توكل كرمان اليمنية وجائزة نوبل للسلام

بقلم/
مصر : ۱۳-۱۰-۲۰۱۱ - ٤:۳۲ م - نشر

أعلنت لجنة نوبل من مدينة أوسلو فوز ثلاث نساء بجائزة نوبل للسلام لعام 2011، إثنتين من ليبيريا والثالثة من اليمن وهي توكل عبد السلام كرمان. وهي إمرأة عادية، متزوجة وعندها ثلاثة أطفال وهي من مواليد عام 1979 وكل ما يميزها عن غيرها من الناس أنها انضمت منذ البداية إلى صفوف الثورة اليمينة لإسقاط الطاغية الدموي علي عبد الله (غير ال)صالح وظلت شعلة من النشاط والحيوية والتصميم، لا تكل ولا تمل ولا تيأس ولا تتراجع.

وقد اعترفت لهل ولزميلتيها الليبيريتين بهذا الدور في الكفاح السلمي لتحقيق السلام الداخلي الذي يمكن الشعب من امتلاك مصيره بيديه. فقال رئيس لجنة الجائزة في أوسلو إن النساء الثلاث كوفئن على "نضالهن السلمي من أجل ضمان الأمن للنساء وحقوقهن". وأضاف قائلاً: "لا يمكننا تحقيق الديموقراطية والسلام الدائم في العالم إلا اذا حصلت النساء على الفرصة نفسها التي يحصل عليها الرجال للتاثير على التطورات على جميع مستويات المجتمع".

صحيح أن الفائزة هي السيدة اليمنية توكل، ولكن الفائز الأكبر هو الربيع العربي والنساء العربيات المناضلات منذ أكثر من قرن من الزمان من جميلة بوحيرد في جزائر الثورة إلى الشهيدة ليلي السرميني إبنة الـ45 ربيعاً والتي سقطت يوم الرابع من هذا الشهر برصاص القتلة من أتباع النظام الدموي في سوريا في بلدة تلبيسة قرب حمص أمام عيون الكاميرا ومن بعدها أمام عيون العالم.

توكل عبد السلام كرمان إذن تجسد أمة ناهضة تتململ بعد غياب طويل صنعه أعداء الأمة ووكلاؤهم المحليون وهي على وشك أن تكسر الأغلال وتطيح بالطغاة واحدا بعد الآخر. أمة ستضع الآن تاجاً من الغار على جبين توكل الشريف إبنة اليمن السعيد الواعد بإنجاب المزيد من المناضلات. لقد شرفت توكل كل الرجال والنساء والشباب والشابات العرب من الغلابى والمضطهدين والعاطلين عن العمل والباحثين عن لقمة عيش وجرعة كرامة والذين قرروا أن يثوروا ضد العملاء والخانعين والقتلة والمجرمين والفاسدين وأجهزة البلطجة والشبيحة ودوائر المخابرات والقناصة والمرتزقة.

تكريم توكل اليوم من السيد ألفرد نوبل إعتراف بدور المرأة العربية الجديدة التي تصنع فجراً ومستقبلاً لأمتها وتشق طريقاً وعرة بين أكوام الخراب التي خلفها هؤلاء الطغاة في شرق البلاد وغربها، شمالها وجنوبها. وجائزة نوبل هذه صفعة حامية على جبين النظام الكالح الجاف القبيح الجالس على قلوب اليمنيين لنحو ثلث قرن خرب فيها البلاد وأذل العباد ونهب الثروات وفرق الناس إلى تجمعات قبلية وعرقية ودينية كي يسهل مهمة القبض على خناق الوطن، ثم أدخل أطياف الشعب اليمني في حروب داخلية وساوم على سيادة البلد حيث أعطى صكاً لدول خارجية لملاحقة أبناء اليمن وقتلهم على أرض اليمن.

هذه الجائزة تكريم لكل نساء اليمن اللواتي صرخن في وجه الطاغية الأمي: إرحل إرحل. هذه الجائزة هدية لفتيات ميدان التحرير من الشهيدة سالي زهران إلى إسراء عبد الفتاح، المرشحة العربية الأخرى لنفس الجائزة، وأسماء محفوظ وأمينة الطنطاوية وزميلهن وائل غنيم المرشح الآخر لنيل الجائزة والآلاف الذين حولوا ميدان التحرير إلى موقع لميلاد مصر الجديدة المناضلة العائدة إلى أمتها بعد سنين الاغتراب. هذه الجائزة أيضاً لك يا راضية نصرواي ولك يا لينا بن مهنا، المرشحتين التونسيتين لنفس الجائزة، ولزميلاتكما المناضلات في الثورة التونسية العظيمة ولابن سيدي بوزيد الشهيد محمد بوعزيزي ونساء ورجال تونس الذي تسلحوا بأطواق الياسمين وأسقطوا عصابة بن علي و ليلى الطرابلسي.

وهذه الجائزة لمناضلات الثورة الليبية من إيمان العبيدي وإسراء بن محمود وهدى أبو زيد إلى عائشة قدور وفاطمة بريدان وأمل بشير، وكل الشباب والشابات الذين طاردوا الطاغية وأولاده من بيت لبيت ومن شارع لشارع ومن زنقة لزنقة فولى هارباً كالجرذ يفتش عن دهليز أو جحر يختبئ فيه مع أوهامه التي يبدو أنه ما زال متمسكاً بها.

وهذه الجائزة باقة من الورد تقدم للفتيات السوريات اللواتي يتحدين الرصاص والتعذيب والموت ويناضلن، كل واحدة بطريقتها، لوقف تقدم الجيش والمخابرات والشبيحة والأمن السري والعلني، من المناضلة مي كساب إلى الحقوقية رزان زيتون إلى الشهيدة ليلى السرميني. إنها جائزة للشباب الذين يتحدون الموت ويخرجون في الليل والنهار رافعين شعاراً واحداً تلتف حوله كل فئات الشعب: سوريا بدها حرية.

وهذه الجائزة اعتراف بالمرأة العربية المناضلة من عهود الاستعمار إلى عهود الطغاة من صفية زغلول في مصر إلى سناء المحيدلي في لبنان ومن دلال المغربي وليلى خالد في فلسطين، إلى جميلة بوحيرد في الجزائر. إنها هدية للمناضلات اللواتي عبدن الطريق نحو الثورة المباركة. من هدى شعراوي ونوال السعداوي إلى توجان الفيصل ولويزة حنون وأسيرات الحرية في سجون الاحتلال: غفران زامل وسنا عامر ودعاء الجيوسي ومريم أبو دقة وجيهان دحادحة وفاطمة الزق وصونا الراعي وغيرهن.

هذه الجائزة إقرار بأن المرأة العربية لم يعد دورها مقصوراً على المطبخ وغرفة الولادة. لقد ساهم الربيع العربي في إعادة تأهيل المرأة لأخذ دورها الحقيقي في التنمية والبناء والنهضة والتطور والتقدم، كما ساهمت المرأة أيضاً في صقل الربيع العربي وإعلاء الجانب الإنساني والاجتماعي والحضاري منه. لقد خرجت إلى الشارع لتشارك الزوج والأب والإبن والأخ والمعلم والموظف والتاجر والعالم والمبرمج والسائق في نسج خيوط فجر يكاد أن ينبلج من بقايا ليل يكاد أن يمحي.

نتمنى أن تحرك هذه الجائزة العروق في بقية الشعوب العربية التي ما زالت تقرفص على السياج بانتظار انقشاع غبار االثورات في اليمن وسوريا. ونريد لهذه الجائزة أن تضخ عزيمة مضاعفة في نساء هذا الوطن لينزعن الصورة النمطية التي تصور المرأة العربية خانعة ساكنة طائعة وطيّعة ومهيضة الجناح التي كرسها المجتمع الذكوري والفكر المتمترس في مجاهل التاريخ الذي فصّـلوه على مقاس كراسيهم.

نتمنى لجائزة توكل أن تخترق الحدود الموصدة على ملايين النساء في بلدان مجاورة، محرومات حتى من حق قيادة السيارة أو المشي أو السفر بدون محرم، حيث اختصرت الأنظمة المتخلفة والمسلحة بالفتاوى دور النساء على أن يكن كومة لحم فقط مغطاة بالسواد دون وجه أو أنف أو عينين أو عقل.

تحية للسيدة المناضلة توكل وتحية مماثلة لزوجها الفاضل محمد إسماعيل الذي وقف مسانداً ومشجعاً ولولا هذه العقلية المنفتحة والمتفتحة لما كنا نحتفل هذا اليوم بفوز توكل بهذه الجائزة الكبرى. تحية للشعب اليمني العظيم وهو يكتب الفصول الأخيرة في نهاية حكم هذا الطاغية الأبله الذي يصر أن يبقى هو وأولاده في السلطة حتى ولو على جثث الآلاف.

دعونا نفرح هذا اليوم مع الشعب اليمني ومع مناضلاته الماجدات. دعونا نفرح ليوم واحد على الأقل لهذا الانجاز الكبير قبل أن نستأنف المسيرات السلمية وحمل الشهداء إلى موائلهم الأخيرة في صباح الغد في تعز وحمص وسرت وصنعاء ودير الزور وبلد الوليد، حيث يصر هؤلاء الطغاة أن "يأخذوا حصتهم من دمنا قبل أن ينصرفوا"، أما نحن فلنا ما ليس يرضيهم "لنا المستقبل، ولنا في أرضنا ما نعمل"، مع الإعتذار لمحمود درويش للتدخل البسيط في تغيير بعض ما قال.

عبد الحميد صيامأمريكا

أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في منطقة نيويورك

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك