العراق ونهاية الإحتلال.. فرصة للنهضة؟

بقلم/
مصر : ۸-۱۲-۲۰۱۱ - ۱۰:۵٤ ص - نشر

من يطلع على تاريخ العراق، منذ فجر التاريخ إلى يومنا هذا، يصل إلى قناعة مفادها أن هذا البلد الغني بتاريخه وحضارته وموارده الطبيعية والبشرية محكوم عليه بالعنف أو مصاب بلعنة الموت منذ قتل إغتيالا ريموش بن شاروكين إبن الملك الأكادي سرجون الأول عام 2275 قبل الميلاد إلى شنق صدام حسين على يد الإحتلال الأمريكي بتاريخ 31 كانون الأول/ديسمبر 2006.

قدر العراق على مر الزمان أن يتعرض مرة لغزو خارجي ومرات لصراع داخلي. فكلما أغلق باب الصراعات الخارجية إنطلاقاً من العراق أو إستهدافاً للعراق، فتح باب الصراعات الداخلية والاغتيالات والمؤامرات.ولو نبشنا صفحات مقتضبة من التاريخ العربي الإسلامي فقط لذهلنا حقاً من كثرة ما جندل على أرض العراق من رؤوس لولاة وأئمة صالحين وخلفاء وزعماء طرق وقادة طوائف وفقهاء وكتاب.

لا يعادل ما جرى لبغداد عام 1258 على أيدى المغول الذي دمروا المدينة وقتلوا الغالبية الساحقة من سكانها الذين كانوا يربون على المليون ورموا بملايين المجلدات في نهر دجلة حتى ازورت مياهه لكثرة الحبر الأسود، إلا ما جرى لبغداد وأخواتها بعد الاحتلال الذي بدأ في التاسع من نيسان/أبريل عام 2003 على أيدي الولايات المتحدة وحفنة من صغار الحلفاء. جريمة ستنحفر في مخيال أجيال من الشعب العراقي والعربي ربما لأكثر من خمسمائة سنة قادمة فهذه جريمة لا تعادلها جريمة أخرى لأنها بكل بساطة غير مبررة وغير شرعية وغير أخلاقية، كما قال الشاعر تميم البرغوثي:

هذي المصيبة لا يرقى الحداد لها… لا كربلاء رأت هذا ولا النجف.

تستعد الآن الولايات المتحدة للرحيل المر من أرض الرافدين وهي الخاسر الأكبر بعد ثماني سنوات وثمانية أشهر وعشرين يوماً من الإحتلال. لقد كان ثمن الإحتلال باهظاً، فعدا عن نحو خمسة آلاف قتيل وعشرات الآلاف من الجرحى، دفع الشعب الأمريكي من ضرائبه ما يزيد عن ألف مليار دولار (تريلون دولار بالحساب الأمريكي) أدت إلى وضع إقتصادي على شفا الإنهيار.

أما العراق، فحدث عن الخسائر بلا حرج، فقد من أبنائه وبناته ما يعادل ما فقدت بغداد على أيدي المغول أو يزيد، وتشرد نحو أربعة ملايين بين لاجئ ومهجر ودمرت البنى التحتية وإنتشر الفساد بشكل غير مسبوق، حيث تحتل العراق المرتبة 176 من مجموع 179 دولة، في معدلات الفساد، ولم تتفوق إلا على الصومال وأفغانستان وميانمار.

لقد إرتفعت نسبة وفيات الأطفال في العراق خلال الحصار والإحتلال لتصل المرتبة ما قبل الأخيرة، متفوقة على النيجر فقط. إنفلت الغول الطائفي بسبب الإحتلال ليحطم الكثير من نسيج المجتمع العراقي ويؤدي إلى قتل الآلاف من الأبرياء من كل الطوائف حتى كاد العراق أن يفرغ من سكانه المسيحيين الذي كان يزيد عددهم عن المليون.

المؤسسات التعليمية العراقية تصدعت، والصناعة توقفت والخدمات الأساسية شحت والأوضاع الإنسانية تفاقمت وإنتهاكات حقوق الإنسان شهدت جرائم لا يرقى إليها مثيل، مرة على أيدي الاحتلال كما حدث في سجن أبو غريب، ومرات على أيدي الميليشيات أو رجال الأمن والمخابرات. بغداد لا تكاد تعرف معالمها الآن لكثرة الأسوار التي تحيط بالبيوت والمؤسسات والمساجد والدوائر الحكومية والبعثات الأجنبية إن وجدت. والأخطر من هذا وذاك أن العراق تحول إلى تربة خصبة لإستنبات الإرهاب والتطرف الديني والتطرف العرقي بعد أن كان عصياً على تلك الآفات.

الإحتلال الأمريكي يكاد يطوي صفحة سوداء يترك وراءه عراقاً ممزقاً فقيراً مقطع الأوصال يُرفع في أقاليمه أكثر من علم ويُسمع فيه أكثر من نشيد وطني ويتم التنازع فيه على ملكية المدن ويجري فيه الإستعداد للمزيد من تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ وتفكيك المفكك. كل هذا يثبت أن الهدف من الإحتلال لم يكن تدمير أسلحة الدمار الشامل الوهمية ولا محاربة الإرهاب ولا عقاب العراق على علاقته غير الموجودة بالقاعدة ولا قيام حكم ديمقراطي ولا الإطاحة بصدام حسين كأحد الطغاة الأكثر دموية في العصر الحديث، بل الهدف الحقيقي كان تدمير العراق البلد والشعب والإمكانيات والحضارة والتاريخ والعلم والمستقبل، خدمة لإسرائيل أولاً وتأميناً لآبار النفط المكتنزة بإحتياطي يكفي العالم لثمانين سنة قادمة ثانياً.

فكم سنة سيحتاج أبناء العراق المخلصون الوطنيون غير المرتهنين لأجندات خارجية سواء، كانت على مرمى حجر أو على الطرف الآخر من الكرة الأرضية، لإعادة بناء وطنهم على أسس متينة تحصنه من أي عدوان خارجي أو تصدعات داخلية؟

عراق الخير والمستقبل:

العراق الآن على أبواب مرحلة جديدة لا يمكن التنبؤ بأبعادها ومساراتها المستقبلية. فقد ينزلق مرة أخرى إلى الصراع الداخلي وقد يعمل فعلاً على طي صفحة الإحتلال الأمريكي البغيض الذي دمر الزرع وأحرق الضرع وحول البلاد إلى قطع فسيفساء متنافرة. نخشى أن يكون هناك من يريد أن يستبدل الإحتلال الأمريكي بإحتلال من نوع آخر، من بعض دول الجوار، والذي قد يطال هوية العراق العربية ويحوله إلى بلد ذيلي مشوه عاجز مقسم لا هو بالقديم الأصيل ولا بالجديد المتطور.

هذه فرصة أمام الأغلبية الصامتة المرتبطة بوطنها والمخلصة لتاريخه وهويته والمؤمنة بقدرات أبنائه، كي تعيد قراءة تاريخها وتستوحي منه ضرورة المحافظة على وحدة نسيج المجتمع، وتتحرك سلمياً لتفرض أجندتها الوطنية التي تعيد للعراق وحدته الداخلية وموقعه الحضاري ليلعب دوراً ريادياً في نهضة هذه الأمة بعيداً عن سياسة الإملاءات الخارجية أو المصالح الطائفية الضيقة.

نحن عشاق العراق نعلن ما يلي:

نريد أن نعود إلى حضن العراق الدافئ المعافى الواعد بالخير لنستمتع بغابات النخيل ساعة السحر ونقرأ ما تيسر من أنشودة المطر قرب تمثال بدر شاكر السياب في بلدة جيكور القريبة من البصرة ونتمشى على نهر دجلة ونأكل شيئاً من المسقوف على أنغام صوت ناظم الغزالي، فهل حلم الملايين سيتحقق؟

عبد الحميد صيامأمريكا

أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في منطقة نيويورك

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك