الديكتاتورية الناعمة تسقط أسرع

بقلم/
مصر : ۲٤-۷-۲۰۱۱ - ۹:۱۳ م - نشر

تبنت حركة شباب 6 أبريل نفس الشعار أو "لوجو" الذي تبنته حركة اوتبور (Otpor) الصربية وهو "لوجو" شهير لقبضة اليد المضمومة والمرفوعة لأعلى والذي يوحي بأكثر من معنى كالتضامن أو الإنتصار وهو شعار آثير وقديم أستخدم على نطاق واسع على مستوى الحركات النضالية والمنظمات الديمقراطية سواء في الشرق أو بالغرب. 

أوتبور بمعنى المقاومة حركة تأسست في عام 1998 بصربيا وتبنت مبدأ المقاومة السلمية ضد نظام الرئيس سلوبودان ميلوسفيتش الديكتاتوري الذي قاد ضدها حملة تشويه وإتهام بالعمالة للغرب والحصول على معونات مالية منه وألقى القبض على الكثير من أعضائها بما يصل لحوالي الألفين، ورغم ذلك إستمرت أوتبور في المقاومة وتمكنت في نهاية الأمر من إسقاط نظام ميلوسفيتش في عام 2000 بعد أن قادت حملة وثورة شعبية ضده شعارها الرئيسي كلمة إنتهى أو (كفاية) وهو للمصادفة نفس شعار الثورة البرتقالية بجورجيا.

رغماً عن النجاح الهائل الذي حققته حركة أوتبور وإنتشار "لوجو" قبضة اليد في أنحاء صربيا وطباعته على أعداد هائلة من التشيرتات إرتداها حتى رجال النظام السابق وأكثرهم مهاجمة لحركة أوتبور في ظل نظام ميلوسفيتش، إلا أن أوتبور فشلت في تحقيق النسبة المطلوبة في إنتخابات 2003 وقدرها 5% لدخول البرلمان بسبب أنهم كان لهم هدف واحد هو إسقاط النظام وقد نجحوا في تحقيقه ولكن لم يكن لهم سياسة أو منهج فى كيفية إدارة البلاد وتحقيق النمو والرخاء.

نهجت حركة أوتبور أسلوبها فى التغيير أو المقاومة السلمية نقلاً عن كتاب لبروفسيير بجامعة هارفارد الأمريكية (جين شارب) بعنوان "من الديكتاتورية للديمقراطية" (101صفحة) والذي كتب فيه أن أى نظام حكم مهما بلغت درجة إستبداده فإنه يمكن مقاومته وتغييره سلمياً وتصل أقصى درجات المقاومة بعدم طاعة القانون وتمرد المواطنين على نظام الحكم أو بمعنى آخر (العصيان المدني) مما يؤدى إلى سقوط النظام، ودلل على ذلك بما فعله المهاتما غاندي فى الهند لمقاومة الإستعمار البريطاني.

وطبقاً لمقال على موقع جلوبال ريسرش (Global Research) بتاريخ 3-3-2011 للكاتب إريك ولبرج وهو أحد الكتاب بصحيفة الأهرام ويكلي، فإن تكتيك جين شارب وآخرين لإسقاط الأنظمة الديكتاتورية الهرمة بالمقاومة السلمية يتم عبر إنهاكها إقتصاديا وإتباع أسلوب السخرية والإستهزاء في نقد سياساتها مع إغراء أصحاب الدخول المنخفضة وحشد أكبر عدد منهم للتعاطف مع حركات المقاومة الشبابية وتشجيعهم على التظاهر والإضراب بسبب وضعهم الإقتصادى السئ مع الحرص فى الوقت نفسه على عدم التصادم مع الجيش والشرطة ومحاولة كسب ودهم إن امكن إلى أن يأتي الوقت المناسب لتتحرك فيه الحشود بأعداد هائلة لتجبر النظام الديكتاتوري على الرحيل والتنحي.

إضافة لما كتبه إريك ولبرج وكتاب آخرون مثل رون نيكسون في نيويورك تايمز يتاريخ 14-4-2011 وتيم روس و آخرون في الديلي تلجراف بتاريخ 28-1-2011 فإن جماعة اوتبور تلقت أموال من منظمة (NED) أو الصندوق القومى لدعم الديمقراطية، وهي منظمة تأسست عام 1983 أيام رئاسة الرئيس ريجان ومدعومة بميزانية سنوية من الكونجرس الأمريكي فيما يشبه الوقف قدرها مائة (100) مليون دولار وكان عملها الأساسي في ذلك الوقت داخل دول أوروبا الشرقية والإتحاد السوفيتى السابق.

ولعل جزء أساسي من ثمار عمل (NED) داخل منظمات المجتمع المدني في تلك الدول تحت شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان من ضمن أسباب إنهيار الإتحاد السوفيتى وسقوط دول الكتلة الشرقية عام 1990.

بعد نجاح حركة اوتبور فى إزاحة نظام سلوبودان ميلوسفيتش إنتاب بعض من أعضائها شعور بالخيانة خصوصاً من ناحية تلقي الأموال من منظمة ( NED) وتوقفوا عن ممارسة العمل السياسي وذلك وفقاً لما جاء بمقال بمجلة فورين بوليسي للكاتبة تينا روزنبرج، ثم أنشئت الحركة فى عام 2003 منظمة بدعم مالي من منظمات أوروبية وأمريكية لتدريب النشطاء من مختلف دول العالم على اسلوب المقاومة السلمية للأنظمة الديكتاتورية وذلك تحت إسم Center for Applied Non-Violent Action Strategies وإختصار الإسم (CANVAS) وهو الإسم المعروف، ولعله من الصدفة أن إختصار الإسم يعطي باللغة الإنجليزية نفس المعنى والنطق لكلمة "كانفه" أو "كانفا" وهي عبارة عن قطعة القماش ذات النسيج الخفيف يتم ملء فراغاتها بخيوط الغزل (الملونة) لنحصل على لوحة جميلة مع ملء آخر فراغ بالنسيج، ولعلها من المصادفة أيضاً أنه بمنتصف الصفحة الرئيسية لموقع "الجزيرة نت" خريطة للعالم العربي تم وضعها أو رسمها على الصفحة مع بداية ربيع الثورات العربية والخريطة تشبه في ألوانها وتضاريسها لوحة نسيج الكانفا الفارغة مع تظليل البلاد التى قامت بها ثورات أو إحتجاجات ومظاهرات أو حدث بها تغيير بدرجة لون داكن كمصر وتونس وليبيا والعراق وسوريا واليمن والبحرين والأردن.

قامت حركة أوتبور بتدريب نشطاء من أكثر من (50) دولة مثل اليمن والبحرين ومصر وزيمبابوي وبورما وبلاروسيا وإيران، وقد ساهمت بفاعلية في الثورات الملونة بشرق أوربا كجورجيا وكردستان وأوكرانيا، ووفقاً لما كتب في المقالات المذكورة عاليه فإن الناشط من حركة 6 إبريل (محمد عادل) قد تدرب لمدة أسبوع لدى حركة أوتبور بالعاصمة بلجراد في عام 2009 وكان أهم ماتعلمه هو كيفية النزول بالتجمعات الشبابية والمعارضين من عالم الإنترنت والفيس بوك إلى العالم الواقعي بالشارع وقد نقل خبرته إلى نشطاء آخرين بالحركة وإلى نشطاء بحركة (كفاية)، أيضاً الناشط باسم أو هاشم فتحى تحدث عن أن التدريب الذي تلقاه فى الولايات المتحدة من منظمة فريدم هاوس قد ساعده أثناء الثورة، وإن كان هناك شكوى من النشطاء عن أن الإدارة الأمريكية تساعدهم وفى نفس الوقت تساعد الحكومة المصرية التى تنكل بهم وتحبسهم وتعذبهم. لم يخل النظام فى مصر من الشكوى أيضاً فقد وجه اللوم أكثر من مرة للإدارة الأمريكية على مساعدتها للنشطاء وطالب النظام ولم يستجب له بوقف هذه المساعدات فتكون نتيجة ذلك مزيد من الإعتقالات للنشطاء والتضييق عليهم.

تتحدث وثيقة للسفارة الأمريكية، تم نشرها في جريدة الديلي تلجراف، عن مراسلات للسفارة الأمريكية بمصر للعاصمة واشنطن حول مخطط لأحد قادة حركة 6 أبريل (إسمه غير مذكور وهناك حرص واضح بالوثيقة على عدم ذكر إسمه)، يحدد المخطط أو خريطة الطريق بأن عام 2011 سيكون عام التحول الديمقراطي فى مصر والإطاحة بالنظام السابق قبل إنتخابات الرئاسة، وتتحدث الوثيقة عن لقاءات هذا القيادي بأعضاء السفارة الأمريكية وسفرياته إلى العاصمة الأمريكية ولقاءاته مع أعضاء بالكونجرس وعرض مخططه عليهم وتشجيعهم له وإن تم وصف المخطط بأنه غير عملي أو غير واقعي لصعوبة تنفيذه.

أيضا تذكر الوثيقة أن قيادى حركة 6 أبريل قد عرض مخططه على أحزاب الوفد والتجمع والكرامة والناصري وحركة كفاية والإخوان المسلمين ومنظمات في المجتمع المدني وقد وافقوا ودعموا ما جاء به من إسقاط للنظام قبل إنتخابات الرئاسة في 2011 والتحول للنظام البرلماني بحيث يتم تقليص سلطات الرئيس وأعطاء سلطات أكثر لرئيس الوزراء والبرلمان، وقد وافقوا جميعاً على عدم كتابة المخطط لشدة حساسيته وتمنوا في الوقت نفسه بأن يتلقوا دعماً من الجيش والشرطة حين يأتي موعد التغيير والتنفيد، علقت السفارة الأمريكية على موافقة أحزاب المعارضة وحركة كفاية والإخوان المسلمين على هذا المخطط بأنها لاتملك معلومات حول هذه الجزئية، ولم تخفي وثيقة السفارة الأمريكية تعرض هذا القيادي من حركة 6 أبريل للإحتجاز وتفتيش حقائبه عند عودته من واشنطن.

قد حصد النظام السابق ما زرعه من فساد وقمع والسعي لتوريث الحكم بدلاً من بناء دولة قوية تكون فيها مصلحة الوطن والمواطن هو هدفها الأول والأخير، بل حدث العكس وتخلى النظام عن الأغلبية الساحقة لصالح أقلية طغى منها الكثير وعاث في الأرض فساداً، فتهيئت كل السبل للثورة وإحتاج الأمر فقط لمن يسرع بدفع عجلاتها للتحرك للأمام ومن يلقي بعود ثقاب فوق برميل بارود ملئه النظام السابق بنفسه بكل متفجرات الثورة.

الدول والقوى العظمى لاتنتظر ولا تريد أن تستيقظ ذات صباح وتجد أن أحد الأنظمة الداعمة لها قد تغير ولاتعلم ما هي كنية أو هوية النظام الجديد وهي تنظر لهذا الأمر كحق مشروع لها للحفاظ على مصالحها ولذلك تفتح قنوات حوار مع كل الأطراف والأطياف علناً أو سراً بالدول التي تخشى فيها على هذه المصالح، وهو ما تقوم به القوى الإقليمية أيضاً في منطقتنا وتسعى لمقاومة أي تغيير قد يؤثر على مصالحها. وقبل توجيه اللوم لمن تلقى مساعدات مالية وتقنية من الخارج يجب توجيه اللوم لمن أغلق كافة أبواب الأمل لنظام حكم ديمقراطي سليم ولم يصن كرامة الموطن وأهمل شئونه وأستئثر بالحكم لنفسه وأسرته.

سقطت الديكتاتورية الناعمة (المصطلح ليس من عندي) كما أنه مصطلح يطلقه البعض حتى على ديمقراطية الولايات المتحدة الأمريكية بسبب كثرة القيود والقوانين التى تحد من حرية وحركة المواطن وفقا لوجهة نظرهم، سقطت هذه الديكتاتورية في مصر وتونس بأسرع من الديكتاتوريات الأكثر إستبداداً في سوريا وليبيا واليمن بسبب أن قبضتها كانت أكثر غلظة على تحركات المجتمع المدني، وليس معنى هذا أنها لن تسقط أو تتغير لكنها ستأخذ وقتاً أطول، فكثرة الفساد فى مصر وتونس نخر كالسوس فى أعمدة الحكم وعجل بالسقوط، كما أن الشعوب لن ترضى بمن يسلب حريتها وكرامتها بعد أن إستنشقت عبيرهم أو شعرت بأنها على مقربة منهم.

وأظن أن المجلس العسكرى خلال الفترة الإنتقالية، التى يدير فيها شئون البلاد، سيكون أكثر وعياً وفطنة في التعامل مع منظمات المجتمع المدني من النظام السابق، وسيلجأ للإحتواء بدلاً من التخوين والمصارحة والمكاشفة بدلاً من التعتيم، مع الأخذ في الإعتبار بأن الدول الكبرى ليست جمعيات خيرية تقدم مساعدتها للمنظمات المدنية لوجه الله وحده، وأن هناك شركات وقنوات إخبارية عملاقة داعمة لحركات الشباب والحقوق المدنية كشركة بيبسى وقناة ناشيونال جيوجرافيك وقناة سى بى اس نيوز وقناة MTV ويوتيوب وجوجل وفيس بوك وقد ساهمت في تدريب النشطاء على إستخدام شبكات التواصل الإجتماعي.

هناك صور لاتخطئها العين ولعل صورة الرئيس السابق أحدهم، فبعد التنحي مباشرة كانت الصور التى تنشر له فى الصحف والمجلات تظهر سنه الحقيقي وبعض الصور تظهره بشكل غير مناسب ومنها الصحف القومية فيما يستحيل عليها فعله قبل التنحي بيوم واحد، وهو موقف أقل مايوصف به، سواء إختلفت أو إتفقت مع النظام السابق، بأنه غير كريم ولا يوجد به أدنى شجاعة. منذ عدة أسابيع إختفت هذه الصور من وسائل الأعلام وبدأت تنشر صور أكثر ملائمة من الصور التى كانت تنشر من قبل للرئيس السابق وربما كان للمجلس العسكري دور فى ذلك.

صورة أخرى لا تخطئها العين ولها أكثر من دلالة نشرت على موقع (الجزيرة نت) يوم 18-7-2011 تحت عنوان (جدل حول الإنتقالى وصالح مع الحوار) والصورة في الخبر لعدد (5) أعضاء من أعضاء اللجنة التحضيرية لمجلس شباب الثورة باليمن، يبدوا من طريقة وقفتهم فى الصورة انهم يقومون بترديد النشيد او السلام الوطني لليمن من ضمن الأعضاء الخمسة شابة محجبة وشاب كلا منهم يضع راحة يده اليمنى على موضع القلب وهى نفس طريقة المواطن فى الولايات المتحدة عند ترديده النشيد الوطني الأمريكي.

محمد النجار الولايات المتحدة الأمريكية

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك