حوار مع الأخبار

بقلم/
مصر : ۱٦-۱۰-۲۰۱۱ - ۱۱:۵۵ ص - نشر

كم مليار دولار حصلت عليها مصر من المعونات الأمريكية والدولية؟ وأين ذهبت؟

مصر دولة غنية لا تحتاج لمعونات مالية. بلد النيل وقناة السويس وسواحل على المتوسط والأحمر وسيناء والثروات الطبيعية والبشرية وحضارة عشرة آلاف سنة والأهرام والأقصر والأزهر والإسكندرية.. فلماذا تحتاج مصر إلى معونات مالية من مصادر أجنبية؟

 

الوطن العربي بحاجة لمشروع الأمة الواحدة أو الإتحاد العربي تعديلاً على نموذج الإتحاد الأوروبي. وأتساءل أين الفيتو العربي؟

النظام السابق إستبعد علماء مصر في الخارج ولا يجب ان نستمر في تهميش دورهم بعد الثورة، فمصر في حاجة إليهم الآن.

حوار مع د. محمد علاء الدين عباس مرسي – الخبير الدولي للتنمية

أجرت الحوار: رضوى عبد اللطيف

حمل على عاتقه حلم العمل لتوحيد الأمة العربية من خلال مشروعه "أهلاً العربية" الذي يجمع أبناء الوطن العربي عن طريق طرح الأفكار والآراء التي تصب جميعها لتحقيق هدف الوحدة العربية.

ورغم أنه بدأ مشروعه قبل ثورة يناير بعام واحد، إلا أنه يعيش مثل كل المصريين إنتصارات الثورة وإخفاقاتها. هو عالم مصري تعلم في مصر وتخرج من جامعة الاسكندرية عام ١٩٧٦ ثم سافر لأمريكا لدراسة الدكتوراه. وبعد الحصول عليها عمل بالتدريس بجامعة الإسكندرية ثم عمل بالأمم المتحدة وتدرج في المناصب حتى أصبح مديراً إقليميا للمنطقة العربية والأوروبية ووسط آسيا في إحدى المنظمات الرئيسية بالأمم المتحدة، كما عمل في البنك الدولي والمعونة الأمريكية. إنه د. محمد علاء الدين عباس مرسي في حوار خاص للأخبار.

  • في البداية ما هي قصة مشروع أهلاً العربية الذي يهدف إلى تحقيق الوحدة العربية في عشر سنوات؟

وحدة الأمة العربية هي الحلم الذي دفعنا للتفكير في عمل يكون نواة لإعادة إحياء هذا الحلم العربي من جديد، وذلك دون التفكير في تحقيق أية مكاسب شخصية. والفكرة كانت أن تقوم جهات أهلية ببدء مشروع للوحدة العربية على المستوى الأهلي والشعبي، وليس الحكومي، وذلك بعد حالة الشتات والضعف التي أصابت الوطن العربي منذ سنوات طويلة. وقد بدأنا مشروع أهلاً العربية أنا وعدد من اصدقائي المتحمسين للفكرة ومنهم علماء مصريون وعرب يعيشون في أمريكا وأوروبا، وبدأ التفكير في تصميم المشروع في يناير ٢٠١٠ وفي يوليو ٢٠١٠ تبلور المشروع بإصدار العدد الأول من الجريدة الإكترونية "أهلاً العربية".

ويشاء الله أن تشهد هذه الفترة، في النصف الثاني من عام ٢٠١٠، الاحداث المتسارعة والمتتابعة التي إنتهت بثورات عربية مازالت تتوالى. وقد كان لأهلاً العربية شرف دعوة المصريين للخروج والتظاهر في الخامس والعشرين من يناير ٢٠١١.

  • لماذا حلم الوحدة العربية في عشر سنوات؟

الهدف الذي وضعناه أن نساهم في تحقيق الوحدة خلال عشر سنوات ما بين ٢٠١٠ و٢٠٢٠ حتى تكون الأمة العربية قد شهدت تعديلات وتغيرات للأحسن في إتجاه الإصلاح. والربيع العربي بدأ وما يحدث الآن هو صحوات شعبية كان يجب أن تحدث منذ سنوات طويلة، وإن شاء الله تتوج بتغيير للأفضل من أجل الإصلاح والحرية والتقدم والوحدة في ربوع الوطن العربي.

  • ماذا عن فترة عملك كخبير مع المعونة الأمريكية في مصر؟

كان عملي كخبير مع العونة الأمريكية من أصعب فترات حياتي المهنية الممتدة أكثر من ثلاثين عاماً. فقد حضرت إلى مصر كي أساهم في مشروع هام من أجل التطوير والتنمية وقد كنت معجباً بهذا المشروع عندما قرأته على الورق ولكنني وجدت الواقع شيئاً آخر وفوجئت بما لم أتوقع من أنواع التجاوزات والفساد وكيف أن أموال المعونة تحسب دين على مصر في حين لا يستفيد منها شعب مصر. ناهيك عن شروط الكثير من المنح الدولية التي هي في حقيقتها شروط مجحفة لمصر، فتركت المشروع بعد سنة واحدة وكان ذلك سبباً في محاولات يوسف بطرس غالي وأعوانه للإساءة إلى سمعتي المهنية ومحاولة تلفيقات لا أساس لها، ولكن هذا لم يمنعني من العودة إلى مصر حتى قبل سقوطهم، وقد ساهمت في الحراك الشعبي في مصر من أوائل ٢٠١٠.

الشئ الأهم في حديثنا عن المعونة الأمريكية يتلخص في سؤال يجب أن نطرحه على النظام السابق وهو كم مليار دولار حصلت عليها مصر من المعونات الأمريكية والأجنبية؟ وأين ذهبت هذه الأموال؟ هل نهبها وسرقها النظام السابق ولم يحاسبه عليها أحد حتى الآن؟ هناك مئات المليارات من الدولارات دخلت مصر ولا نعرف مصيرها؟ وما يحزننا الآن أنه على الرغم من قيام ثورة يناير، مازال هناك وزراء في مناصبهم من النظام السابق! فكيف لازلنا نأتمن هؤلاء على المعونات التي تأتينا من الخارج؟

والجزء الآخر المتعلق بالمعونة، وربما الأكثر أهمية لأنه مرتبط بالمستقبل وليس بالماضي، وهو هل مصر تحتاج لمعونات مالية من مصادر أجنبية؟ مصر التي بها نهر النيل وسواحل ممتدة على البحرين الأحمر والمتوسط وقناة السويس وسيناء وحضارة عشرة آلاف سنة بالإضافة لأمتلاكها للثروات البشرية والطبيعية.. فكيف أعطانا الله نعمة وجود النيل في زمن نحن مقبلين فيه على حرب من أجل المياه ومع ذلك نهدر مياه النيل دون الإستفادة منها. وأنا أؤكد لك أن مصر لا تحتاج لمعونات مالية من مصادر أجنبية إذا أحسنت إستخدام وإدارة مواردها البشرية والطبيعية، ناهيك عن أن المعونات المالية الأجنبية تخلق حالة من الإعتماد المتزايد على تلك المعونات، يمكنك تسميتها "إدمان المعونات" مما يتنج عنه تبعية سياسية وإقتصادية غير مبررة في بلد كمصر لا تحتاج إلى هذه المعونات المالية في المقام الأول، خاصة وإن تلك المعونات لم تستخدم في عمليات تنمية إقتصادية وإجتماعية حقيقية.

ومن ناحية أخرى لا يجب أن نسعى للحصول على المزيد من المعونات الخارجية وهناك فساد في إدارة المعونات داخل الحكومة. فهذا أمر غير مقبول، لا يجب أن تستدين مصر من أي مصدر أجنبي قبل أن نطهر آليات التعامل مع كل دولار يدخل مصر، وإلا فالنتيجة معروفة مسبقاً.

  • فكرة الحصول على دعم خارجي أو معونات أصبح يشوبها الكثير من المساوئ والمخاوف في الفترة الاخيرة.. خاصة مع الحديث عن الدعم الأمريكي المشبوه لمنظمات عربية.. فكيف نعرف المساعدات التي تهدف للإصلاح والتنمية من تلك المشبوهة؟

بداية، أية جهة أو دولة مانحة عندما تعطي دعماً فإن لديها أهدافها تريد تحقيقها من إعطاء الدعم، قد نتفق مع هذه الأهداف أو نختلف عليها، لكن في كل الأحوال علينا أولاً أن نعرف أهداف تلك الدول أو الجهات المانحة وأجندتها المتعلقة بالمعونات الخارجية، وإذا كانت الأهداف المعلنة أو غير المعلنة للمعونات لا تتفق مع مع خططنا للتنمية أو تتعارض مع سيادة الدولة أو حتى تقوم على شروط مجحفة فلا يجب أن نقبل تلك المعونات، ذلك مع العلم إعتماد أية دولة على معونات خارجية للتنمية بدون خطط واضحة ومحددة للإستغناء عن المعونات في أسرع وقت، إنما يخلق بيئة سياسية وإقتصادية وإجتماعية كارثية ومدمرة للكيان الوطني لأنها تؤدي إلى الإعتماد المتزايد على المعونات وتعطيل بناء القدرات الوطنية وما يتبع ذلك من تبعية سياسية وإقتصادية وإجتماعية للدول والجهات المانحة ومصادر المعونات.

ويوجد في مصر الآن الكثير من من الجهات الأجنبية والعربية التي تضخ الكثير من أموال "المعونات" داخل مصر، وبالتأكيد من هذه الجهات من يهدف إلى إفشال ثورة مصر ومحاولة إعادة مصر إلى الوراء، ليس هذا فقط بل يوجد دعم مغرض من بعض الدول العربية التي تسعى لإسقاط مصر وتمارس سياسة "الإلتفاف والحضن" كي تدمر ثورة مصر وهذا في رأيي لا يقل خطورة عن أموال المعونات الأجنبية من أمريكا أو أوروبا أو غيرها.

  • كيف تقيم ما حققته الثورة حتى الآن؟

الثورة كي تنتصر يجب ان تحقق أهدافها المعلنة والتي قامت من أجلها ولقد نجحت الثورة في حشد المصريين ونجحت في إجبار الرئيس مبارك أن يتخلى عن منصبه وعن مشروع التوريث الذي كان يسير بخطى سريعة. وفي هذا السياق يجب ان نتنبه الى أن ما حدث من إنتقال السلطة في مصر ليس دستورياً ويمكن أن يكذبه مبارك في أي وقت، كما يدعي الآن بعض من يسمون أنفسهم "أبناء مبارك".. فلم يخرج علينا الرئيس السابق ليخبرنا أنه تخلى عن الرئاسة كما لم يصدر مرسوماً يحمل توقيعه بهذا المعنى، فإستقالة الرئيس والإنتقال الشرعي للسلطة لهما آليات حددها الدستور، وما حدث بالفعل ليس له علاقة بالدستور، والعديد من المحللين يطلقون عليه "إنقلاب عسكري هادئ". ويمكن القول أننا اسقطنا مبارك ولكننا لم نسقط النظام، فالكثير من المؤسسات لم يطالها أي تغيير. وأنا أشبه ما حدث بأن هناك قوى من النظام السابق إستئصلت جزءاً من النظام كي يعيش باقي النظام. وكان يجب على كل من إنتمى لنظام مبارك أن يستقيل من منصبه فور سقوط مبارك، لإعطاء فرصة "للنظام الجديد" في أن يقود المرحلة الإنتقالية، وهذا لم يحدث.

  • ما رأيك في المحاكمات التي تتم الآن لمبارك وأعوانه؟

انا لم أوافق في البداية على فكرة إذاعة محاكمة مبارك لأننا في النهاية أظهرنا أحد رؤساء مصر خلف القضبان، والأمر ليس له علافة بمبارك، فأنا لم أوافق على أي من سياساته وهاجمته في كل ما كتبت، إلى أن تنحى، ولكن الفكرة أننا بمثل هذه المحاكمات ننال من هيبة مصر. وأؤكد لك أن الدعوات الإنتقامية التي سمعتها في ميدان التحرير كانت مدسوسة علينا، فلا ديننا ولا ثقافتنا تدعونا لتبني أي عنف أو إنتقام، وهذا لا ينفي أننا يجب أن نحاسب من يخطئ. وأرى أن هذه المحاكمات هي جزء من الماضي ويجب أن لا نعطيها كل هذا الإهتمام بقدر تركيزنا على بناء الحاضر والمستقبل.

  • تحدثت عن علماء مصر في الخارج وايمانهم بمشروع الوحدة العربية.. كيف نرسم مستقبل مصر دون وجود علمائها؟

النظام السابق إستبعد علماء مصر ووضع قوانين ظالمة تحرم أي عالم مصري من الإسهام في تنمية مصر في الفترة القادمة، فالعالم المصري لا يتولى أي منصب طالما أنه يحمل جنسية أجنبية كما أن المصريين في الخارج عموماً لا يشاركون حتى في الحياة السياسية لأنهم محرومين من حق التصويت والإنتخاب. وأنا أعرف مئات من العلماء المصريين في شتى المجالات مستعدون للمشاركة في بناء مصر ولكن القوانين الحالية تمنعهم. وكأنهم سافروا بإرادتهم. كثير منا سافر للغرب لأننا لم نجد مناخ يشجع على العلم ونظراً لتدني الأوضاع في الجامعات المصرية ومحاربة النظام السابق وزبانيته للعلماء الناجحين والتضييق عليهم ومنح المناصب القيادية في الجامعات لأعضاء الحزب الوطني فقط، كنا نعيش ظروفا صعبة دفعتنا للسفر. والأخطر الآن أن هناك من يحاسبنا على ذلك بدلا من الترحيب بأي عالم مصري يريد أن يخدم بلده. فالعلماء المصريون بالخارج هم ضحية النظام السابق الذي طاردهم حتى دفعهم للهجرة مضطرين لها، وما تبع ذلك من ضرورة حصول معظمهم على جنسيات أجنبية حتى يتمكنوا من العمل في البلاد التي هاجروا إليها.. فلا يجب أن نجعل علماء مصر ضحية مرة أخرى بعد الثورة بسن قوانين تمنعهم من تولي مناصب قيادية في مصر، علماً بأن مصر تحتاج إلى علمائها بالخارج ربما أكثر من إحتياجهم للعودة والعمل في مصر، فلا يجب أن نحرم مصر من هذه الطاقة البشرية الهائلة المتمثلة في علمائنا بالخارج.

وأنا شخصيا تعرضت لحملة تشويه بشعة وأنا في الأمم المتحدة للأسف بأيدي مصريين، ذلك في الوقت الذي تحارب دول أوروبا لحصول أبنائها على مناصب في الامم المتحدة، كانوا يحارونني لأفقد منصبي في الأمم المتحدة، وقد أحزنني ذلك ولم أستطع أن أفهم لماذا تحاربني بلدي، إلى أن تناقشت مع صديق يكبرني سناً وخبرة وهو أيضاً يعمل بالخارج وقال لي إنهم يحاربونك لأنك ناجح ولأنك لست جزءاً من النظام الفاسد وهذا شرف لي، وأحمد الله كثيراً على هذا الشرف.

  • ماذا عن العلماء الموجدين في مصر؟

العلماء الموجودون في مصر بعضهم كان جزءاً من عجلة الفساد في النظام السابق وهؤلاء لا تنتظري منهم شئ والبعض الآخر طاله بعض الغبار ولكن هذا لا يمنع وجود الكثيرين من الشرفاء القادرين على العطاء في كافة المجالات لو توفرت لهم الظروف المناسبة ولو أبعدنا كل من شارك في الفساد الإفساد سواءاً في الجامعات أو مراكز البحوث أو الوزارات والهيئات الحكومية ذات الصلة بالعلماء والبحث العلمي في مصر.

  • المشهد السياسي في مصر الآن غير واضح المعالم.. ما أهم الملامح التي تقلقك كمصري مما يحدث؟

في البداية أنا لم أنتم طوال حياتي لأي حزب سياسي لا في مصر ولا خارج مصر، ومع ذلك أنا مهتم بكل ما يدور في عالم السياسة والسياسيين وأرى أن الوجوه الموجودة في مصر الآن بعضها لا يدرك أنه عفا عليها الزمن وفقد دوره منذ سنوات، والغالبية هدفهم الوصول للحكم دون النظر لمصلحة مصر. فأمريكا الدولة العظمى في العالم الآن مثلاً بها حزبين رئيسيين فقط (الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي) أما نحن فلو سرنا بهذا المعدل سيصبح لدينا 400 حزب مشتتة ولا يوجد من يريد أن يتحد مع الآخر من أجل مصلحة مصر وهو شئ مؤسف. ويمكننا القول أن ما يحدث الآن هو إعلاء للذات واقلال للشأن المصري العام. وهناك من يسمون أنفسهم "مجالس الحكماء" الذين يدعون الوطنية ومنهم أصحاب مليارات إنتفعوا من فساد النظام السابق والكثيرون مهم في حقيقة الأمر جزء من الفساد ومكانهم الطبيعي كان يجب أن يكون السجن وليس الفضائيات ومجالس الحكماء.

وببساطة شديدة يمكن القول أننا خلال الاشهر الأخيرة تركنا الطريق الصحيح الذي يمكن أن يوصلنا لبر الأمان، وهو طريق الإستجابة الكاملة والعاجلة للمطالب المشروعة للثورة المصرية، وسرنا في حواري معظمها مسدودة. فالثورة لا تقف عند حد المطالب الفئوية وإنما تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية الشاملة وذلك لن يتحقق بدون تطهير حقيقي وعادل لجميع أجهزة الدولة. أما موضوع تدوير الوجوه القديمة المرفوضة من قيادات الحزب الوطني ورموز الفساد، فهذا سيؤدي إلى المزيد من الإحتقان والغليان في الشارع المصري، وينذر بما لا يحمد عقباه من تجدد المواجهات.

  • بصفتك صاحب أحد المشاريع المنادية بالوحدة العربية، ما رأيك في الفيتو الأمريكي الرافض للدولة الفلسطينية رغم الإجماع العربي على تحقيق هذا الهدف؟

قبل أن نناقش الفيتو الأمريكي يجب أن نسأل أين الفيتو العربي؟ الإجماع العربي وحده لا يكفي بدون عمل عربي موحد يدعمه. عندنا بيت للعرب إسمه الجامعة العربية فلماذا لا نجتمع على قلب رجل واحد ونحدد رد فعل قوي لما تفعله أمريكا قبل ان تتخذ قرارها، ونقوم بإخطارها أنها إذا إستخدمت الفيتو لهزيمة المطلب الفلسطيني المشروع بإنضمام دولته المستقلة، بحدود 4 يونيو 1967، للأمم المتحدة.. أقول نخطر الولايات المتحدة الأمريكية إذا إستخدمت الفيتو الأمريكي فإننا سنستخدم الفيتو العربي وآليات الضغط العربية الكثيرة، وذلك سيجعل أمريكا تنظر لإسرائيل على أنهامصدر خسارة، وتعيد النظر في موضوع الفيتو.

لكن للأسف أمريكا ترى موقفاً عربياً متخاذلاً، لذا لم تضع في حساباتها نتيجة إستخدامها للفيتو. أما الغضب الإعلامي فقط فلن يترتب عليه أي شئ. ونحن أقدر الآن من أي وقت مضى على إتخاذ مواقف حاسمة، ومصر قادرة على ذلك كما أنها قادرة على إعادة النظر في إتفاقية كامب ديفيد. فلا يوجد إتفاق دولي أبدي، فكل إتفاق له إلتزامات وله تعهدات لها نتائج وعواقب وأي إتفاق دولي يخضع لإعادة النظر.

ويجب أن ننادي جميعا بإستقلال سيناء وسيادة مصر عليها بالكامل وبدون أية شروط، وإستقلال مصر كلها من تبعات كامب ديفيد، فنحن على مدار الأربعين عاماً الماضية لم نستفد من هذه الإتفاقية مادياً حيث كانت أغلب الأموال التي تأتي عن طريق المعونة تصرف على شراء أحدث الأجهزة والمعدات الأمنية والبوليسية لتدعيم جهاز أمن الدولة ولرئاسة الجمهورية وليس على التنمية الحقيقية على الأرض. وإسرائيل عندما تشعر بقوة مصر ستكون هي من سيسعى للتفاوض وإيجاد حلول.

  • لماذا لا يمثل العرب والمسلمون قوة مؤثرة في السياسة الأمريكية كما هو الحال مع اللوبي اليهودي؟

عدد اليهود في أمريكا يقرب من ستة ملايين يهودي وعدد العرب والمسلمين أربعة أضعاف هذا العدد ويزيد، لكن اليهود لهم وزن سياسي لأنهم منظمون ومتحدون فأنشأوا الآلاف من منظمات المجتمع المدني التي تتدخل في الحياة السيايسية الأمريكية، أما العرب فأغلب منظماتهم دينية وهي ليست كثيرة ولا فعالة وغالباً ما تكون منغلقة على ذاتها غير منفتحة أو متفاعلة مع المتجمع الأمريكي. كما أن المنظمات اليهودية تعمل وفق آلية منظمة ففي كل إنتخابات تقسم المنظمات اليهودية نفسها نصفين أحدهما يؤيد المرشح الديمقراطي والنصف الآخر يؤيد المرشح الجمهوري وبذلك يضمنوا قوة التأثير في حال نجاح أي من الطرفين. واذا حسبنا عدد اليهود في الكونجرس الأمريكي سنجد ان نسبتهم أكبر بكثير عن نسبتهم في المجتمع الأمريكي.

وطوال السنوات الماضية سيطر اليهود على المهن الهامة في المجتمع الأمريكي مثل الإعلام والمحاماة والطب وسوق المال والبنوك والجامعات ومراكز البحوث العلمية الأمريكية. والشئ الأهم أنهم لا يحاربون بعضهم البعض مثلما يفعل العرب.

  • وهل ترى أن مشروع الوحدة العربية الذي تتبناه سيحقق ثقلاً للعرب في الخارج؟

فكرة الأمة أفضل بكثير من كلمة الوحدة ويجب ان يكون لدينا "مشروع أمة" لأنه المشروع الوحيد القادر على إنهاء أية حساسية أو أية خلافات عربية. ويجب أن يفهم العرب ان هذا ليس ضد الوطنية أو إستقلالية أية دولة، وخير مثال على ذلك الدول الأوروبية التي كان بين الكثير من دولها حروباً دموية لسنوات طويلة، ومع ذلك نجحت في التوحد وجعل ذلك من اوروبا قوة سياسية واقتصادية عالمية. لذا يجب أن نعيد طرح هذا المشروع القومي "مشروع الأمة" أو "مشروع أهلاً" حتى ننظم صفوفنا وطنيا وإقليميا وعالميا كي ننفذ مشروع نهضة عربية حقيقية. أما عن الثقل العربي، ففي عالم اليوم لا وجود ولا وزن للكيانات الصغيرة أو الضعيفة، وإذا لم تتوحد أمتنا فهي مهددة ليس فقط بالإحتلال والإستعمار والإستغلال، وإنما أيضاً بقاءها وإستمرارها كأمة ذات هوية وثقافة سيكون مهدداً ما لم تتحد.

  • هل تتوقع أن تؤدي الثورات العربية إلى تحقق مشروع الأمة العربية؟

الصحوة الشعبية العربية لم يتوقعها أحد في جيلنا وكنا ننتظرها أن تحدث منذ سنوات والجميع فوجئ بما يحدث حتى من قاموا بالثورات أنفسهم، وكي ننجح يجب ان نحافظ على الربيع العربي ولا نسمح لأحد أن يسرقه منا خارجياً أو داخليا. نجاح الثورات العربية في حشد الجماهير وحده لا يكفي، ولكن لكي يتحقق النصر للثورات العربية يجب أن تنجح أيضاً في تحقيق أهدافها. الحشد وحدة ليس مقياساً لإنتصار الثورات، ولكن تحقيق الأهداف هو المقياس. وقد أثبتت الثورات العربية للعالم أجمع بأن الأمة العربية لازالت تنبض بالحياة رغم كل الضغوط الداخلية والخارجية.

  • أخبرتني أنك تجد مقارنة ومفارقة بين ثورة ٢٣ يوليو وثورة ٢٥ يناير.. كيف ذلك؟

المقارنة أن الثورتين وجهان لعملة واحدة، فثورة ٢٣ يوليو بدأت إنقلاب عسكرياً أيده الشعب، فتحول الإنقلاب العسكري إلى ثورة شعبية أخذت شكلها النهائي بعد ظهر جمال عبد الناصر قائداً للثورة وتجسيداً لها. أما ثورة ٢٥ يناير فقد بدأت ثورة شعبية وتحولت إلى إنقلاب عسكري هادئ أسقط الرئيس مبارك وأمسك بزمام الامور.

الثورة الأولى إنقلاب عسكري تحول إلى ثورة شعبية، والثورة الثانية ثورة شعبية تحولت إلى إنقلاب عسكري.

والمفارقة أن ثورة ٢٥ يناير قامت بدون قائد وكان هذا أحد أسباب نجاحها في بدايتها فلم يكن هناك قائد يمكن لجهاز أمن الدولة تعقبه وإعتقاله، أما الآن فعدم وجود قائد أو قيادة قد يكون سبباً لفشل ثورة ٢٥ يناير. وهذا ما بدا واضحاً بعد فترة قصيرة من بداية الثورة، وقد شعرنا به جميعاً، وهو ما فتح الباب على مصراعيه أمام راكبين الأمواج والفاسدين والمتحولين والمتلونين وأدى إلى إستئثار البعض بالمشهد السياسي على حساب الشعب كله.

أتمنى أن يظهر قائد لثورة ٢٥ يناير ولا يشترط أن يكون شخصاً بعينه، ويمكن أن تكون قيادة أو مجموعة يثق فيها الشعب ويجتمع حولها ويؤيدها، والخطر إذا لم يظهر القائد ولم تظهر القيادة أو المجموعة القيادية هو إستمرار حالة الغموض وعدم الإستجابة للمطالب الشعبية وإستمرار رموز الفساد في ركوب موجة الثورة.

  • ولكن ألا ترى أن الأمور ستتحسن مع إجراء الإنتخابات الرئاسية والبرلمانية؟

لا يعقل أن يكون بين المرشحين للرئاسة من هم فوق السبعين سنة، مع إحترامي للجميع، كما أن هناك غموض غريب يحيط بالبرامج الإنتخابية للمرشحين، نحن نحتاج الآن من كل مرشح أن يخبرنا ببرنامج واضح ويفصح لنا عن حقيقة علاقته بالنظام السابق، فالكثير من المرشحين كانت لهم علاقات بالنظام السابق. وإذا كان الجميع فعلاً يبحثون عن مصلحة مصر، كما يقولون، يجب أن نرى في الأسابيع القادمة إنسحاب بعض المرشحين وتأييدهم لمرشحين آخرين ويجب أن ينحسر عدد المرشحين إلى عدد لا يزيد عن عشرة على الأكثر في المرحلة الحالية، فهل سيحدث نوع من التنظيم بين صفوف الثورة لمواجهة الثورة المضادة وفلول النظام السابق التي أعادت تنظيم نفسها؟

وإذا نظرنا لحقيقة أن مصر كان بها ثلاثة ملايين عضو في الحزب الوطني وهم يمتلكون آلية مرتبة للإنتخابات هم والإخوان المسلمين إذاً فنحن امام إنتخاب إما الفلول وإما الإخوان، ما لم تنظم الثورة صفوفها ويعطى وقت كاف للقوى الشابة للمشاركة الكاملة في العملية السياسية. وأرى أن لا نستعجل إجراء الإنتخابات، بشرط تولي مجلس رئاسي مدني يضم بعض العسكريين لإدارة شئون البلاد في هذه المرحلة الإنتقالية يمكن أن تمتد لمدة سنة أخري على أن يتم خلالها الإستجابة لمطالب الثورة، وطبعاً لا يمكن أن يشمل المجلس الرئاسي المقترح أي من رموز النظام الفاسد.

  • ما تعليقك على ما يحدث الآن من صراعات مسلحة في الدول العربية؟ ما هي توقعاتك للنهاية؟

الأنظمة الموجودة الآن في سوريا واليمن وليبيا تحارب شعوبها وهذه الأنظمة هي في حقيقتها عصابات إجرامية وليست أنظمة حكم، هدفها البقاء في السلطة لإستغلال شعوبها أسوأ من أي إحتلال إستعماري خارجي مر على المنطقة العربية، وعندما وجدت هذه الأنظمة الإجرامية مصالحها مهددة لم تجد مانعاً من قتل شعوبها مقابل أن تستمر في السلطة، مثل القذافي الذي أبدى إستعداده للقتال حتى آخر ليبي كي يجلس هو على آبار البترول. وهذا دليل على طريقة تفكير هذه الأنظمة الإرهابية الإجرامية. الأمة العربية في مرحلة إستيقاظ.. لم تستيقظ بالكامل بعد، ولكنها تستيقظ، وتحاول قوى كثيرة في المنطقة وخارجها أن يعطوا الأمة العربية مخدراً كي تتراجع وتنام ويلتفوا حولها.

ما يحدث يمكن وصفه بأنه صحوة شعبية قوبلت بعنف غير مبرر من أنظمة إجرامية. وأرى أن ما فعله زين العابدين بن علي، في نهاية حكمه، أفضل مائة مرة مما يفعله الآن القذافي وبشار الأسد وعلي عبد الله صالح. والفرق في مصر كان نتيجة التقارب بين الشعب والقوات المسلحة، لأن العلاقة بينهما أقوى، أما في الدول الأخرى فالأنظمة الإجرامية حولت جيوشها بالتالي إلى عصابات إجرامية مسلحة.

نتمنى أن تكتمل الصحوة العربية وعلى من يريد أن يستمر على رأس الأنظمة أن يبدأ إصلاحاً حقيقياً وليس عمليات رشوة كما يحدث في بعض الدول العربية، فبعض الحكام يظن أن الإصلاح يعني أن يعطي الشعب رشاوي كي يسكت وهذا ليس إصلاحاً، فالمطلوب إصلاح سياسي إقتصادي إجتماعي شامل في المنطقة العربية ومن سيتخلف عن تحقيق ذلك عليه أن يتوقع إندلاع الثورات. وبالمناسبة ليس من المعقول أن يتوقع أحدهم أن شعبه سيقبل دعوته للحوار بعد أن أراق دماء أبناء شعبه، مثلما يحاول علي عبد الله صالح وبشار الأسد ومثلما حاول القذافي قبلهما. إن الإصلاح الحقيقي والحوار الفعلي يجب أن يحدثا قبل إراقة الدماء.

وأتوقع قبل عام ٢٠٢٠ أن تكون المنطقة قد تغيرت للأفضل وهو مشوار طويل به الكثير من المصاعب ولكن هذه الملحمة ستحي من جديد مفهوم الأمة الواحدة الذي نتمناه.

  • بصفتك خبيراً دولياً في التنمية.. كيف نحقق نهضة في مصر في الفترة القادمة؟

مصر بلد غنية بمواردها وغنية بأهلها وموقعها وغنية بتاريخها، وكل بعد من هذه الأبعاد يشكل إجابة عاى السؤال، فنحن لدينا موارد ليست موجودة في أي بلد أخر ويجب أن نحسن إستخدام مواردنا لتحقيق النهضة، ومن مواردنا الطبيعية مياة النيل وقناة السويس التي لازالت بالنسبة لنا صندوق أسود مغلق لا نعرف كيف نستغلها كما يجب. وقد عشنا لسنوات طويلة دولة منهوبة، دولة يساء إدارة مواردها، دولة لا تستخدم مواردها بل تهدرها، ولكننا لسنا دولة فقيرة.

في الفترة القادمة نحن بحاجة إلى مجموعة من المشاريع الوطنية الكبرى، نبدأها بمشروع وطني للإصلاح السياسي فيجب أن يحدث إصلاح سياسي حقيقي ولا يمكن أن يحدث إصلاح سياسي في ظل وجود نفس النظام الفاسد، كما لا يمكن التطهير بإستخدام أدوات ملوثة. نحتاج إلى مشاريع كبرى إقتصادية وإجتماعية وثقافية. نحن في حاجة لأن نبدأ مرحلة "المشاريع الكبرى" مثل مشروع السد العالي ومشروع قناة السويس. ومصر الآن في أمس الحاجة لمجموعة مشاريع مماثلة. فلنفكر كيف نستغل نهر النيل فمن غير المنطقي ان تظل كل هذه المساحات الشاسعة من الصحاري في مصر ونحن نلقي بمياه النيل في البحر، وهناك هيئات درست "مشروع نهر النيل" لإنشاء فروع للنيل في الصحراء الشرقية والغربية.

ويجب إحياء مشروع محو الأمية مع تغيير الإسم إلى "مشروع إقرأ" أو "مشروع القلم" مثلاً بالإضافة إلى ضروة الإسراع بإصلاح منظومة التعليم في مصر التي طالها الفساد في السنوات الماضية، كذلك ضرورة الإسراع بإصلاح باقي أجهزة ومؤسسات مثل الصحة والبنية الأساسية، ومن أهم المشاريع الكبرى التي تحتاجها مصر هو مشروع وطني لتدريب وتشغيل الشباب.

  • وأخيراً كيف يمكن لقراء الأخبار التواصل معك؟

يسعدني دائماً التواصل مع قراء الأخبار بالبريد الإلكتروني، كما تسعدني دعوة قراء الأخبار إلى المشاركة في أهـــلاً العربية.

د. محمد علاء الدين عباس مرسي عباس مرسي

رضوى عبد اللطيف مصر

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

Leave your vote

0 points
Upvote Downvote

Total votes: 0

Upvotes: 0

Upvotes percentage: 0.000000%

Downvotes: 0

Downvotes percentage: 0.000000%

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق



Hey there!

Forgot password?

Don't have an account? Register

Forgot your password?

Enter your account data and we will send you a link to reset your password.

Your password reset link appears to be invalid or expired.

Close
of

Processing files…

أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك

Warning: mkdir(): Disk quota exceeded in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 321

Fatal error: Uncaught exception 'Exception' with message 'Cache directory not writable. ZenCache needs this directory please: `/homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/cache/zencache/cache/http/ahlan-com/2011/10/16`. Set permissions to `755` or higher; `777` might be needed in some cases.' in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php:324 Stack trace: #0 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->WebSharks\ZenCache\Pro\{closure}('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #1 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/classes/AbsBaseAp.php(55): call_user_func_array(Object(Closure), Array) #2 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AbsBaseAp->__call('outputBufferCal...', Array) #3 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->outputBufferCallbackHandler('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #4 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-includ in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 324