لماذا الدولة ومكانة الرئاسة؟

بقلم/
مصر : ۵-۹-۲۰۱۱ - ۳:۲۷ م - نشر

"لايوجد لدينا شئ نخفيه، ونتلقى تمويلاً من الخارج وعندما يتوقف المجلس العسكري عن الذهاب لأمريكا وجلب المساعدات العسكرية لنفسه، سوف نتوقف"… هذا نص ماجاء على لسان د. سعد الدين إبراهيم طبقاً لما نشر بموقع بوابة الأهرام الإلكترونية بتاريخ 29-8-2011 خلال لقائه بجمعية التنمية الإنسانية والذي تم قبل هذا التاريخ بيوم واحد.

وأضاف د. سعد الدين إبراهيم "المحكمة أقرت بحقنا في التعامل مع أى جهة، ونمارس حريتنا ولا نريد لأحد أن يبتزنا، وأتلقى ما أتلقاه إذا كان يتفق مع أهدافي والفيصل بيننا هو القانون والمحكمة"… وقال "إن السلفيين يتلقون تمويلات بالمليارات". وحذر د. سعد الدين إبراهيم من "إختطاف الثورة سواء من المجلس العسكري أو السلفيين أو فلول الحزب الوطني بسبب كوادرهم المدربة والمنتشرة بالقرى والأقاليم والمدن، حيث لم يتم التخلص من كوادر وقيادات الحزب الوطني أو إعدامهم كما حدث في الثورة الفرنسية".

يتحدث د. سعد الدين إبراهيم بمنطق (إشمعنى أو لماذا بالمقارنة) لماذا المجلس العسكري أو الدولة تتلقى معونات من الخارج ونحن أو منظمات المجتمع المدني لا؟ وهو نفس المنطق الذي يبرر به بعض النشطاء من الشباب تلقي معونات أو تدريبات من الخارج، وهو المنطق المغلوط الذي إنهار فيه الحد الفاصل بين حق وواجبات الدولة وحق وواجبات الفرد، وهو منطق يدعي السذاجة، وهو ليس بساذج من يتخذه مبرراً لنفسه.

والمحزن والمثير للسخرية في نفس الوقت أن المجلس العسكري أو الدولة هوت في نظر أصحاب منطق (إشمعنى) ومدعي السذاجة إلى الدرجة التي يتم فيها مقارنة انفسهم بالدولة، فإذا كانت الدول المانحة تتدخل في شئون الدول التى تتلقى معونات منها، فماذا عن تدخلها في المنظمات التي يديرها أفراد؟

المفترض أن الدول تتلقى معونات بناء عل إتفاقيات وبروتوكولات تعاون وموافقات برلمانية في كلا من الدولتين المانحة والمتلقية، وأن كل شئ يتم في العلن والنور من تحصيل الأموال وإنفاقها لصالح الشعب وليس لصالح شخص أو منظمة بعينها، وهنا لايوجد مجال للحديث عن الإنحرافات فى أوجه الصرف المخصصة لأموال المعونة بسبب فساد أجهزة الدولة، فهذه قصة أخرى تتولاها أجهزة التحقيق.

أيضاً عندما ترسل الدولة موظفيها لتلقي دورة تدريبية بالخارج بناء على إتفاقيات مسبقة ومعلنة، وبعد عودة الموظفين من الدورة التي تلقوها يطلب منهم كتابة تقرير عن ما تعلموه ومدى إستفادتهم من الدورة أو البرنامج التدريبي ويمكن نشر هذا التقرير على العلن بينما لن يجرؤ أحد على كتابة تقرير عن دورة تلقاها في صربيا أو فريدوم هاوس أو نشره فى العلن.

أتحدث هنا عن منطق (إشمعنى) الذي أوصل للبعض أن يقارن نفسه بالدولة، وليس عن أحقية تلقي بعض النشطاء لدورات بالخارج أو تلقي منظمات المجتمع المدني لأموال من الخارج، كان يتم انكارها ولم يتم الإعتراف بها إلا بعد أن نشرت الجهات المانحة تقاريرها المالية فى العلن.

بالعودة للدكتور سعد الدين ابراهيم، وكما لم يكن غريباً عليه تأييده لحق السيد جمال مبارك في الترشح لإنتخابات الرئاسة مثله مثل أي مواطن مصري لا نستطيع حرمانه من هذا الحق، نجد أنه بعد حديثه عن فلول الحزب الوطني في الندوة المشار إليها عاليه وتحذبره من خطفهم للثورة بسبب الكوادر التي لم بتم إعدامها كما حدث فى الثورة الفرنسية، نجد أنه بعدها بأيام قليلة وفى مقال له بتاريخ 3-9-2011 بجريدة المصري اليوم ييناشد فيه المجلس العسكري بعدم إستبعاد فلول الحزب الوطني من الحياة السياسية ويطالب بالصفح عنهم كما صفح الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) عن كفار قريش وصفح نيلسون مانديلا عن أصحاب البشرة البيضاء في جنوب أفريقيا، وطالب د. سعد الدين إبراهيم أيضاً بمحاكمة عادلة لمن هو متهم من الفلول بأي جرائم، ولا يوجد تعليق على هذا الإنقلاب الحاد في المواقف وأسبابه، سوى أن نرجو منه أن يتذكر أن المجلس العسكري لايجلب المساعدات العسكرية لنفسه بل لحماية الوطن وإلا تحول لشئ آخر وليس جيش وطني.

وكان قد وصلني بريد إلكتروني (إميل) في شهر أكتوبر من العام الماضي من أحد مراكز الحوار العربية بالولايات المتحدة، والرسالة عبارة عن كلمة ألقاها عاموس يادلين رئيس الإستخبارات العسكرية الإسرائيلية بمناسبة تقاعده، وفيها تحدث عن إنجازات جهازه خلال الأربع سنوات التي قضاها في خدمته.

يتفاخر عاموس في كلمته بالإختراقات التي أحدثتها أجهزة مخابراته وزرع شبكات تجسس بالدول العربية وإيران وجنوب السودان، ونجاح عمليات إغتيالات وإثارة أعمال الفتن والنزاعات الطائفية داخل المجتمعات العربية، وطبعاً كانت الدولة صاحبة النصيب الأكبر في الإختراق المخابراتي هى مصر طبقاً لما قاله عاموس يادلين.

كلام رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية سمعناه كثيراً وليس فيه جديد، إن كان صحيح ما قاله، ولكن أكثر ماكان ملفت في كلامه هي الجملة الأخيرة التي بها ختم كلمته وهي قوله "كما يجب تحية الرئيسان حسني مبارك ومحمود عباس كل يوم، لما قدماه لإستقرار دولتنا وانطلاق مشاريعها".

لست محتاج لقراءة أو سماع هذه الجملة حتى أعرف كم الخدمات التي قدمها رئيس مصر السابق لدولة أسرائيل، ورغم ذلك شعرت بالإستفزاز من تلك الجملة. فالأمر بالنسبة لي سواء إختلفت أو إتفقت مع الرئيس السابق، يتعلق بمكانة الدولة المصرية ومكانة الرئاسة فيها، بغض النظر عن إسم الرئيس.

فأردت التأكد من صحة هذا الكلام، وذهبت للبحث عن مصادر الخبر التي تفضل مرسل الإميل بالتنويه عنها وهي عبارة عن أسماء خمسة مواقع على الإنترنت. بالبحث في هذه المواقع وجدت أنها كلها مواقع لبنانية ومنها موقع قناة المنار الخاصة بحزب الله والمواقع كلها متفقة في محتوى الخبر مع عدم وجود إسم لمحرر الخبر أو إسم المصدر الذي إستقى منه الخبر. موقع واحد فقط ضمن الخمسة مواقع هو من ورد به هذه الجملة المستفزة، وهو بالمناسبة ليس موقع قناة المنار.

ثم بحثت بعد ذلك في المواقع الأخبارية الرئيسية مثل الجزيرة وسي إن إن وفوكس نيوز فلم أجد أساساً لهذا الخبر، فأرسلت إميل لمركز الحوار مرة وإثنتين أستفسر فيه عن مصدر هذا الخبر الذى أورده فى الإميل المرسل إلي، ووصلنى الرد فى كل مرة ولكن بدون الإجابة على سؤالي عن المصدر الأصلي الذي إستقى منه هذا الخبر.

توقعت بعد ذلك أن تصدر رئاسة الجمهورية بياناً تكذب فيه هذا الخبر أو تستوضح حقيقته من الجانب الإسرائيلى، ولم يحدث شئ وبعد حوالي أسبوع أو اكثر قليلاً أصبح هذا الخبر مجهول المصدر يتم تدواله عبر شبكة الإنترنت على أنه الحقيقة بعينها، ثم جاء بعده تصريح الكنز الإستراتيجى ولم أهتم بمصداقيته مادام صاحب الشأن نفسه لايهتم برد او نفي الإهانة التي تعرض لها ولا يدرك مكانة منصبه، أو حتى تعامل مع هذه التصريحات بمنطق نظرية المؤامرة وأنها قد تكون بداية عملية حرق له عندما يأتي وقت التخلص منه.

رئيس مصر السابق هو أكثر من أهان مكانة وقيمة الرئاسة فى مصر، وسيكتب إسمه في كتب التاريخ سواء بالسلب أو الإيجاب أنه حكم مصر لمدة ثلاثين عاماً، وهناك من يسعده أن يكون تاريخنا بعد ثورة 52 كله مشوه وأن نجلد أنفسنا وأن نستحق مانحن فيه لأننا تخلينا عن الحكم الملكي مقابل النظام الجمهوري، ومصر بعد ثورة 1952 حكمها رؤساء ومازلت تحكم من مدرسة القوات المسلحة المصرية.

فالرئيس أو الزعيم جمال عبد الناصر، مازال البعض يحاولون تشويه صورته وتاريخه الوطني، والرئيس السادات أيضاً هناك من يتهمه بالخيانة، والرئيس السابق حسني مبارك متهم للأسف هو وعائلته بالسرقة وقتل الشهداء، وأقول للأسف لأنه على ما أظن لايشرف أي مصري أن يكون رئيس بلاده قاتلاً لأبناء بلده وسارقاً لثرواتها، إذا ثبتت عليه هذه التهم.

وسواء تمت إدانته أم لا فسيظل في رأيي هو من قاد مصر إلى الخلف ومن أكثر من أضر وأهان مكانة مصر والمصريين. لا أعرف وقت كتابة هذا المقال ماذا سيكون الوضع في ميعاد جلسة المحاكمة الثالثة، وأظن أنه كان خطأ منذ البداية أن تتم محاكمة رئيس سابق لمصر بوضعه داخل قفص الإتهام، فيما لم نشاهده من قبل فى محاكمة رؤساء سابقين حتى لو تم إعدامهم بعد ذلك.

وأرجو أن لا نتحدث عن مساواة الجميع أمام القانون، لآننا لم نحاكم رؤساء جمهورية ذوي سلطات شبه مطلقة أو حتى ملوك قبل ذلك أمام القضاء، فهذه سابقة أولى بيننا وكان يجب أن تتم بشكل افضل من ذلك، فنحن نحاكم رئيس مصر ويجب أن تتم المحاكمة بالشكل اللائق حتى لو كان هذا الرئيس إسمه محمد حسني مبارك، وبوضعه داخل قفص فإننا نهين مكانة الرئاسة في مصر قبل أن نهينه هو شخصياً وسيبذل رئيس مصر القادم جهداً مضاعفاً لعودة الهيبة والمكانة إلى الرئاسة.

حاكموا حسني مبارك على كل قطرة دم نزفت من شهيد أو مصاب، حاكموه على كل شهداء مصر الذين ماتوا فى عهده وليس أثناء الثورة فقط، فلا يجب أن ننسى أن هناك شهداء قد سقطوا في مظاهرات لاتحصى لسنين طويلة قبل 25 يناير 2011، حاكموه على كل الجرائم في عهده، حتى إذا حكم عليه بالإعدام، وأظنه لن يحدث، فلتذهبوا به إلى حبل المشنقة في كامل ملابسه الرسمية أو العسكرية.

مرة أخرى حاكموا رئيس مصر السابق بالطريقة التى تناسب تاريخ مصر ومكانتها ومكانة منصب الرئاسة بها وذلك لمصر وليس لحسني مبارك مع خالص الإعتذار للأستاذ محمد حسنين هيكل وللزعيم جمال عبد الناصر.

محمد النجار الولايات المتحدة الأمريكية

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك