هل يكتمل الربيع العربي؟

بقلم/
مصر : ۹-۱۱-۲۰۱۱ - ۹:۱۱ ص - نشر

بدأ الربيع العربي مع أوئل العام ٢٠١١ مبشراً بأن يشهد هذا العقد (٢٠١٠-٢٠٢٠) صحوة عربية شاملة تتحرر فيها الأمة العربية من الأنظمة الفاسدة وتتوحد فيها الأمة العربية بأنظمتها الوطنية الجديدة لتأخذ مكانتها الحقيقية في عالم اليوم الذي لا يعبأ بالكيانات الصغيرة الضعيفة المفككة. وتأذن صحوة الربيع العربي ببداية الخريف الإسرائيلي ومعه بداية النهاية للكيان الإسرائيلي العنصري وزوال دولته في بدايات العقد ٢٠٢٠-٢٠٣٠ إن شاء الله.

في يوليو ٢٠١٠ قام مشروع أهـــلاً العربية بالدعوة إلى الوحدة العربية في هذا العقد ٢٠١٠-٢٠٢٠ عن طريق العمل الأهلي المدني وليس عن طريق الحكومات والأنظمة العربية الحالية، ويشاء الله أن تساهم أهـــلاً العربية في الدعوة إلى الثورات العربية والمشاركة فيها ودعمها في مصر وتونس وليبيا وسوريا واليمن.. والبقية تأتي قريباً إن شاء الله.

ما يجري الآن على أرض الواقع في أمتنا العربية، يبشر بفجر يوم جديد، ولكنه أيضاً ينذر بخطر عودة الأمس البغيض. فمازلنا نرى محاولات أنظمة الظلام والفساد للإلتفاف حول ثورات الشعوب العربية لإجهاضها أو خداعها أو إفسادها كما أفسدوا البلاد والعباد لعقود من الزمان تعدت الثلاثين أو الأربعين عاماً في بلاد الثورات العربية.

ولأن مصر هي قلب الأمة العربية، مهما حاولت بعض الأنظمة الصغيرة أو الظلامية أن تملأ الفراغ الذي خلفه غياب مصر عن المنطقة العربية بسبب فساد النظام الحاكم وسياسته لعزل مصر عن دورها العربي والإقليمي.. فإن الثورة المصرية وما تشهده الآن من شد وجذب بين النظام السابق الذي لم يسقط في مصر وبين المطالب الشعبية التي قامت لتحقيقها ثورة ٢٥ يناير، تلك المطالب التي لم يتحقق منها شئ يذكر بعد أكثر من تسعة أشهر من الثورة.. لكل ذلك فإن مصر تعتبر مثالاً معبراً عن واقع الثورات العربية اليوم. فماذا حدث في مصر في التسعة أشهر الماضية منذ ٢٥ يناير؟

حدثني العديد من شباب ثورة ٢٥ يناير ممن دعوا إلى الثورة قبل قيامها ولشهور طويلة، وممن شاركوا في مظاهرات ٢٥ يناير وشاركوا في إشتباكات ٢٨ يناير بجانب العديد من شهداء الثورة.. وقد كان حديثهم صاخباً كما كان لصمتهم دوي، تسمع في صوتهم نبرة الإصرار في مواجة الإحباط، وتسمع في سكوتهم صدي دموع حزن عميق على مئات شهداء.

أحد شباب الثورة تكلم طويلاً، ثم سكت، فتراءت أمامي مشاهد الثورة وصور شهدائها، فسكت أنا أيضاً أغالب مشاعري.. ثم حاولت أن أنتشله، ونفسي، من ظلمة بئر الأحزان إلى نور سماء المستقبل، لكنه كان قد سبقني إلى هذه المحاولة.. وبسرعة قال لي:

ماذا حدث لثورة مصر؟ هل سرقوها أم قتلوها؟ هل فشلت الثورة وإنتهت أم أن شرارتها مازلت موجودة تحت الرماد؟ كيف يمكن في تسعة أشهر أن تتغير أشياء كثيرة ومع ذلك لا تتحقق أي من مطالب الثورة؟ كيف إستطاع هؤلاء الإنتهازيون، الذين كانوا ضد الثورة، أن يركبوا موجة الثورة ليحققوا مصالحهم ويبعدوا أنفسهم عن النظام السابق، الذين هم جزء منه وهو جزء منهم، بل وينصبوا أنفسهم أبطالاً للثورة وحكماء لها مع أنهم ضمن منظومة الفساد؟ كيف يمكن بعد قيام الثورة وتغيير الوزارة أن نرى وزراء مثل فايزة أبو النجا وحسن يونس وماجد جورج الذين خدموا نظام مبارك لأكثر من عشر سنوات؟ ولماذا يقوم أناس ليس لهم أي دور في قيام الثورة بإتخاذ كل القرارت بدون رأي الشباب الذي قاموا بالثورة؟ ثم ما هي هذه التيارات المتطرفة التي خرجت علينا تدعي السلفية والإخوانية وغيرها؟ وأين كانوا أيام ٢٥ و٢٨ يناير؟ وكيف تحول القتلة بإسم الدين (والدين منهم بريء) إلى أبطال ودعاة في إعلام الدولة؟ وهل هذا هو الإعلام الذي تطالب به الثورة؟ وكيف تحول كل الإعلاميون الذين كانوا ضد الثورة فأصبحوا الآن يتغنون بها على قنوات التليفزيون المصري ويدعون أنهم من من أبطالها؟ وأي قدر من الخلط أدى بنا أن نثور ضد قانون الطوارئ لنستبدله بمحاكم عسكرية تحاكم المدنيين؟ وما هذا الإستفتاء المضحك الذي جرى في مارس الماضي؟ وهل غيرت نتيجته أي شئ على أرض الواقع السياسي في مصر؟ ثم ما هذه الإنتخابات البرلمانية الهزلية التي يعدون لها ويسمحون بالإشتراك فيها لمن أفسدوا الحياة السياسية في مصر من فلول الحزب الوطني وغيرهم من رموز الفساد؟

إنطلقت أسئلته كطلقات سريعة من آلية حديثة، كأنه أراد أن يعبر عن حيرته وإستياءه بل ورفضه إلى ما آلت إليه الثورة، إنطلقت أسئلته دون إنتظار إجابة أو مناقشة، كأن أسئلته تحمل في طياتها إجابات نافذة تعبر عن فطرة شباب نقي ومخلص لوطنه. لم أحاول أن أوقفه، ولكني كنت أحاول إستيعاب أسئلته وأحاول إعادة ترتيب أفكاري، لأتمكن من مناقشته أو على الأقل أحاول الرد على بعض أسئلته أو حتى إبداء رأيي في ما تحمله أسئلته من آراء وأفكار.. لكنه سبقني هنا أيضاً وقال إنه لم يكن يتوقع مني، أو من غيري، ردوداً فورية، وإنما أراد أن يعبر عن مشاعره وحيرته، وأراد أن يوصل لي أيضاً، ربما بالتلميح لا بالتصريح، عدم جدوى الرد الفوري خصوصاً إذا إختلف مع ما وصل إليه هو من قناعات خلال أكثر من تسعة أشهر بعد من الثورة.

أخذت أطوف بخاطري حول الثورة المصرية في تسعة أشهر، هل هي حمل متعثر أم إجهاض متأخر أم هي طفرة تاريخية تحتاج إلى حمل طويل ومخاض أطول لتلد نموذجاً عربياً فريداً للثورات؟!

تذكرت رحلاتي كل يوم جمعة إلى ميدان التحرير، منذ أواخر يناير، وطاف بخاطري شريط أحداث وذكريات، بما فيها من شخصيات تعرفت بهم في الميدان مثل الأستاذ سيد ذو التوجهات اليسارية، والدكتور لبيب على الطرف الآخر من الفكر السياسي، والشاب رزق الرافض لكل الأوضاع في مصر والتغيرات التي جرت بها، والتاجر حاتم المضاد للثورة المؤيد للنظام السابق، وسائق التاكسي مصطفى الذي يتبع إرشادات "الأمير" أياً ما كانت هذه الإرشادات، وعشرات غيرهم من الشخصيات التي لا تنسى لتزامنها مع أحداث لا يمكن أن تنسى.

ثورة للتغيير والإحترام لا للتشهير والإنتقام:

شباب الثورة الحقيقي يريدون للثورة المصرية أن تكون نموذجاً فريداً لتحرر وتقدم الشعوب، ولا يريدونها أن تعيد للأذهان أهوال الثورة الفرنسية التي تملكها الإنتقام والغوغائية.. نعم يجب محاسبة من أخطأ ومن أفسد.. ولكن دون تشهير أن تنكيل أو إنتقام.. نحفظ كرامة وإنسانية الجميع، من أخطأ ومن أصاب، من أصلح وحتى من أفسد، نحاسب من أفسد ولكن دون إهدار كرامته، كرامة الجميع وإنسانية الجميع يجب أن تحفظ.. وحتى عندما نحاسب من أخطأ أو أفسد، لا يجب أن ننسى حسناته، إن وجدت، ولا يجب أن نسمح بمحاولة "شيطنة" الناس وتحويلهم إلى شياطين بدون أية حسنات. ويجب أن لا ننسى أن حسني مبارك، مع كل أخطائه ومع كل فساد نظامه، لم يكن مثل معمر القذافي أو علي عبد الله صالح أو معمر القذافي. لكن كان على حسني مبارك أن يبادر بإتخاذ إصلاحات سياسية حقيقية في مصر منذ ولايته الأولى، كان عليه أن ينهي الدولة البوليسية التي يسود فيها جهاز أمن الدولة، وكان عليه أن يحترم وعده بعد ترشيح نفسه لأكثر من مدتين رئاسيتين، وأن يلغي تماماً مشروع توريث إبنه، وأن يحارب الفساد أياً كان مصدره، وأن يعلم أن مصر دولة رائدة في المنطقة لها دور عربي هام ودور إقليمي محوري، وغير ذلك كثير من عيوب وسلبيات مبارك ونظامه، وهو رموز فساد نظامه جميعاً مسئولون عنها.

والآن، وبعد مائتين وتسعين يوماً من إنطلاق ثورة مصر، أصبح واضحاً أن الشارع المصري صبره قد نفذ بسبب بطئ الإجراءات وعدم جدية الإصلاحات وإستمرار الكثير من رموز وشخصيات نظام مبارك في أماكنهم، حتى بعض وزراء مبارك مازالوا في نفس مناصبهم حتى اليوم، ومنهم من فازوا في إنتخابات مجلس الشعب الأخيرة المزورة، مثل الوزيرة فايزة أبو النجا. تلك الإنتخابات التي يعتبرها الكثيرون من أكبر فضائح الفساد السياسي لنظام مبارك.

وبمناسبة الحديث عن وزارة التعاون الدولي، نرجو من النائب العام المصري، السيد عبد المجيد محمود، أن يسأل السيدة فايزة أبو النجا، ماذا حدث لعشرات المليارات من الدولارات التي دخلت مصر عن طريق وزارة التعاون الدولي منذ أن تولت السيدة فايزة هذه الوزارة في نوفمبر ٢٠٠١ وحتى اليوم؟ كما نرجو مراجعة تقارير الذمة المالية الخاصة بها، مثل ما يجب أن تم مع غيرها من وزراء نظام مبارك.

ثم تذكرت ما قاله شباب الثورة عن وزارة عصام شرف، الذي يسميه البعض والي عكا لأنه خان الثورة، فمن غرائب وزارة عصام شرف أنه بدلاً من محاسبة السيدة فايزة أبو النجا عن دورها في تزويير إنتخابات مجلس الشعب في بورسعيد، أو محاسبتها عن المليارات التي وصلت مصر من خلال وزارتها في السنوات العشر الأخيرة، والتي جاءت بهدف التنمية التي لا نرى لها أثر على أرض الواقع، أو محاسبتها عن إشتراكها مع رموز النظام السابق أمثال يوسف بطرس غالي، وزير المالية السابق، ومحمود محيي الدين، وزير الإستثمار السابق، في إفساد الحياة السياسية والإقتصادية والإدارية في مصر، وبدلاً من مراجعة ثروتها وممتلاكاتها وسؤالها من أين لك هذا؟! فاجأنا تشكيل وزارة عصام شرف بإستمرارها في منصبها وبالإضافة إلى ذلك تم توسيع سلطاتها بإسناد وزارة التخطيط إليها لتصبح وزيرة لوزارتين: التعاون الدولي والتخطيط. فما هو تفسير ذلك؟ ومن هو بالتحديد الذي يحمي هذه الوزيرة؟ ولماذا؟

نذكر حالة السيدة فايزة أبو النجا كمثال لما يرفضه الشارع المصري من محاولات الإلتفاف حول الثورة المصرية "لتنييمها" وخداعها ثم إخمادها. والأمثلة كثيرة وقد بدأت منذ يوم إنطلقت ثورة مصر، بدءاً من الرئيس السابق حسني مبارك الذي حاول لمدة ١٨ يومياً الإلتفاف حول الثورة بتقديم تنازلات جزئية تهدف إلى إضاعة الوقت وعدم إجراء إصلاحات فعلية، وتمثلت في ردود أفعال "بالقطارة" بطيئة وجزئية وعقيمة، كان نتيجتها زيادة إحتقان الشارع المصري الذي خرج في أول أيام الثورة ينادي "الشعب يريد إصلاح النظام" فتجاهله النظام وحاول التحايل عليه، فتحولت الهتافات إلى "الشعب يريد إسقاط النظام" فقاومه النظام وسلط عليه الأمن المركزي وأمن الدولة فسقط الشهداء، فتحولت الهتافات إلى "الشعب يريد محاكمة النظام" ثم إلى "الشعب يريد تطهير البلاد".

نقل السلطة بطريقة إلتفافية:

ونذكر تسلسل الأحداث قبل "تنازل" الرئيس السابق ومحاولته لتهدئة الشارع بإقالة حكومة أحمد نظيف وتكليف أحمد شفيق بتشكيل حكومة جديدة، ثم نكتشف أن نصف وزراء الحكومة الجديدة هم نفس وجوه الحزب الوطني الذين كانوا في حكومة نظيف، ثم كيف أن الرئيس السابق عين نائباً له، اللواء عمر سليمان، في محاولة لإقناع الشارع المصري بإنتهاء مشروع توريث إبنه جمال، على الطريقة السورية، ولكن ذلك لم يجد أيضاً، ثم "يتنحى" الرئيس السابق أو "يتنازل بطريقة غير مباشرة" يوم الجمعة ١١ فبراير، بعد ١٨ يوماً من بداية الثورة وبعد إستشهاد المئات، ومع تنازله يسلم السلطة إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

وحتى عملية "تنازل" مبارك عن السلطة تمت بطريقة تحايلية، فلم نسمعه أو نشاهده يعلن تنازله عن السلطة بطريقة مباشرة، ولم يشاهد أحد قراراً جمهورياً مثلاً ينص على "تنازل" مبارك موقعاً بتوقيع حسني مبارك، وإنما رأينا وسمعنا السيد عمر سليمان يقرأ بيان تنازل مبارك، الذي قال فيه إن الرئيس تنازل عن سلطاته ثم أعقب هذه العبارة بقوله إن الرئيس "يعهد" إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شئون البلاد.. فكيف يعهد بعد أن تنازل؟! فالمنطق أنه لحظة أن تنازل عن السلطة أصبح لا سلطة له حتى "يعهد" بها لأحد.. ثم هناك المغالطة الأخرى، وهي مخالفة الدستور والمنطق في تسلسل إنتقال السلطة، فكان يجب أن تنتقل السلطة إلى نائب الرئيس أو إلى رئيس مجلس الشعب، مع رفضنا لشخصه، ولكن المهم هو إتباع نمط دستوري وشرعي في نقل السلطة، وهذا ما لم يحدث في مصر. فهل حدث إنقلاب عسكري ناعم في مصر كان نتيجته أن سلم مبارك السلطة للمجلس العسكري؟ أم أن ماحدث هو أن مبارك تنازل حتى ينقذ نظامه الذي عليه بعد ذلك أن يحمي مبارك والنظام بأكمله؟!

ونذكر أيضاً الدراما الأمنية التي حدثت في مصر، بداية من محاولة الأمن المركزي وأمن الدولة لقمع المظاهرات بالطرق التي إعتادوا عليها من الإعتقال إلى القتل، وعندما فشلت المواجهة القمعية، فإذا بأجهزة الشرطة تنسحب بالكامل، وفي نفس التوقيت، ليس فقط من مواجهة المتظاهرين، ولكن من جميع مهامها الأمنية، بهدف خلق فراغ أمني يتيح الفرصة للمجرمين للإنقضاض على الثورة وعلى المواطنين الشرفاء، وقد واكب ذلك مسلسل فتح السجون وإجبار السجناء على الهروب، وتلى ذلك محاولات بقايا وفلول الحزب الوطني الإنقضاض على الثورة وخلق فوضى وعمليات سلب وحرائق.

ولكنا أيضا نذكر ذلك الإستفتاء الذي تم يوم السبت، ١٩ مارس ٢٠١١، كأول عملية "ديمقراطية" بعد ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، أي الإستفتاء على التعديلات الدستورية، وبدءاً فبالرغم من العيوب والمخالفات وأوجه القصور التي شابت إجراء الإستفتاء، وبالرغم من إختلاف الكثير من المصريين حول مدى تعبير نتيجة الإستفتاء عن ما تتمناه مصر.. بالرغم من ذلك كله، فمما لا شك فيه أن ما تم في هذا الإستفتاء هو أفضل من عمليات التزوير الفجة والممنهجة التي كان يقوم بها الحزب الوطني في الإنتخابات والإستفتاءات في الثلاثين سنة الماضية، وإن كان الهدف من ذلك الإستفتاء وما أدى إليه يبقى سراً غامضاً، فالحقيقة أن هذا الإستفتاء لم يغير شيئاً في الواقع.

ليس الهدف هنا هو التشكيك في نزاهة عملية الإستفتاء وليس الهدف هو التشكيك في وطنية أحد.. وإنما الهدف أن نتعلم دروس هذا الإستفتاء حتى نكون أكثر يقظة وإستعداداً للإنتخابات المقبلة، وحتى لا تتكرر نواحي القصور التي شابت ذلك الإستفتاء.

وأذكر أيضاً رحلتي الأسبوعية كل يوم جمعة إلى ميدان التحرير، والتي أصبحت جزءاً من جدول يوم الجمعة بعد الصلاة منذ بداية الثورة، الرحلة كانت دائما مفعمة بمشاعر الحماس والأمل والتحدي والفرح، كثير من هذه المشاعر غالباً لا يطفو إلى الظاهر، هذه المشاعر دائماً تختلط من الرغبة في عمل المزيد لدعم ثورة مصر. أما الأسابيع الأخيرة، فقد طغى فيها شعور جديد متوجس من سير الأحداث، متخوف مما يبدو وكأن الثورة المصرية قد فقدت قوتها الدافعة الذاتية، أو فرغت من طاقتها الداخلية بفعل فاعل. في هذه الأسابيع الأخيرة الشعور غير مريح وغير مطمئن.. ولكنني أواصل الرحلة إلى ميدان التحرير كل يوم جمعة.

ما حدث في مصر في ثمانية عشر يوماً، من ٢٥ يناير إلى ١١ فبراير، كان إنجازاً غير مسبوق ليس فقط في مصر وإنما في العالم أجمع. فلأول مرة يتم تحريك ثورة شعبية بكل المقاييس إنطلقت شرارتها من الإنترنت والمواقع الإلكترونية للتواصل الإجتماعي. وقد كان لأهـــلاً العربية شرف المشاركة في الدعوة إلى مظاهرات ٢٥ يناير ثم المشاركة في المظاهرات. ولكن اليوم وبعد مرور تسعة أشهر منذ ذلك اليوم المشهود، ٢٥ يناير ٢٠١١ تبدو في الأفق مؤشرات تدعو إلى القلق، لأنها تشكل عملية منظمة من أجل إحتواء الثورة.. إخمادها شعلتها.. ركوب موجتها.. التحايل على مطالبها.. تحويل مسارها.. تفريغها من محتواها.. وكما يقولون في مصر "تنييمها" بينما تتم هذه العملية المنظمة الممنهجة، مازالت الثورة المصرية بدون قائد وبدون قيادة مما يسهل الحرب ضدها.

الشعب يريد إسقاط النظام.. النظام يريد إحباط الشعب:

لم يحدث في مصر تغيير فعلي للنظام، فقط تنازل الرئيس السابق وإنتقل من مقر إقامته في القاهرة إلى منتجعه المفضل في شرم الشيخ، وإنتقل معه فريق معاوني رئيس الجمهورية، حتى أن متحدثه الرسمي إستمر يدلي ببيانات صحفية بالنيابة عنه. في نفس الوقت إستمر في مقر رئاسة الجمهورية بالقاهرة كل من عمر سليمان، نائب الرئيس السابق، وزكريا عزمي، رئيس الديوان السابق، وكل منهما إستمر يرسل تقاريره إلى الرئيس السابق الذي يتلقى إتصالات تليفونية يومية من القاهرة ومن الخارج، وإستمر الحال حتى بعد أن بدأت تمثيلية محاكمته، مع إقامته في مستشفي خمس نجوم، وتلقيه زيارات من حكام عرب آخرهم الشيخ حمد بن عيسى ملك البحرين الذي قام بتلك الزيارة المريبة لمبارك في مستشفاه منذ عدة أيام.

وتحول المشهد في القاهرة فأصبحت توجد نقاط جغرافية رئيسية للحراك الإجتماعي-السياسي وهي ميدان التحرير، المركز الأول لثورة مصر ورمزها، وميدان مصطفى محمود وهو أول مركز لفلول النظام السابق ومنه إنطلقت جمال وخيول عصابات أنصار نظام مبارك وإتجهت إلى ميدان التحرير لتنفيذ أوامر قادة الحزب الوطني بالهجوم على ميدان التحرير وإخلاءه من المتظاهرين بالقوة ولو أدى الأمر إلى القتل.

ثم ظهر ميدان روكسي بمصر الجديدة كمركز إضافي لتأييد النظام الفاسد، وإن كان يسطر عليه بعض المنتفعين من فساد النظام السابق ويحاولون تقديم أنفسهم بصورة مصرية مقبولة بل وعاطفية متمثلة في تصوير مبارك في صورة الأب الذي يقابله أبناءه بالجحود، وطبعاً هذه الصورة العاطفية قد تلقى تجاوباً من بعض الفئات.

وتلى ذلك محاولة إتخاذ ميدان رمسيس كمركز لمن يسمون أنفسهم بالتيار الإسلامي، من إخوان مسلمين إلى جماعة إسلامية إلى سلفيين "وهابيين"، وقد سبق وأن تحالف الإخوان المسلمون والسلفيون مع بقايا النظام السابق على الرغم من الإختلافات الكبيرة بينهم، ولكنهم سرعان ما عادوا إلى التكتيك المعهود في إنتظار نتيجة الصدام المتوقع بين الثورة والنظام، للميل إلى الكفة الراجحة.

وأخيراً ظهر ميدان العباسية، المحاط بالمساجد والكنائس، كمركز رابع لتحرك عصابات فلول النظام الفاسد الذين قاموا بمحاصرة المتظاهرين السلميين وقذفهم بقنابل المولوتوف وقنابل الغاز المسيل للدموع والحارق للجلد، وقامت هذه العصابات بهجوم عنيف على المتظاهرين السلميين سقط فيه أكثر من ٣٠٠ جريح الكثير منهم حالاتهم خطيرة، وقد تم هذا الهجوم أمام الشرطة العسكرية.

وتتوالى الأحداث بالمشهد المؤسف في موقعة ماسبيرو التي قام فيها بعض عناصر من القوات المسلحة ممن يبدو أنهم من الفلول، قاموا بقتل المحتجين مسلمين ومسيحيين، وقاموا بدهسهم بالعربات المدرعة وأعادوا للأذهان ما قام به قوات الأمن المركزي يوم ٢٨ يناير. ويستمر مسلسل تخبط حكومة شرف، فمنهم من يعلن أن مصر على وشك الإفلاس في أقل من سنة، ومنهم من يسارع إلى الحصول على المزيد من المعونات الدولية ليضعوها في نفس الأجهزة التي أهدرت المليارات من قبل، ومنهم من يبادر إلى عقد تحالفات مريبة مع تيارات معروفة الهوية والأهداف..

ويبقى المشهد العام ضبابياً محيراً ينبأ بأن ثورة مصر سوف تسجل رقماً قياسياً جديداً ربما في أنها الثورة الأولى التي إحتاجت إلى صحوتين، أو ربما ثورتين، كل واحدة بتضحياتها وشهدائها حتى تنجح الثورة المصرية وتحقق أهدافها وتكون نموذجاً مضيئاً للثورات العربية ليكتمل الربيع العربي في جميع ربوع أمتنا العربية.

د. محمد علاء الدين عباس مرسي مصر

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

د. محمد علاء الدين عباس مرسي عباس مرسي

M. Alaadin A. Morsy, Ph.D.

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك