الثورات العربية بعد عام

بقلم/
مصر : ۲٤-۱۲-۲۰۱۱ - ۱۰:۱۱ ص - نشر

مع نهاية عام ٢٠١١ نقف جميعاً لنراجع التطورات العظيمة خلال هذا العام والتي لم تشهدها منطقتنا العربية منذ الثورات المناوئة للإستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي والصهيوني مجتمعة.

ففي السابع عشر من شهر كانون الأول (ديسمبر) من عام ٢٠١٠ أشعل الشاب التونسي محمد البوعزيزي النار في جسده ولم يعش كي يعرف أنه أشعل النار في مجموع النظام العربي الواحد أو شبه الواحد من الرباط غرباً إلى صلالة شرقاً.

عام كامل على إنطلاق ما سمي عالمياً بالربيع العربي ومازال كتاب الثورة مفتوحاً على أكثر من إحتمال، ومازالت القوى المضادة لثورات الشعوب تحاول حرف مسارات الثورات السلمية عن أهدافها والإستيلاء عليها من قبل القوى التي لم تشارك في الثورة أصلاً أو تجييرها لصالح المخططات المعادية لهذه الأمة، المخططات التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل والقوى الأكثر رجعية وتخلفاً في العالم العربي.

في هذه المقالة سأقوم بمراجعة سريعة لمنجزات الربيع العربي وإخفاقاته والأخطاء التي بدأ يرتكبها بعض رموز هذه الثورات في محاولة للمساهمة في تصحيح المسار والتحذير من إستلاب هذه المنجزات وتفريغها من محتواها وإعادة الشعوب العربية إلى عهد الطغاة مرة أخرى.

صحيح أن سنة في عمر أية ثورة يعتبر ومضة عين في كتاب التاريخ. فلا توجد ثورة تولد كاملة وتنتقل إلى الإستقرار فوراً. فكما كانت مرحلة الميلاد طويلة وعسيرة فلا شك أن الفترة الإنتقالية التي تعبرها كل ثورة لتصل إلى شاطئ الإستقرار قد تطول وتقصر بناءاً على عوامل ذاتية وأخرى موضوعية خارج سيطرتها.

فالقوى المعادية للثورة والقوى العميلة المرتبطة بأجندات خارجية بالإضافة إلى التدخلات الخارجية المباشرة وغير المباشرة كلها تلعب دوراً في تسريع أو تأجيل الإنتصار النهائي. كمأ أن قوى الثورة نفسها والشرائح المستفيدة من التحالف عند قيام الثورة لا تلبث أن تنقسم جماعات وأحزاباً بعد سقوط النظام، كل فريق يبحث عن مصالحه ومواقعه في مرحلة ما بعد الثورة. وقد ينتهي الحال بتهميش القوى الفعلية التي قامت بالثورة وقيام قوى كانت تقف على السياج متفرجة باقتناص الثورة مثلما حدث في مصر مؤخراً كما تبين من نتائج الإنتخابات.

الإنجاز الأكبر

قد لا يختلف الكثيرون على إن إسقاط أربعة من أعتى الطغاة العرب يعد إنجازاً عظيماً في حد ذاته. فسقوط زين العابدين بن علي وحسني مبارك ومعمر القذافي وعلي عبد الله صالح يعتبر مكسباً للأمة العربية وشعوبها المضطهدة المهمشة والمسلوبة. ولا بد أن نثني بشكل خاص على ثورتي تونس ومصر الحضاريتين واللتين أطلقتا موجات الإحتجاج في معظم الدول العربية من المغرب غرباً إلى عمان والقطيف والسليمانية شرقاً، مروراً بليبيا وسوريا واليمن والبحرين والجزائر والأردن. لقد انقسمت ردود أفعال الأنظمة الدكتاتوية على هذه الثورات إلى ثلاثة طرق:

  • الإنحناء قليلاً أمام العاصفة: وقد كان المغرب أفضل من إلتقط الرسالة بعد المظاهرة المليونية التي خرجت يوم ٢٠ شباط (فبراير) حيث قبل الملك محمد السادس معظم مطالب المعارضة وأدخل تعديلات جادة على الدستور وسحب يديه من تعيين رئيس الوزراء ووسع صلاحيات البرلمان، ولكنه أبقى كثيراً من مصادر القوة في يديه كمؤسسة الجيش ودائرة الأوقاف وغيرها، وهي مازالت مواضيع نقاش حامية بين المعارضة والعرش لغاية الآن. كما أن دول الخليج سارعت في توزيع الأموال ورفع الرواتب وتقديم هدايا مالية لكل عائلة وقطع الوعود بالمزيد من المحفزات والإصلاحات والإعفاءات وتوسيع المشاركة الشعبية.
  • إخضاع الثورة بالحديد والنار والصوراريخ: كما فعل نظاما العقيد المخلوع وبشار الأسد. فكلا النظامين إعتبرا أن المتظاهرين في الشارع حشرات وجراثيم وعملاء وخونة ومن عناصر القاعدة ولا تستحق إلا الموت والإبادة، مما عبد الطريق للقوى الخارجية والمعادية أن تستغل هذه الفجوة لتدويل الأزمة كما حدث في ليبيا، وتعريب الأزمة كخطوة سابقة للتدويل كما يحصل الآن في سوريا. أما البحرين فقد إستعانت بقوات درع الجزيرة لتجهض الثورة، متهمة المتظاهرين بالإصطفاف الطائفي، وقد عززت قناتا العالم والمنار هذا التخوف لشدة التركيز على ثورة البحرين دون غيرها، بينما إختارت قناة الجزيرة أن تعمي عيونها وكاميراتها عمّا يجري في البلد المجاور لمقرالقناة.
  • العنف المتقطع والتخويف والتهديد والمرواغة والإحتيال: كما حدث في اليمن، حيث إستطاع نظام علي عبد الله صالح أن يرواغ طويلاً بفضل الدعم الخليجي، وخاصة السعودي، بهدف وقف زحف الثوارت بعيداً عن تراب البلاد حتى لا يحصل المحظور ويدخل نسيم الثورة أرض "مدن الملح" كما وصفها المرحوم عبد الرحمن منيف. غير أنه في نهاية المطاف إضطر أن يوقع على المبادرة الخليجية التي فتحت المجال لنقل السلطة والتحول السلمي نحو الانتخابات الحرة والنزيهة التي ستوصل البلاد إلى التعددية السياسية وسيادة القانون وتمكين المرأة وقيام تنمية رشيدة بعيدة عن أسلوب صالح الأهوج في إثارة النعرات وإشعال الحروب الداخلية والارتهان للأجنبي. إن مطالب الثورة في ملاحقة صالح وتقديمه للمحاكمة مطالب صحيحة وعادلة ولا تموت بمرور الزمن. ونحن على موعد مع تلك المحاكمات ولو غيابياً بعد أن يستتب الأمن وترسو سفينة الثورة على بر الأمان رغم العواصف التي مازالت تعترضها بفعل بلاطجة صالح وأولاده وأقاربه وأصهاره.

مخاوف وتحذيرات

إن الحراك العربي الآن قد تجاوز خط اللاعودة ولا بد أن يستمر إلى أن يصل خط النهاية. ولكننا نريد أن نحذر من بعض الظواهر السلبية التي قد تعصف بمجمل منجزات الثورات:

  • إن مظاهر الإنقسامات السياسية والإستقواء بالخارج ظاهرة خطيرة قد تؤدي إلى تآكل التعاطف مع أي ثورة، كما هو الحال في الثورة السورية. فالإنقسام الحاد بين المجلس الوطني الإنتقالي ولجان التنسيق ينعكس على مجمل حركة الثورة السورية ويؤدي إلى تبخر الزخم الذي حازت عليه في الشهور الأربعة الأولى. لقد جاءت تصريحات برهان غليون بإستعداده للتخلي عن المقاومة وقطع العلاقة مع إيران والبحث عن تسوية للجولان المحتل، على طريقة كامب ديفد، مخيبة للآمال وترسل إشارات واضحة أن هناك إرتهاناً للموقفين الفرنسي والأمريكي، مما قد يدفع بالملايين التي وقفت إلى جانب الثورة أن تعيد حساباتها. إن توحيد المعارضتين الخارجية والداخلية حول برنامج واحد ونبذ فكرة التدخل الخارجي نهائياً والإعتماد على الذات والمحافظة قدر الإمكان على سلمية الثورة والدفع باتجاه المزيد من إنضمام وحدات من الجيش والأمن والميليشيات إلى صفوف الثورة يسرع في انتصارها ويحافظ على برنامجها الوطني غير المرتهن للخارج.
  • لقد كانت زيارة راشد الغنوشي لمعهد سياسات الشرق الأدنى في واشنطن العاصمة، المنبر الأهم لغلاة الصهاينة والإيباك واليمين المتطرف، بداية غير موفقة حتى لو لم يقل شيئاً، بل إن مجرد هكذا زيارة ترسل رسالة خطيرة لما هو آت. إن التركيز على شعار "تونس أولا" والتخلي عن الواجب القومي نحو القضية الفلسطينية يثير حفيظة كل من وقف مع هذه الثورات مؤيداً ومشجعاً ومنتمياً. نتمنى على الشيخ الغنوشي أن يعيد حساباته ويعزز إنتماءه للشارعين العربي والإسلامي الشريفين اللذين وقفا معه ومع نضال الشعب التونسي ضد الدكتاتوية اليغيضة طوال هذه السنوات. لا نريد أن نستبدل الأنظمة الدكتاتورية بأنطمة منتخبة ديمقراطياً ويبقى شعار الدولة القطرية هو القاسم المشترك بين النظامين والعهدين والمرحلتين.
  • إن الإنتخابات التي جرت في مصر وتونس والمغرب وأوصلت التيارات الإسلامية "المعتدلة" لسدة الحكم أمر طبيعي ومفهوم في المرحلة الأولى، لأن هذه التيارات أكثر تنظيماً وأكثر عدداً وأوسع ميزانية. لكن الإنتخابات القادمة، نتمنى ذلك على الأقل، ستكون بناء على الإنجازات لا على الشعارات. فالجمهور الواعي هو الذي يحاسب الأحزاب على أدائها فيكافئها إذا حققت الوعود التي قطعتها أو جزءاً كبيراً منها، ويعاقبها إذا فشلت في تحقيق تلك الوعود. ومراجعة لانتخابات تركيا عام ٢٠٠٢ و٢٠٠٧ و٢٠١١ تبين بكل وضوح لماذا أعاد الشعب التركي حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم بزخم أكبر ودعم أوسع.
  • إن حصول السلفيين الممثلين في حزب النور الذي لم يمض على تأسيسه عام واحد على أكثر من ٢٠% من الأصوات في الإنتخابات المصرية الأخيرة شيء غير مفهوم وغير واقعي وغير مبرر إلا إذا كانت هناك قوى خارج الحدود تصب الملايين لصالح هذا التيار الغريب حتى على المجتمع المصري، ليكون إنتصاره رسالة ضد الثورات العربية عموماً والثورة المصرية خصوصاً. وكأني بمن يدعم هذا الحزب يريد أن يقول إذا أردتم الثورات فهؤلاء من سيحققون الفوز في الإنتخابات. لقد رافق فوز هذا التيار موجة من التخوفات، لدى الشرائح الأكثر انفتاحاً وتحرراً، تخوفات من مصادرة الحريات الشخصية وتشويه ما توافق عليه الناس على مر العصور كعرض التماثيل الفرعونية وتماثيل رجالات مصر العظام في الأماكن العامة وحصر دور المرأة المغلفة في لفافة سوداء في المطبخ وغرفة الولادة فقط وتحديد الملابس المسموحة والأخرى الممنوعة ومنع الإختلاط في العمل أو الجامعة أو القطار. إن مثل تلك المخاوف عند غالبية أبناء مصر مبررة ولا بد من حسم الشك في النوايا بيقين القرارت التي تحمي الحريات العامة.
  • إن تصفية العقيد القذافي بتلك الصورة الفظيعة ساهمت في تشويه صورة الثورة الليبية وتوجيه الكثير من أسهم التشكيك في الانتصار العظيم الذي أنجزه الثوار رغم كل ما قيل عن دور الناتو الذي تجاوز كثيراً حدود الصلاحيات التي خولها له مجلس الأمن حسب منطوق القرار ١٩٧٣ (لسنة ٢٠١١). لقد أحسن الثوار صنعاً بإعتقال سيف الإسلام بطريقة خالية من العنف وإمتهان الكرامة وتأمين حقه في محاكمة عادلة. لكن المزيد من الإنضباط مازال مطلوباً والعمل معاً على بناء الدولة المركزية القائمة على مبادئ العدل والمساواة والتعددية والشفافية وإحترام حقوق الإنسان ومنهم العمال الوافدون، وتمكين المرأة ومحاسبة الفساد والفاسدين والتضامن مع الأمة العربية في قضاياها المصيرية بعيداً عن التبعية والذيلية والإنصياع للأجنبي الذي يسيل لعابه على كنوز ليبيا الجوفية. كلنا ثقة أن تصل ليبيا إلى بر الأمان قريباً.

في النهاية نود أن ننوه أن من أصعب الأمور في هذه الأيام إتخاذ موقف متوازن يقوم على دعم الثورات العربية جميعها وفي نفس الوقت يرفض عسكرة هذه الثورات كما يرفض التدخل الخارجي. إن التغييرات التي حدثت خلال عام لا شك عظيمة ونحن نرى الفرق بين تونس اليوم برئاسة المنصف المرزوقي إبن الشعب والمكافح من أجل حقوق الإنسان والمعجب كثيراً بالمهاتما غاندي والذي قضى جزءاً من عمره في سجون النظام البائد وبين قيادات المرحلة السلطوية الماضية التي تربع على قمتها مجموعة من الفاسدين. وشتان بين مصر التي تغلق حدودها مع غزة لتعطي مجالاً لآلة الموت الإسرائيلية لتلغ في دماء الفلسطينيين وبين شباب الثورة الذين تسلقوا مبنى السفارة الإسرائيلية وأحرقوا العلم الإسرائليي مما إضطر طاقم السفارة للهرب متخفين في ملابس عربية بعد تدخل الرئيس الأمريكي أوباما مع المشير الطنطاوي مباشرة. علينا ألا نقلل من عظمة هذه الثورات وعلينا أن نبتعد عن أسلوب التشكيك والقدح والتخوين. لكن علينا أيضاً أن نبقى العيون مفتوحة والأقلام مشحوذة للمراقبة والتنبيه والتصحيح ودق ناقوس الخطر إذا ما شاهدنا أي إنحراف أو مؤامرة أو انقسام، فهذه الثورات، على عكس ما قال السيد الغنوشي، لا تعني القطر الواحد فحسب بل تعني الأمة بكاملها من محيطها إلى خليجها وخاصة القضية المركزية دائمة الحضور والاستصراخ: القضية الفلسطينية.

عبد الحميد صيامأمريكا

أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في منطقة نيويورك

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

تعليق واحد

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك