سقط القذافي وخاب كل جبار عنيد

بقلم/
مصر : ۲۲-۸-۲۰۱۱ - ۷:۰۹ ص - نشر

هي بلا شك لحظات تاريخية، وما أكثرها في الأشهر الأخيرة من تاريخ الأمة العربية. هذه الأمة التي صمتت عقوداً وإندثر تاريخها حتى أنها كانت لا تذكر في أي محفل مهم ولا يعتد بها إلا إذا إستلزم أن تكون محطة سياسية أو شاهد زور أو موطئاً لقاعدة عسكرية.

الشعب الليبي اليوم يقف على ساقي رجل واحد، إحتفالاً بالنصر الكبير الذي أطاح بـ"عميد القادة العرب" و"ملك ملوك افريقيا" وفرعون كاد يقول أنا ربكم الأعلى.

الكلمات تتضاءل بجانب الدماء، والأحرف تتيه أمام مشهد الشباب والرجال والنساء وهم يخرجون إلى شوارع طرابلس فرحاً، بالكاد يصدقون أن ذاك الطاغية الذي سامهم سوء العذاب قد إنهار بنيان مملكته الفراغية التي أوهم بها أجيالاً وأخضعهم وأذل كبرياءهم وسفه أحلامهم وأعدم كل محاولاتهم ليكونوا مع باقي شعوب الأرض على قدم المساواة في الحقوق والحريات.

الشعب الليبي ببساطته المعهودة وتواضعه حطم كل نظريات السياسة بوحدته التي ما فتىء المحللون الغربيون يعزفون على وتر إنقساماتهم المتوقعة وقبليتهم التي ستكون سبباً في تقسيم البلاد والعباد. ولم يقف الشعب الليبي، الذي تعلم كيف يمسك السلاح رغماً عن أنفه، عند هذا الحد بل إنهم فاجأوا فرعون بلادهم، وحاشيته المنافقة، بقدرتهم على التخطيط والتنظيم وإدارة أنفسهم. وهو الذي كان يمسك بيديه كل خيوط البلد ضمانة لبقائه، وكما تردد حاشيته من فئة العبيد إنه لا حياة لهذا الشعب من دون هذا القائد الملهم.

لقد أحال القذافي طوال سني جبروته ليبيا وشعبها إلى أضحوكة أمام العالم. فمن دجل وسحر على قنواتها الفضائية إلى مطبلين ومصفقين بحياة القائد الأوحد، إلى دولة من دون قوانين أو ضوابط، لا يعرف لها رئيس ولا دستور، والأمن فيها كل همه إحصاء همسات الناس، بل حتى التجسس على أحلامهم. نفطهم منهوب، وحقهم مسلوب، وصاحب الحق فيهم مغلوب، والمنتقد مرعوب، ومن يرفع صوته بالحق يغيب خلف الشمس.

ليبيا قبل السابع عشر من فبراير لم تكن أكثر من خارطة ومساحة وخرقة خضراء ونصب عليها فرعون نفسها ملكاً بلا مملكة، وزعيماً من غير شعب.

الشعب الليبي اليوم أزاح الصنم، وكسر ثالوث "معمر وليبيا وبس"، هذا الثالوث المقزز الذي لا يشاركه فيه سوى خليفته بشار الأسد.

قبل سنوات عدة ساقتني قدماي إلى ليبيا في زيارة عائلية، لم أكن اسمع عنها إلا فيما يتصل بالاقارب والأهل ولم أعلم عن الشعب وطبيعته الكثير، وما أن وطئت قدماي أرض المطار حتى إستقبلني الأمن في غرفة خاصة، إحتفظوا بجواز سفري، ولم أعلم لماذا ولم اسمع منهم إلا "يوم تغادر تحصل الجواز"، لم أفهم المنطق لكن عرفت أني في دائرة خارج المنطق فلم أجادل وإن لمح موظف الأمن الإستغراب في عيني لكنه لم يعقب.

قال لي أقاربي هو ذاك، ولا تسأل. رغم أن الموقف في حد ذاته إستغرق وقتاً قصيراً، لكنه كان ذا دلالة. في اليوم التالي حين إنطلقت إلى المدينة رأيت أناساً بسطاء، ما إستغربته هو أن الغالبية من الناس على دين الفرعون، إذ يحدثك في حديث ما تختلط عليه الأفكار وتضيع الكلمات وكأن أحدهم حين يتحدث يتحسس إن كان أحد ما يتنصت على ما يقول.

رعب يقفز من بين الكلمات لم أره في بلد قط. رغم علمي الجيد بدور أمن الأنظمة العربية من دون إستثناء، وما تتركه من أثر على شعوبها، إلا أن ما رأيته لدى الشعب الليبي أذهلني وأحزنني أيما حزن.

ما أعرفه عن الشعب الليبي هو عمر المختار من تحدى هو وقلة من رجال ليبيا إحدى أعتى الديكتاتوريات في العالم في ذلك الوقت. أمعقول أن هؤلاء أحفاده؟ إختلطت علي الامور، خاصة وأن أحداً لا يرغب في الحديث عن اي شيء، فقط الأكل والسفر والسيارة والسوق. قلبت الصحف وسمعت القنوات، صدمت. كلها وكأنها طيور ببغاء إصطفت في صعيد واحد تردد نفس الكلمات ونفس العناوين وتتناول نفس المواضيع التي لا علاقة لها بأي شيء في حياة الليبين، بل ثلاثة أرباعها تتمحور حول القائد الفرعون الملهم، والربع الآخر يدور في حلقة مفرغة لا تخرج منها بجملة واحدة مفيدة.

غادرت ليبيا بعد فترة قصيرة وقد ملأني الحزن، رغم أن لدي هم أهلي في فلسطين المحتلة، لكني أحسست بذاك الهم يطغى علي من دون إرادتي. طفقت أتحدث عنهم في كل محفل لكني تذكرت أن لي اقارب هناك فخشيت عليهم فسكت. وكاد الصمت يقتلني فلم أعتد السكوت على باطل، لكني عرفت أن علي اصمت هذه المرة. فلو إقتصرت الأذية علي وحدي لما ضارني، لكن غباء ذلك النظام كان بلا حدود وخارج ضوابط المنطق، عرفت حينئذ لم كان هؤلاء القوم هناك يصمتون.

لكن بعدما سال الدم، وصرخت الحناجر في ثورة لم يحسب لها الفرعون حساباً، بل لم يتوقعها إطلاقاً، وجدت طريقي نحو القلم مجدداً. البداية بنغازي ثم الزاوية، ثم مصراتة، ثم الزنتان ثم جبل نفوسة بأكمله ثم.. وثم. كل ليبيا تحررت من سلطان الخوف واجه الكف المخرز، وواجه الصدر العاري الدبابة، في مشهد لم أكن أتخيله إطلاقاً من هؤلاء الصامتين المذعورين. ليبيا تبدلت وتغيرت وأزعم أن تاريخها المشرق أحيته دماء الالاف من أبناء امة عربية بدأت تتحسس طريقها نحو النور.

غداً سأعود إلى ليبيا وأقبل ترابها الزكي بدم الشهداء. وكما وعدت إخواناً لي في مصراتة أن أزور تلك المدينة التي حفرت في ذاكرتي بطولات لن أنساها ما حييت وأنا أتابع مع الثوار خطواتهم بيتاً بيتاً. حزنت لحزنهم وفرحت لفرحهم، ولم يلبث من بعدها أن أذهلني أهل جبل نفوسة بعراقة المقاتل الأصيل. بوركتم جميعا يا أهل ليبيا، بورك شهداؤكم، وبورك جرحاكم، وطبتم وطابت أرضكم وطاب مسعاكم نحو الحرية.

لا تسعفني الكلمات في فرحتي بإنتصار هذا الشعب الرائع الذي تابعت مسيرة تحرره يوماً بيوم بل ساعة بساعة منذ اليوم الأول. حتى أني أهملت متابعة ما يجري في وطني المحتل، فقد بدأ الوطن يتسع من غزة المحاصرة نحو تونس العروس إلى مصر العروبة إلى ليبيا المختار إلى اليمن السعيد ووصولاً إلى سوريا الأحرار.

هو ذاك وطني الذي سأبقى ما حييت أغني أغنية أمجاده وعزه. وطني يكبر يوماً بعد يوم وغدت فلسطين جزءاً منه، وغداً سنرى بأم أعيننا كيف سيتداعى هذا الوطن ليعيد أمجاد عزه.

هنئياً لنا ولإخواننا في ليبيا بإزاحة الفرعون، وآمنت بالواحد القهار الذي يزيل الطغاة بأمره، يوم أن تستحق الشعوب نصر الله بأن تغير ما في أنفسها. وبالأمس كانت تونس ومصر واليوم ليبيا ولن يحرمنا الله بإذنه أن نحتفل باليمن وسوريا، طال الزمان أم قصر… وخاب كل جبار عنيد.

خليل الأغا بريطانيا

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك