إنتصار ثورة ليبيا دروس في الكرامة الوطنية

بقلم/
مصر : ۲۹-۸-۲۰۱۱ - ۱۲:۳۰ م - نشر

هنئياً للشعب الليبي البطل بهذا الإنتصار العظيم. تحية إجلال وإكبار للثوار الأبطال الذين لم يتراجعوا ولم يحرفوا بوصلتهم نحو الهدف الكبير الذي إجتمعوا عليه لإسقاط الطاغية الأعظم في التاريخ الحديث الذي جمع السوء من أطرافه: جهل وغرور وفساد ودموية.

رحمة من الله واسعة تنزل على أرواح آلاف الشهداء الذين دفعوا أرواحهم ثمناً كي يتمتع الشعب الليبي وأجياله القادمة بنسائم الحرية والكرامة والعزة والرخاء والتقدم والعدل والمساواة.

ورغم معرفتنا أن هذه الصورة المثالية لن تتحقق بين ليلة وضحاها إلا أننا واثقون من أن الذي انتصر في معركة الجهاد الأصغر لا بد إلا أن ينتصر في معركة الجهاد الأكبر. فالشعب الذي يصمم على انتزاع حقوقه ويضحي من أجل استرداد كرامته المهدورة لا بد إلا وأن تنعقد له نواصي النصر وتتهاوى أمام تصميمه العقبات.

كل من يشكك في هذا الانتصار فهو إما متآمر أو جاهل أو رجعي متخلف. كل من يقارن إسقاط نظام العقيد بما جرى في العراق فهو مخطئ عن قصد أو مخطئ عن جهل، فشتان بين القوات الغازية في العراق والتي ألغت دور الشعب العراقي وصادرت حقه في قبول أو رفض نظام الحكم هناك، وبين سواعد الثوار الليبــيين وهم يكرون ويفرون في البريقة ومصراتة والزنتان والجبل الأخضر والزاوية وراس مانوف… يسقط منهم العشرات والمئات بصواريخ مرتزقة القذافي فيدفنون شهداءهم ويضمدون جراحهم ويعضون على آلامهم وينظمون صفوفهم ويعودون للميدان أكثر عزماً وتصميماً على تخليص البلاد من هذا الطاغية الأرعن الذي سفك من دماء الشعب الليبي ربما أكثر مما سفكه الاستعمار الإيطالي البغيض.

حرروا ليبيا ببطولات عز نظيرها من شعب تم تغييبه تماماً في عهد الطاغية الهارب وإعتقد الناس مخطئين أن نظام المخلوع قد سلبه إرادته وروض جموحه وعنفوانه، وإذا به يثبت للعالم أنه شعب أصيل لا يساوم على كرامته ولا يرضخ للإذلال حتى وإن طال صبره. لقد دخلت مصراتة وصمودها الأسطوري التاريخ من أوسع أبوابه وهي تحاصر من كل الجهات وتنهمر عليها زخات من صواريخ كتائب الطاغية فتحول البـيوت إلى مقابر جماعية. أتذكرون الطبيب البطل علي أبو فناس الذي فقد أولاده الأربعة سالم (15 عاما) وحواء (11 عاما) وفاطمة (7سنوات) وآدم (3 سنوات) ثم خرج ليضمد جراح المصابين في مستشفى مصراتة؟ وكم هناك من آلاف مثل علي أبو فناس.

هذا الإنتصار صنعته دماء الشهداء الذي سقطوا في بنغازي في الأيام الأولى من الثورة فحركت صور الضحايا ضمائر العالم وأصبح إسقاط النظام الفاشي ضرورة حتمية ومهمة ليبية وعربية ودولية وإنسانية مثل إسقاط النظام النازي في ألمانيا الهتلرية.

الذي أسقط نظام العقيد هم شباب ليبيا الأبطال وقيادتهم السياسية الشريفة التي حملت دماءها على راحاتها وتمردت على عصابة القتلة ورئيسها الذين يتلذذون بالقتل والتمثيل والتعذيب، فأحدثوا شرخاً في جدار القمع الذي يمثله هذا المجرم. قيادة إنتقالية أنجزت على عجل لكنها إرتقت إلى مستوى المسؤولية فأدارت شؤون المعارك العسكرية والسياسية والإنسانية بحكمة وروية ودون تهريج أو إحتراب أو إنتهازية. الذي صنع الانتصار هم شباب الثورة الذين إنتفضوا على حكم الطاغية قبل أن يسمعوا بالناتو رغم خطورة هذه الإنتفاضة لأنهم يعرفون كيف سيكون رد فعل "الزعيم" الذي لا يتعامل مع المعارضين لسلطته إلا من خلال أعواد المشانق كما تشهد على ذلك سنوات عجاف زادت عن الأربعين.

الذي صنع الإنتصار هم الرجال الأحرار الذين إستقالوا في الأيام الأولى من مناصبهم وسفاراتهم وبعثاتهم وأعلنوا إنضمامهم لثورة شعبهم ولم يترددوا أو يتراجعوا أو يضعفوا. الذين صنعوا الإنتصار هؤلاء الفتيات الطاهرات المناضلات المقاتلات اللواتي حملن السلاح أو أدوات الإسعاف أو الإمدادات أو كن خير متحدثات عن معاناة الشعب الليبي وتصميم شعبه على الانتصار. الذي صنع هذا الانتصار هؤلاء الآلاف الذين تظاهروا في كافة العواصم صارخين للعالم بحناجر أقوى من لعلعة الرصاص "قولوا لمعمر وأولاده ليبـيا فيها رجاله" ونعم الرجال ونعم النساء. يستحقون عن جدارة أن يكونوا خلفاً لشيخ الشهداء عمر المختار.

شكرا للناتو ومع السلامة. مهمتكم في حماية المدنيين التي شرعنها مجلس الأمن أنجزت وكفى. لقد أيدنا تلك المهمة في حينها لأننا نعرف أنه لو تأخر إعتماد القرار الدولي 1973 لتحولت بنغازي ودرنة والبيضاء إلى مقابر جماعية، كما هدد الوالد وإبنه، ثم يتعامل المجتمع الدولي مع نتائج المجزرة بالإدانة والشجب كما فعل يوم سحب بعثة الأمم المتحدة من رواندا عام 1994 وترك أمر الشعب المسكين للماشيتات والبنادق والحرق والسحل والخنق ليقتل مليون رواندي في أقل من ستة أسابيع.

أتركوا الشعب الليبي يتدبر أموره، فالمهمة الآن تتمثل في الإنتقال السلمي لمرحلة ما بعد القذافي وأولاده وصولاً إلى بناء جمهورية ليبيا الحديثة القائمة على حكم المؤسسات وسيادة القانون وصيانة الكرامة الوطنية والمساواة التامة بين المواطنين في الحقوق والواجبات وبناء نظام قائمة على التعددية والإختيار الحر وتداول السلطة وإيجاد نظام للمساءلة وفصل السلطات وتحديد فترات الرئاسة والانطلاق نحو التنمية الرشيدة، ومد يد التعاون لأشقائه وأصدقائه وحلفائه.

لقد وقفنا مع ثورة الشعب الليبي منذ اليوم الأول وبشرنا في مقال بعنوان "سقوط انفرادي لملك ملوك أفريقيا وعميد الزعماء العرب وصانع أول جماهيرية وهم في التاريخ وصاحب النظرية الثالة والكتاب الأخضر".

وها نحن اليوم نحتفل مع الشعب الليبي في تحقيق هذا الإنتصار العظيم الذي سيترك أثره العارم في تأجيج الثورات العربية الأخرى ضد الطغاة الآخرين، وما أكثرهم، ويتيح للشعب الليبي أن يلعب دوره الصحيح في قضايا أمته وعلى رأسها قضية الشعب الفلسطيني التي تستقر في منازل قلب كل ليبي حر غيور على أمته.

فيا طغاة العرب، خذوا العبرة من ليبيا وشعبها. فليس أمامكم إلا أحد خيارين: فإما النزول أو الهروب المبكر عن العروش بشيء من كرامة أو الإسقاط المدوي الذي تصنعه الجماهير المناضلة التي لا تكل ولا تتراجع ولا تساوم ولا تخشى لا البلطجية ولا الشبيحة ولا رجال الأمن ولا الدبابات ولا الصورايخ، ولن توقف ثوراتها إلا بتحقيق الإنتصار.

فهل أحد من الطغاة، صغارهم وكبارهم، يريد أن يأخذ العبرة مجاناً من ثورة الشعب الليبي العظيم؟

عبد الحميد صيامأمريكا

أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في منطقة نيويورك

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك