الربيع العربي والديكتاتوريات الجديدة

بقلم/
مصر : ۲۹-۱۱-۲۰۱۱ - ۹:۵۳ ص - نشر

الناظر إلى واقع العالم العربي هذه الأيام يوقن أن ثمة مخاضات عسيرة تأخد طريقها نحو حاضر ومستقبل مختلف للأجيال المقبلة. هذا الواقع حتماً لن يستمر في شكله الحالي. وما الحراك الشعبي في عدد من البلدان العربية إلا إشارات ولها دلالات.

وهنا يجب القول إن الأمر قد إختلط على الكثير من المواطنين والناشطين العرب حين ظنوا أن الإطاحة بزعيم ما هو الهدف، وهللوا وفرحوا كثيراً، وهو حق من دون شك وإنجاز كبير. إلا أن هناك الكثير مما ينبغي قوله وفهمه وإدراكه في أجواء ربما تكون، للملايين من أجيال الشباب، الحدث الكبير الوحيد في حياتهم. فالزعامات التي أطيح ببعضها، فيما ينتظر آخرون توقيتهم المحتوم، ليست إلا رؤساء لأنظمة، ورؤساء الأنظمة، يكتفي باطاحتهم  فينتهي الأمر.

لكن الأصعب من ذلك يظل تغيير النظام المتغلغل في يوميات المواطن العربي، بدءاً من الثقافة اليومية في العمل والدراسة والتعليم، مروراً بالأنظمة والقوانين الإجتماعية وعروجاً على الهياكل الثقافية التي كانت تسبح بحمد النظام وتدور في فلكه. وذلك كله فضلاً عن ثقافة المجتمع في التعامل مع بعضه البعض، ومع محيطه وتناغم جزئياته مع كلياته.

فالنظام ليس أشخاصاً قفط بقدر ما هو منظومة متكاملة العناصر، بغض النظر عن فسادها وإفسادها، هذه المنظومة تحتاج تعاملاً حكيماً ومنظماً وشاملاً ودقيقاً وبنفس طويل. ومخطىء من يظن أن التغيير يعتمد على "الضربة القاضية" بل والأخطر من ذلك الإعتقاد أن إزاحة رموز نظام فاسد تكفي للبدء في مرحلة جديدة. فإحتمال أن تولد المنظومة، التي أقامها النظام السابق، رموزاً آخرين بنفس القابلية للفساد والإفساد عالية جداً وممكنة بل بديهية.

ولو إنتقلنا إلى الأرض، نسمع  مصطلح "الفلول" في مصر و"بقايا النظام" في تونس وفي ليبيا التي تدار حتى الآن برموز من النظام القديم، حتى وإن كانت معارضة. وهذا وحده ليس مكمن الخطر، فالخطر أكبر ما يكمن في المنظومات السياسية، والإجتماعية، والإقتصادية، والصحية، والتعليمية، والثقافية التي خلفها النظام القديم. والسؤال الذي يحتاج إلى اجابة هنا هو: ما الذي يمنع خلق ديكتاتوريات جديدة محل تلك التي أزيلت أو ستزول قريباً إن شاء الله؟ الجواب: "لا ضمانة".

 البعض يقول إن الضمانة هي "الشعب" فالشعب لن يسمح بقيام ديكتاتوريات جديدة. وهذة اجابة قد تبدو للوهلة الأولى صحيحة، لكنها ساذجة في حقيقة الأمر. فهل ستظل الشعوب العربية تدفع الثمن طول الوقت؟ بداية تظل على أمل التطور والنمو، ثم تنتقل إلى القبول بواقع الأمر، ثم تنتقل إلى الكبت والصبر على القهر، ثم تحتمل الذل والهوان، ومن ثم تثور وتدفع من دماء شبابها أنهاراً. بئس الضمانة هي إذاً.

إذ تظل الشعوب العربية تدور فى دائرة الحصول على الحقوق الأساسية، فيما العالم يستكشف مجاهيل المجرات الكونية. الهند التي كان يتندر بعض العرب بأنهم يصلحون للخدمة فى البيوت فقط، باتت الآن من أقوى الإقتصادات الصاعدة عالمياً،  وهي لا تملك نفطاً ولا غازاً، بل إن فيها أكثر المناطق إزدحاماً بالسكان في العالم. إلا أن لها إنتاج ثقافي كبير، وحضور إقليمي ودولي ذي ثقل، ودخلت منذ زمن خضم المنافسات العالمية في صناعة التقنية وتصنيع السيارات والتكنولوجيا الحديثة.

خلاصة هذة النقطة أن العالم يتقدم سريعاً فيما العرب وحدهم ما يزالون ينادون ويطالبون بالحرية التي تعتبر من أبسط الحقوق الإنسانية. فأين المشكلة إذاً؟ المشكلة الأساسية تكمن في أن الثقافة العربية الإجتماعية، التي رسختها الأنظمة الديكتاتورية في عقول مواطنيها، تقوم على تقديس الأشخاص إلى حد "التأليه"؛ فأين في بلاد الأرض سمعنا عن أشخاص يسجدون لصور قادتهم، كما شاهدنا المناظر المخزية في عدد من الدول العربية كمصر وليبيا وسوريا؟ وأين يمكن لأحدنا مشاهدة صور الزعامات والقيادات والملوك إلا في الدول العربية وعدد من الدول الشيوعية البائسة؟

نظل نحيي الزعيم، ونشكر الرئيس، ونقدس الملك، ونرجع كل "الإنجازات" الوهمية في بلادهم إلى ذلك المسؤول أو ذلك "الحاكم بأمر الله". وهو بريء منها براءة الذئب من دم إبن يعقوب. هذه هي الثقافة الأخطر التي لاتزال تعشعش في العقول والقلوب، وتتغلغل في يومياتنا، ونحن لا هم لنا إلا شتم الرئيس او سب المسؤول، وما يغني ذلك عنه شيئاً.

وأخيراً، يمكن القول إن التحدي الأكبر الذي يقع على كاهل الدول التي إنطلقت فيها الثورات، هو البدء فى التغيير الشامل والعميق حتى الجذور، بدءاً من النظم السياسية ومروراً بكل القطاعات وعلى رأسها الثفافية والإعلامية والتعليمية. التغيير من دون شك يجب ان يكون مدروساً ودقيقاً، يبدأ مع الاجيال الجديدة حتى "تتطهر" من رجس المنظومات المتوارثة، وتترسخ لديها القناعة أن السلطة أداة قيادية لقيادة التطور والنمو وصون الحريات لكل مواطن، من دون إستثناء لدين او عرق او جنس.

التغيير لابد ان يكون خطة وطنية إستراتيجية تضعها لجان متخصصة متنورة وواعية لعظم المسؤولية، ومن الخطر تركها لوزارات وأشخاص، أو أن تترك لمؤسسات غير الحكومية وحدها، أو لمبادرات شخصية. وإلا فإنه لا يفصلنا عن ظهور ديكتاتوريات جديدة سوى بعض الوقت.

خليل الأغا بريطانيا

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك