فـلـسـفـة إبـلـيـس

مصر : ٤-۸-۲۰۱۱ - ۲:۰۳ م - نشر

راجعنا حال أنفسنا أو الحصار الذى نحن فيه، وكان لا بد من معرفة السبب، هل نحن أم القدر أم المستعمر؟

في رأيي إننا كعرب دوماً نحمل القدر ما لا يحتمل، بل ونلصق فشلنا به بمنتهى السذاجة واللامبالاة، وبمنتهى السلبية نلصق الحل على ماليس بأيدينا. فمثلاً نحن نؤكد لأنفسنا أن سبب تقدم الدول الإستعمارية هو الديمقراطية وأن الديمقراطية في نظرنا هي الحل الأمثل "وخلاص". وبالطبع لا ننظر إلى سلبيات هذه الديمقراطية، من حيث الإرتفاع الفلكي في معدل الجرائم وإرتفاع معدلات الطلاق والتفكك الأسري، وتقنين الأوضاع الشاذة مروراً بأن أصحاب الديمقراطية ومنفذيها لا يوجد أى تشابه بيننا وبينهم في أى شيء ولا حتى في الشكل، ثم إن أوروبا ظلت عدة قرون بدون هذه الديمقراطية وكانت تعيش تحت سيطرة الملوك والكنيسة، في الوقت الذي كانت الكنيسة فيه تبيع لهم صكوك الغفران وقطع من الأرض في الجنة مقابل المال كانوا مستعمرين.

ونسينا جانباً مهماً هو أن دول مثل الصين وروسيا لا تمت إلى الديمقراطية بأية صلة، ومع ذلك لها كيان واضح وهوية ثابتة ويمارسون العولمة فؤ حدود، حتى وإن كان الحل فى الديمقراطية فليس بالضرورة أن نطبق الديمقراطية الأمريكية التي هي في نظري عبارة عن إرتكاب الموبقات تحت مظلة القانون. أليست الديمقراطية هي الحرية فيما لا يضر الاخرين؟ أي عقل يستوعب أن السكران لا يضر إلا نفسه؟ فبالله عليكم أين هى الديمقراطية والعدالة حينما يأخذ القاتل حكم مخفف لأنه كان تحت تأثير الخمر؟ أليس الصواب أن يكون الذنب ذنبين؟

أنا لست ضد الديمقراطية ولست معها، ولكن بإختصار المشكلة ليست ديمقراطية ولكنها في الهوية، فنحن بعد آلاف السنين مازلنا نبدأ بعمل إجتماعات ومحاضرات من أجل تعريف مصر مثلاً وهل هى علمانية أم إسلامية أم سلطانية، مشكلتنا في إحترام حقوق الإنسان والأهم من ذلك أن نملك الشجاعة من أجل الإعتراف بهويتنا والتوافق مع أصولنا والتوائم معها، فمثلاً نحن دوماً نعقد مقارنات بين الديمقراطية وبين حالنا، بإعتبار أن حالنا هو الإسلام وأن حاكمنا مسلم والخروج عليه أثم، فدوماً تنتصر الديمقراطية الأمريكية في المقارنة، ولكن للأسف الذي يفعله بنا حكامنا لم يكن يفعله رسولنا الكريم مع الأعداء أو الأسرى، ونتيجة المقارنة العادلة نجد أنه ليس بحكامنا مسلمين وأيضا ليس الحل في يد أمريكا.

وأعتقد أن الطريق إلى الحل لا بد وأن يأتي بمحاولة فهم العدو أولاً. العدو الذي إهتم بعلم النفس إلى أبعد الحدود وكرس له ميزانيات وجامعات من أجل أن يصل إلينا، ونحن ما زلنا نحلق فى سماء العيب والكفر. فالكلام عن الجنس او البحث عن علاجه عيب. واذا سألت أحد مثقفينا عن علاج للإكتئاب أو القلق سوف يجيبك بكل وجوم مصحوب بثقة بأن المريض عنده ضعف إيمان، فلماذا اذاً لا يكون مريض الصداع أو المغص عنده ضعف إيمان؟

 نبذة عن شريكنا الديمقراطي في الحرب على الإرهاب:

تبلغ مساحة الولايات المتحدة الأمريكية 9.83 مليون كيلومتر مربع وعدد سكانها 307 مليون نسمة. يحكمها دستور علماني بدأ بعبارة (نحن الشعب) ويلاحظ أن هذا الدستور لم يذكر كلمة دين أو رب.

وعلى كل هذة المساحة والتعداد يحكمها حزبين فقط (الديمقراطي والجمهوري). أما بالنسبة للجيش فتعتبر الولايات المتحدة أكبر قوة عسكرية في العالم، ولن أتكلم عن العتاد لأن أرقامه أحياناً كثيرة تصبح فلكية وغير منطقية، كما إنه لا يوجد إجماع على حجم وعتاد الجيش الأمريكي، ولكن بإختصار شديد الجيش الأمريكي يعمل فى 865 قاعدة عسكرية في أنحاء العالم. ولك أن تخيل حجم القوات اللازمة لشغل هذه القواعد بالإضافة إلى حماية أمريكا وحدودها والإنتشار فيها. كل ذلك مدعوم بأكبر شبكات تليفزيونية فى العالم وهى هيئة الإذاعة البريطانية BBC، هيئة الإذاعة الوطنية NBC، هيئة الإذاعة الكولومبية CBS، شبكة فوكس التلفزيونية، شبكة مدا التلفزيونية. ثم نأتي إلى أكبر مدينة لصناعة السينما في العالم وهي هوليود وأخيراً جوجل وفيسبوك ويوتيوب وكريجزلست وويكيديا وايباى… كل هذة الخواص المختصرة هى المحرك الرئيسى لشريكنا العزيز او بمعنى أدق "اركان الحرب".

إذن النية مبيتة للإستعمار ولكن ما هو نوع الإستعمار؟ إستعمار من أجل الإستعمار؟ أم إستعمار من أجل الحاجة؟ أم إستعمار كل ما هو متاح؟

في رأيي إن الإستعمار غريزة لهذا الشعب الذي ولد مستعمراً، ولكن هل سنلصق ما نحن فيه بغريزة الأمريكان؟

الأمريكان بعد الحرب العالمية الثانية بدأوا في تنفيذ السياسة المعروفة بملء الفراغ في الشرق، ولم لا فهي الدولة التي رجحت كفة الحرب العالمية، وبريطانيا صاحبة السيادة عندنا مرهقة للغالية إقتصادياً وسياسياً وعسكرياً بالإضافة إلى الثورات في الدول التي تستعمرها. وعلى الجانب الآخر مصانع السلاح الأمريكي إمتلأت بالأموال وكانت أمريكا عنصر الفوز الأول والدولة صاحبة أقل الخسائر في الحرب العالمية الثانية، وبالتالي خرجت من الحرب أقوى من قبل.

إن إستعمار الشريك العزيز لنا أقرب ما يكون إلى تغيير حق إنتفاع من بريطانيا إلى الولايات المتحدة، وإذا أخذنا مصر على سبيل المثال سنجد أن البريطانيون سلموها إلى الأمريكان مباشرة ودون فاصل ومع إحترامي الكامل لكل من يري أن الثورة الناصرية كانت مكسب لنا أو باقل فرض كانت معادية للأمريكان فأنا لا أرى ذلك. فالأمريكان واليهود في الفترة الناصرية فقط نالوا مكاسب لم ولن يجدوا من يعطيها لهم -بغض النظر عن نية او سلوك الحاكم- ففي الفترة الناصرية فقط خسرنا السودان والقدس الشريف وتألقت إنتهاكات حقوق الإنسان وكانت هذة الفترة هي السبب الرئيسي لما نحن فيه الآن. فقد كانت ثورة يوليو هي البوابة التي خرج منها الباشوات الأتراك ودخل منها باشوات المنوفية. ومازلنا نعتقد أنه عصر الكرامة، فبالله عليكم أي فلسفة يتبعها معنا هذا المستعمر لكي يستنزفنا هكذا ونحن نقول هل من مزيد.. ثم نعود لوقتنا الحاضر بنظرة سريعة لنرى ماذا فعلت هذة الفلسفة بأكبر دولة في الوطن العربي، فمصر قبل ثورة 52 كانت سلة غذاء العالم والآن أصبحت اكبر مستورد للقمح في العالم.

هل الأمريكان بهذة القوة الخارقة أم هي سياسة الصندوق الأسود التى تتبعها الإدارة الامريكية دوماً مع الضحايا. فالمعروف أن الأمريكان حينما يجدون فريسة ويقنعوها بأنها خير من يمثل شعبها، تبدأ مع هذه الفريسة لعبة الصندوق الأسود، ويظل يوماً بعد يوم يمتليء هذا الصندوق بالأسرار البعيدة عن الشعوب ويمتليء بالمعاهدات السرية والإتفاقات الشفوية حتى يجيء اليوم الذي ينفجر فيه هذا الصندوق في وجه الفريسة، وتعلم الضحية بعد فوات الآوان أن تحالفها لم يكن مع حكومة صديقة أو ناس (علمانيين معندهاش دين أو حتى عبدة الشيطان) ولكن كان التحالف مع الشيطان نفسه، ثم تبدأ رحلة البحث عن فريسة جديدة بأسرار جديدة ومعاهدات جديدة وصندوق أسود جديد.

الواضح أن هذة الفلسفة لا تعتمد على السيطرة على الحاكم فقط، مثلما كانت تفعل بريطانيا في السابق، ولكنها تسير في أكتر من خط متوازي وتلقي بكل شباكها في آن واحد، ففي الوقت الذي تجارى فيه الحاكم وتشعره بالرضا أو غض البصر عن إنتهاكات حقوق الإنسان لشعبه الذي دوماً يصب في مصلحتها بل ويخوض معاركها الإستخباراتية بالنيابة عنها. تجاري أيضا منظمات المجتمع المدني ولا تبخل عليها بالنصح والإرشاد والتمويل وتذهب أبعد من ذلك الى الشعب نفسه وتجارية في شهواتة من أول كنتاكي مروراً بأوبرا وينفرى وبيوتى بالاس ووصولا لمسلسل فريندز.

بذلك تكون هذة الفلسفة سيطرت على كل المجتمع العربي من المحيط إلى الخليج بكل ما تحتويه كلمة سيطرة من معنى، فهي صديقة الحكام وراعية منظمات المجتمع المدني ووسواس خناس للشعوب وتستمر دائرة الإستنزاف والإبتزاز على وتيرة هادئة مائلة للتصاعد، ونحن نغوص في الظلام، لا أتكلم عن الحكام فهم قلة مندسة ومصيرهم عاجلاً أو آجلاً الى إلظلام، ولكني أتكلم عن شعوب مزقتها خطط إستعمار، أتكلم عن حضارة عظيمة بدأت بنبي أمي لا يقرأ ولا يكتب إستطاع ان يحكم ثلث العالم في فترة لا تزيد عن عشرين عاماً، أتكلم عن لغة أصيلة عجز الزمان عن طمسها، أتكلم عن قرآن كريم لن يجود الزمان بمثله.

نعم نحن نعيش في ظلام السماوات المفتوحة، فهذه السماوات ليست من فتوحاتنا ولكنها تتنصت علينا، نعم نحن نعيش في ظلام التكنولوجيا، فنحن لم نخترع ولكننا اشترينا، نحن نعيش في ظلام العولمة، فعالمنا محتل و كل إسهاماتنا في العولمة لا تزيد عن مدرسة الشيخ أسامة بن لادن الذي "دوشنا" بمحاربة الإستعمار والمستعمرين ودمر شباب المسلمين ورماهم في المعتقلات دون ذنب، والطريف أنه في حربة طوال هذه السنوات مع العدو الصهيوني لم يطلق رصاصة واحدة على إسرائيل.

لقد إختلط الحابل بالنابل ولم نعد نعرف شيئاً بسبب هذة الفلسفة. هل حاربنا في 73 من أجل تحرير سيناء أم من أجل تحرير القدس أم من أجل بعض الصور في التايمز؟

الواضح حتى الآن أن سيناء مازالت ليست لنا، فاليهودي يتجول بها بحرية أكثر من المصري. هل كانت كامب ديفيد معاهدة سلام أم لعبة صندوق اسود مع الشيطان؟ وهل هو شيطان حقاً ام أنه يتبع نهج وفلسفة الشيطان؟

أنا لا أتكلم عن الماسونية وعلاقتها بالنظام العالمي ولا أتكلم عن اليهود وسيطرتهم على الكونجرس، أنا أحاول فهم مستعمر يسن قانون لإسئجار الأرحام ويغض النظر بكل بشاعة عن حق هذا الطفل في أسرة طبيعية، ما شعور هذا الطفل حينما يعلم انة جاء من رحم مؤجر بالدولار؟ هل سيكون إنسان سوي؟ أم سيرسلونه إلى العراق مثلما يرسلون المرضى النفسيين الآن؟ هل هذه هي الحرية التي يتغنون بها أم إنها بناء جيل إستعمارى معدل وراثياً ومدمر نفسياً؟

إننا حقاً بحاجة لأن نراجع أنفسنا وأن نعلم أن هويتنا، سواء رضينا ام أبينا، لن تتغير وسنعيش ونموت بها، يجب أن نختار شركاؤنا قبل أن يجيء الجيل القادم بنظرة إحتقار لا نقدر لها. لقد أصبحنا مدمنين لفلسفة إبليس، لقد اصبحنا نعشق جنته وهي في الحقيقة جهنم. إنهم يستهلكون أبناؤهم لسنوات ثم يلقوا بهم إلى دار المسنين، ولم لا فهو مواطن نشأ فى بيئة مياهها خمراً وعاش حياته يستمتع بالوسيلة وهى الجنس ويتجنب الغاية وهي الذرية الصالحة، فما تصوركم بكائن كهذا بعد سن السبعين؟ بالتأكيد سيكون مثل البطارية الفارغة، ولا يجد بالطبع من يساعده فمن حوله مازالو يدورون في نفس الحلقة المفرغة التي هو وحده يعرف نهايتها، ويعرف إنها لا تسمن ولاتغني من جوع. رحم الله عبد الوهاب المسيري فقد قال انهم يطلقون على مسنيهم في الخفاء (useless eaters) أي لا جدوى من إطعامهم، هذه أسماء مواطنيهم فما بالكم ماذا يطلقون علينا؟

يجب أن نخرج من ظلماتهم إلى النور الذي خلقه الله لكي نراه ولو من أجل الأجيال القادمة. إذا كنا طمسنا هويتنا بأيدينا أو ساعدنا من يطمسها، فعلى الأقل يجب أن نعرضها على الأجيال القادمة كما أنزلت لعل وعسى أن يأخذوا بها. يجب أن يعلموا أن جنة إبليس ناراً وناره جنة. يجب أن نحذرهم من النور الزائف الذي بداخلة ظلام. من حقهم علينا أن نعلمهم تجاربنا حتى وأن كانت فاشلة ليجتنبوها. يجب أن نوضح لهم الحقيقة التي نخفيها بأيدينا وهم عليهم الإختيار بين الظلام والنور.

أحمد إسماعيل كاتب مصري بقطر

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك