فارس بلا جواد

بقلم/
فاتن حافظ
مصر : ۱۵-۱۰-۲۰۱۱ - ۷:۱۷ ص - نشر

"إما أن هناك من يعتقد أننا شعب فائض عن الحاجة في الشرق الأوسط أو أن هناك من يعتقد أننا دولة ناقصة يجب المسارعة إلى إقامتها…" كلمات مدوية حكيمة نطق بها محمود عباس في خطابه أمام الأمم المتحدة والتي كان يطالب فيها بإقامة دولة فلسطين المستقلة التي يعترف بها العالم. كلمات مرت مرور الكرام على مستمعيها ولكنها نطقت بلسان حال شعب لم ييأس من النسيان وطلب من العالم أن يحترم آدميته ويعترف بهويته.

ثورة 25 يناير تأخرت 30 عاماً حتى تفجرت، أما الدعوة إلى إقامة دولة فلسطين المستقلة فقد تأخرت 60 عاماً حتى انطلقت، والفارق أن الثورة المصرية لم تقف أمامها تكتلات دولية وحلفاء مناهضون يتآمرون على كبتها وقتلها ولم يهددها حق فيتو يجهضها و يزج بها في غياهب النسيان. إقامة الدولة الفلسطينية هو حق مشروع يستحقة الفلسطينيون إستحقاقاً ويدين لهم به المجتمع الدولى بكل أطرافه المتنائية ويشهد على ذلك معاناة أكثر من 60 عاماً ذاق فيها الشعب الفلسطيني ويلات الإحتلال والإستعمار وعذابات السجون والمعتقلات، الفلسطينيون شاهدوا أمام أعينهم إستيطاناً لأرضهم وهدماً لبيوتهم وإحراقاً لمزارعهم وأشجار زيتونهم وإقتلاعاً من مواطنهم، بل بات الحزن والتهميش والتشرد صفات ملازمة لمعظم أبناء شعب فلسطين الضحية.

من الأمور المسلم بها والمنصوص عليها فى كل اللوائح القانونية على المستوى الدولي أو الإقليمي أو القضائي أن تسقط أهلية من يتولى موقع الوسيط للفصل بين أطراف متنازعة إذا ما بدا منه أي موقف أو مجرد نية تحيز لطرف على حساب طرف آخر، وذلك لضمان عدالة الأحكام الصادرة وتوازنها وكي لا يجور على أحد أطراف النزاع ويوقع عليه أهوال ظلم وتعسف. فما بالك بدولة لا تخجل من إخفاء تحيزها ولا تتوانى عن تأكيده كل يوم بل وتهدد بقطع المعونات عن السلطة الفلسطينية إذا ما إستمرت في جهودها لنيل الإعتراف الدولي من مجلس الأمن. هذه الدولة تشغل موقع إحدى الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن وتملك حق الفيتو وبالتالي يكون طلب محمود عباس للاعتراف بدولة فلسطين واقع تحت رحمتها وتستطيع إجهاضه في اللحظة التي يصل مشروع الإعتراف إلى قاعة مجلس الأمن.

إن قلتها مرة أقولها ألف مرة، إن الولايات المتحدة مهما علت وتعاظمت وتفاخمت لا تصلح لشغل موقع بهذه الخطورة حيث يتحكم مجلس الأمن بمصائر شعوب وتشكيل دول بل وتحريك العالم. والولايات المتحدة بتحالفها وتحيزها الأرعن لدولة إسرائيل تفقد مصداقيتها وتسقط أهليتها لشغل هذا الموقع فدائماً سترى الطرف المغلوب من منظورتتحكم فيه المصالح الشخصية والضغوط السياسية، وبالتالي تستطيع أن تستخدم حق الفيتو ضد شعب أعزل ضعيف، وهذا إخلال بالقوانين الدولية وإستهتار بمصائر الشعوب وإنتقاص لشرف الموقع والمسؤولية. وأنا أسأل أعضاء مجلس الأمن بالأمم المتحدة، الدائمين وغير الدائمين والذين يملكون حق البت فى القضايا الدولية، كيف يقبلون أن تكون دولة من بينهم فوق المساءلة و المراقبة؟ ولماذا تبقى تلك الدولة العظمى فوق االقانون فلا تحاسب ولا تقاضى بل وتحمي دولة أخرى من المحاسبة والمساءلة إنتهكت القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة أكثر من أية دولة أخرى على مر التاريخ؟

تقيم المنظمات الدولية قياساً على القرارت الحكيمة والعادلة التي تصدرها إاستحسان العالم لأدائها العام. لكن الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة ثؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على صوابية قرارات الأمم المتحدة وحياديتها بل وتفقدها دور الريادة التى تمتعت به لأحقاب من الزمن، وما أراه يحدث في العالم يدفعني إلى أن أطالب الولايات المتحدة بحزم وصرامة أن تعيد تقييم الأمور أو أن تتخلى عن مقعدها الدائم وتتركه لدولة أخرى أكثر عدلاً وعقلانية. فنحن لا نريد أن نرى عالماً من الفوضى يتحكم فيه الأقوياء وتقوم فيه كل دولة بحمل قضاياها على أكتافها منفردة، يأخذ القوي حقه بيده متمرداً على ولائه للأمم المتحدة ومعلناً العصيان على منظومة القانون الدولي ويصبح الضعيف فيه ضحية للظلم والقهر والاستعباد.

نشاهد تغيراً مذهلاً في العالم العربى من بعد ثورة 25 يناير حيث أصبح هناك رفض واضح للديكتاتورية والظلم. إنقلبت الموازيين وإنهارت نظم حكمت 30 أو 40 عاماً، أصبح العالم العربى بركاناً يغلي داخل أحشائه. إنفجر وتصدعت على أقدامه أنظمة هشة كنا نظنها عتية. صرخت الشعوب وزأرت كالأسود وإرتجفت على زئيرها سلطات كنا نظنها راسخة. إنتفض العالم العربي وثار ولن تعود الأمور إلى ما كانت عليه. جيل الشباب أكثر جرأة ورفضاً وتحدياً وليس من مصلحة العالم أن لا ينصت لهم. العالم العربي يتبدل ويتحول، وعلى الأمم المتحدة أن تدرك هذه المتغيرات وتذعن لارادة الشعوب وعلى الولايات المتحدة أن تنحي غرورها وتدرك أن حق الفيتو لن يثير إلا مزيداً من الغضب الذي لا يستطيع أحد كبح جماحه.

دولة فلسطين، إن تحققت إذا ما تم الاعتراف بها، قد لا نستطيع أن نرى ملامحها الحدودية على الخريطة ولا نستطيع إسترجاع مصادرها الطبيعية المسروقة وقد نجد أحياء من القدس تم ضمها وأفرغت من سكانها. فالدولة المقترحة متناهية الصغر بعد أن قطع جدار الفصل العنصري أوصالها وإلتهمت المستوطنات أكثر من 70% من مجمل أراضيها وإنتشرت فيها انتشار الخلايا الخبيثة في جسد أنهكته المسكنات وكانت إتفاقية أوسلو عقارها الخاطئ.

"نحن آخر دولة محتلة فى العالم…" كلمة أخرى ذكرها محمود عباس في خطابه تثير المرارة والأسى. وكيف يكون هناك دولة محتلة في العالم ونحن في بدايات القرن 21 وننعم بهذا التقدم الهائل والوعي غير المسبوق بحقوق الإنسان. الإحتلال هو إغتصاب جائر لما ليس لك فيه حق، وهو فعل تعسفي إنقرض، وطوى عليه الزمان صفحته حتى كلمة إحتلال نفسها إنقرضت وندر إستخدامها في لغتنا العربية وأن قرأناها فهي في كتب التاريخ وإن سمعناها فهى فى سرد أحداث التاريخ فلماذا لازالت متلازمة مع قضية فلسطين؟

قضية فلسطين قضية كل عربي ذي ضمير حي. هي ليست قضية تعاطف بل قضية أرض وعرض وشرف. قضية تغلغلت إلى قلوبنا وتسربت إلى جدران بيوتنا، عندما شاهدت خطاب محمود عباس أمام الأمم المتحدة واستذكرت إنتفاضات الفلسطينين التي لا تنتهي و تخاذل العالم أمامهم، إستحضرني في هذا السياق عنوان المسلسل المصري الشهير "فارس بلا جواد". وكم ينطبق هذا على الفلسطينيين قلباً وقالباً فهم بالحق فرسان لكنهم لايملكون ما يكمل لهم فروسيتهم أي وجود دولة مستقلة متواصلة حرة ذات سيادة يجمعون فيها شتاتهم ويمارسون فيها إبداعاتهم.

ماحدث لفلسطين مأساة لا يمكن السكوت عليها. إن واجب العرب والمسلمين والشرفاء في هذا العالم أن ينتصروا للحق وأن يمدوا يد العون لأهل الأراضي المقدسة في فلسطين التي بارك الله. نحن واثقون أن الحق لا يضيع ما دام وراءه فرسان يطالبون به وإن غداً لناظره قريب.

فاتن حافظأمريكا

كاتبة مصرية مقيمة في ولاية نيوجرزي بالولايات المتحدة

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

Leave your vote

0 points
Upvote Downvote

Total votes: 0

Upvotes: 0

Upvotes percentage: 0.000000%

Downvotes: 0

Downvotes percentage: 0.000000%

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق



Hey there!

Forgot password?

Don't have an account? Register

Forgot your password?

Enter your account data and we will send you a link to reset your password.

Your password reset link appears to be invalid or expired.

Close
of

Processing files…

أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك

Warning: mkdir(): Disk quota exceeded in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 321

Fatal error: Uncaught exception 'Exception' with message 'Cache directory not writable. ZenCache needs this directory please: `/homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/cache/zencache/cache/http/ahlan-com/2011/10/15`. Set permissions to `755` or higher; `777` might be needed in some cases.' in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php:324 Stack trace: #0 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->WebSharks\ZenCache\Pro\{closure}('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #1 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/classes/AbsBaseAp.php(55): call_user_func_array(Object(Closure), Array) #2 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AbsBaseAp->__call('outputBufferCal...', Array) #3 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->outputBufferCallbackHandler('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #4 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-includ in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 324