب قطار الثورة بكل سهولة، ببعض الخطب الرنانة والكلمات المعسولة والأسلوب الناعم، مما أدى إلى جذب بعض من جموع الشباب وخداعهم وإستثارة عاطفتهم، وبذلك أنساهم أنه كان عضواً في لجنة السياسات بالحزب الوطني، وسرعان ما تم تعينه من قبل المجلس العسكري مع تساقط آخر ورقة صفراء من ورقات الرجل الأول.

وفجاة إزداد الترويج للرجل الثاني وبدأت تظهر كراماته المزيفة ومسلسلاته الإعلامية المشبوهه، فتارة تسمع أنه ذهب هو وأسرته لأحد مطاعم الفول والطعميه! وتارة تسمع أن الشرطة أعطت لإبنه مخالفة مرورية وعندما إكتشفوا أنه ابنه ألغوا المخالفة، ثم يقول هو إنه لايقبل أن يستثنى إبنه فهو مع القانون، والذى يفعل كل هذا ليس بعيداً عليه عندما يمر من ميدان التحرير فيجد رجلاً مصاباً بكسر في القدم فيسارع لإنقاذه ونقله إلى أقرب مستشفى!

وبعد هذه الكرامات التي روجها الإعلام المصري، شعر الشعب بأنه سوف يعيش في المدينة الفاضلة، ولكن سرعان ما تكسرت تلك الاحلام على صخور الواقع، ليبدأ الرجل الثاني عمله بقرارات سلبية متباطئة أثارت إستهجان الشارع المصري، خاصة حينما تقاعس وتخازل في إجلاء المصريين من ليبيا، الدولة الشقيقة التى لا يفصل بيننا وبينها سوى لحظات، بعد ما قامت كل الدول العربية والغربية بإجلاء رعاياها، من بينها فرنسا وإنجلترا وأمريكا وتونس وسوريا وغيرهم، ومن المفترض أن الرجل الذي جاء من ميدان التحرير مرتدياً عبائة الثورة، أن تكون قراراته ثورية ولا يغمض له جفن أو يهنأ له بال حتى يطمئن على كل مصري سواء بالداخل أو بالخارج.

وبعد ذلك غمرت البلاد أحداث من العنف والشغب وأزمات طائفية في مناطق متفرقة، لم يستطيع خلالها السيطرة والقضاء على الإنفلات الأمني وإجتثاث المشكلات من جذورها، مثلما عجز في بادئ الأمر عن تشكيل وزارة ثورية جديدة تحمل في طياتها أهداف ومبادئ الثورةإ فإحتفظ بجزء كبير من حكومة الرجل الأول وأضاف إليها أيضاً بعض فلول النظام الفاسد.

وبالتالي فمن إعتاد على الخطأ وسكت عليه، لا يستطيع تدارك أخطائه، وبالتافي لم يطهر الوزارات والمؤسسات المختلفة المدججة بمعاونين النظام البائد، الذين في صالحهم إبقاء الوضع كما هو وإثارة الرعب والفزع في قلوب الشعب وترويعه، ليحققوا مآربهم وينجوا من العقاب، وبذلك أعطاهم الوقت ليرتبوا ملفاتهم ويخفوا جرائمهم، فتسمع عن حريق في الجهاز المركزي للمحاسبات، وإختفاء لدفاتر وسجلات، ولا يقدم أحداً للمحاكمة حتى ولو على طريقة كبش الفداء في نظام حبيب العادلى.

ولم يطهر عصام شرف الإعلام بل سمح بظهور مجموعة من القنوات بطريقة مفاجئة، شغلها الشاغل التحدث في شئون مصر في محاولات لتضليل الشعب ووأد الثورة في مهدها، ولم يضع قنوناً لفرض الحظر على الفلول أو اعضاء الحزب المنحل، يجرمهم ويحرمهم من حق الترشح، بل سمح لهم بالإندساس تحت أكثر من مسمى في أحزاب جديدة لمحاولة التخفي والإلتفاف على الثورة.

وعلى الصعيد الدولي لم يستطع إسترجاع الأموال المنهوبة ولم يستخدم أية وسيلة لإسترجاعها، وترك الأمر برمته وظل يتنقل بين البلاد طالباً للصدقة ومتسولاً على مصر، قلب العروبة النابض، يميناً وشمالاً، شرقاً وغرباً، بحجة دعم إقتصاد مصر المنهار ودعم ودفع عجلة الإنتاج، وكانت فرصة أيضاً للبعد عن الضغوط الداخلية من الثوار والهروب من مطالبهم وتساؤلاتهم، لكي يتضح مع مرور الوقت أن هناك خزائن بوزارة المالية تحت تصرف المخلوع بها مبالغ قادرة على سد العجز وأيضاً حفظ الكرامة من التسول ومن تمنع هذا وذاك وفرض الشروط. أليس أهل مكة أدرى بشعابها؟

ذاك هو الإنهيار والتدني الحقيقي، فبدلاً من أن يعيد الرجل الثورى كرامة المصريين، دفنها في الوحل، فالشرفاء أولى عندهم أن يموتوا من الجوع ولا يمدوا أيديهم لأحد، ولكن لا يعرف معنى الكرامة إلا الثائر الحق، فهو من نشأ عليها وثار من أجلها.

وأيضاً على الصعيد الدولي فشل عصام شرف فشلاً ذريعاً، فلم يغير عقود الغاز، ففي الوقت الذي كان يصدر فيه الغاز لأوروبا وإسرائيل ومختلف الدول والتي يقدر ثمن أنبوب البوتجاز في إسرائيل "بتعريفه" وصل ثمنه إلى خمسين جنيهاً للمواطن المصري، ولم يستطيع حتى أن يجدها، وكان الهدف أن يكره المصريون الثورة والثوار.

وسمح عصام شرف بإرتكاب عمليات ممنهجة أضرت بالحياة السياسية والاجتماعية في مصر، فلم يأخذ موقفاً أو يرأب صدعاً، ففي أحداث السفارة لزم الصمت، وإمتنع عن الكلام، تاركاً العسكر يبنون بأيديهم الجدار العازل داخل الوطن، هذا المشهد الذي أدمى قلبي وإقشعر له بدني كسائر المصريين، وكان بمثابة خزي وعار على كل من أقر بناء هذا الجدار وكل من شاركت أيديهم في بنائه، ولكن إستطاع أبناء مصر الشرفاء أن يهدموا هذا الجدار في لمحة بصر، في مشهد يذكرني بقهر خط بارليف، على الرغم أنني أختلف جملة وتفصيلاً مع موقف إقتحام السفارة أو حتى مهاجمتها، ولكني لا أقبل أبداً قتل جندي مصري على الحدود أو أي مصرى بالداخل أو بالخارج.

هذا إلى جانب إلقاء القبض على أكثر من 12 ألف مواطن من الثوار ومحاكمتهم محاكمات عسكرية وإستمرار قانون الطوارئ، بالإضافة الى أحداث العنف الرهيبة التي حدثت ضد المصريين أمام ماسبيرو والتي راح ضحيتها أكثر من 45 شهيداً ومئات المصابين، لكى يخرج عقبها عصام شرف بحديث هزيل يتأسف ولم يأتي بجديد، وتعامل مع الموقف كسحابة صيف، ولم يتم التحقيق في الواقعة ولم يضرب بيد من حديد على الإعلام الفاسد الذي أوقد جحيم الفتنة، حينما ظهرت المذيعة تقول "إنقذوا الجيش من يد الأقباط" وكلما تزايدت عليه الضغوط والمطالب الشعبية والمطالبة بتقديم حلول حقيقية، يستخدم أسلوب الترفع وتقديم الإستقالة، وبعد ذلك لا يستقيل، وهكذا مراراً وتكراراً وفى كل مرة نسمع بأن المجلس العسكري قد أقنعه وضغط عليه للبقاء.

وفي نهاية المطاف، هل عبادة الكراسي وصلت إلى هذا الحد؟ وهل البقاء في المناصب والسلطة التي لا تدوم أهم أم عبادة الله الواحد القهار والعمل من أجل لقائه؟

عصام شرف هو الذي وعد بأنه سوف يعود إلى ميدان التحرير في حال فشله في تحقيق مطالب الثورة، فشهد على نفسه، فبعد أن إحتار في امره البعض، قالوا إنه يتسم بالخجل والحياء والبعض قال إنه منزوع الصلاحيات، فاذا كان السبب الأول، فعذر أقبح من ذنب، فلا مجال للعواطف في العمل مع أحد ولا مجال للوساطة أو المحسوبية أو التوريث.

وإذا كان السبب الثاني فأية كرامة تقبل هذا الذل والمهانة أو ترضى أن تكون قناعاً أو وشاحاً مدنساً يمر من خلاله كل القوانين والأعمال المعيبة، فكان من باب أولى ان يستقيل عصام شرف ويحدد أن مكانه هل بجانب الثوار فى الميدان الذي إستمد شرعيته منه، وليس بجانب وثيقة السلمي التي تقر بإنقلاب العسكر على الثورة بنص مكتوب، ومن ثم إعادة إنتاج النظام الفاسد المخلوع فى الطريق إلى تبرئته وإعادته للحكم، ليقال عقب أحداث شارع محمد محمود والتي كانت محاولة أخيرة للإبقاء على الضالة المنشودة أو الرجل الثانى والكنز الثمين للنظام، وفي 10-12-2011 يخرج علينا ليعتذر على صفحات "فيس بوك" في إعتذار وصفه الشباب بالمتأخر، ولكي يقول "أعتذر لكل من وجد مواقف الحكومة، عندما كنت رئيساً لها، أقل من توقعاته".

وفي النهاية، فليقف الجميع أمام الله ليحاسبهم على ما إقترفوه من جرائم في حق الآخرين وحتى في حق أنفسهم.

محمد عايد مصر

Copyright © 2012 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

Leave your vote

0 points
Upvote Downvote

Total votes: 0

Upvotes: 0

Upvotes percentage: 0.000000%

Downvotes: 0

Downvotes percentage: 0.000000%

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق



Hey there!

Forgot password?

Don't have an account? Register

Forgot your password?

Enter your account data and we will send you a link to reset your password.

Your password reset link appears to be invalid or expired.

Close
of

Processing files…

أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك

Warning: mkdir(): Disk quota exceeded in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 321

Fatal error: Uncaught exception 'Exception' with message 'Cache directory not writable. ZenCache needs this directory please: `/homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/cache/zencache/cache/http/ahlan-com/2012/01/27`. Set permissions to `755` or higher; `777` might be needed in some cases.' in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php:324 Stack trace: #0 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->WebSharks\ZenCache\Pro\{closure}('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #1 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/classes/AbsBaseAp.php(55): call_user_func_array(Object(Closure), Array) #2 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AbsBaseAp->__call('outputBufferCal...', Array) #3 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->outputBufferCallbackHandler('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #4 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-includ in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 324