عـذاب الـصـبـر

مصر : ۲۰-۷-۲۰۱۱ - ۱۱:۳٤ ص - نشر

لماذا يتهافت بعض الناس على المخدرات؟ ولماذا ينسى الإنسان نفسه أمام المرأة الجميلة؟ لماذا يعشق إمتلاك سلاح؟ لماذا يدمن السلطة ويعشق الثروة؟

أعتقد أن السبب ببساطة هو أن الإنسان منذ أن يجيء إلى الدنيا وحتى الممات له غاية وهدف غريزي واحد وهو الوصول إلى الإحساس بالرضا. كلما كان الإنسان راضي عن نفسه، مقترنا بالزمان والمكان، كلما إشتدت شهوتة لمزيد من الرضا. فأقصى درجات النشوة عند المدمن بطريقة أو بأخرى هي شراء إحساس سريع بالرضا سرعان ما يذوب ويختفي وبنفس السرعة، وتعتبر هذه الدائرة السريعة المكون الرئيس للإدمان.

والإحساس بالرضا مثلاً يعتبر قاسماً مشتركاً في حياة كل الناس، الوزير والغفير، فكلاهما يشعر بنسائم الرضا بنفس المقدار ويلهث في البحث عنها بدون كلل ولا هوادة. فالرضا ليس حكراً على طبقة أو دين، ولا يعتبر ميزة لأحد دون الآخر، ولكنه هدف للجميع، فالرضا طعام كلما أكلت منه إزددت جوعاً وأردت المزيد. البعض يفسر السعادة بأنها الطريق إلى الشعور بالرضا، والبعض الآخر يعتبرها أعلى درجات الرضا، ولكن في النهاية الوصول إلى حالة الرضا هي أمل الجميع.

تمسك المسلمين بالدين وصبرهم على البلاء في مواجهة هجوم الكيان الإستعماري على الإسلام والمسلمين، هذا التمسك بالدين ناتج عن التمسك بمنابع الرضا التي تتيحها العقيدة الإسلامية. ويعتبر هذا النوع من أهم أنواع الرضا، فهو رضا يراه كل البشر ولا يستطيع أي إنسان الإحساس به إلا من رحم ربي.

بالطبع يرى الكيان الإستعماري هذا الشعور الذي ينتاب المسلمين بالرضا والقناعة المفرطة، والإستسلام للقدر، ما هو إلا جهل وغباء وغوغائية مثلما أنا أرى ذلك فى زواج الشواذ وإستئجار الأرحام ومحاربة البكارة. الغربيون يعتبرون ذلك إختلاف ثقافات وأنا أعتبره تضاد ثقافات.. يستحيل تقريب وجهات النظر بينها، فببساطة نحن عكسهم في كل شيء، ويستحيل أن نصبح مثلهم، فنحن كشرق أوسط في نظرهم مجرد وقود لحياتهم. ثروات المسلمين تقريباً كلها تحت تصرفهم، حتى عملتهم الورقية التى لا تساوي سوى ثمن الورق المطبوعة عليها، تعتبر أملنا وأعظم حلمنا، ونحن من أوجدنا لها قيمة، فبعد أكبر مؤامرة نصب في التاريخ الإقتصادي، حينما قام الأمريكان برفع الغطاء النقدي عن الدولار، تولينا نحن المهمة وربطنا الدولار بكل بساطة بأسعار البترول وعائدات قناة السويس وحتى عملاتنا المحلية ربطناها بالدولار.

وإخترنا قدرنا بأيدينا، وأكثر من ذلك جعلنا الدولار إحتياطي نقدي لنا، ثم نأتي للمساحات الشاسعة من الأراضي العربية والإسلامية بجميع مواردها، التي هي تحت تصرف الغرب من أفغانستان للعراق وماخفي كان اعظم.

هل كل ذلك أشعر الغرب بالرضا؟ أم إنه زادهم جوعاً؟ وهل جوعهم ناتج عن حاجتهم إلى المزيد؟ أم إنه ناتج عن الاستسلام المفرط للضحية تحت بند القدر والصبر على البلاء؟ لقد وصلنا لمرحلة تساوى فيها المؤمن مع المدمن وكلاهما يشتري الرضا المزيف بطريقته؟ ولم لا؟ فالأمريكان الذين إنتهكو أعراض النساء في العراق هم الأمريكان أنفسهم الذين يستنجد بهم ضحايا القذافي ويسترحموهم إسترحام الآلهة من أجل الاعتراف بالمجلس الإنتقالي.

هذه أمريكا، دولة العدل والعدالة صاحبة المحاكم الأرستقراطية البراقة التي عجزت عن كبح جماح أكبر معدلات جريمة في العالم، وهي أيضا الدولة التى تملأ الخليج بقواعدها العسكرية، وفي نفس الوقت إستولت على كل احتياطي الخليج النقدي بحجة أنها هي ضحية الأزمة المالية. حتى مجرد الاعتراف بأن أصحاب المال المنهوب هم الضحايا رفضته وبكل صلف تطلب من الضحايا مزيد من المساعدة من أجل تجاوز هذه المحنة التي هي إفتعلتها.

هذه الدولة التي حاربت العراق ببترولنا وعبرت إليها من قناتنا وأغارت عليها من مطاراتنا، ومع ذلك مازلنا نطلب منها الرضا وإلى الآن لم ترضى بعد.. لا نظلم الحكام العرب فنحن سبقناهم. فاذا كان حكامنا ومازالو يتحفونا بالكليبات المنحطة و"إم بي سي" والأفلام والتمثيليات التي تمجد الحياة الأمريكية وتعظم الجيش الامريكي الذي ينتهك الأعراض يومياً، فنحن سبقناهم برضانا وصبرنا وطاعة أولي الأمر ونسينا (لا يغير الله ما بقوم..).

هل نحن غافلون أم إنها متلازمة استكهولم؟ هل "الكوندشن" و"الفيس بوك" و"الأي فون" أعطونا الإحساس بالرضا؟ أم إنه حقنة مخدر أعطاها الجاني للضحية من أجل إنتزاع حياته؟

أعتقد أن الحرب ليست حرب بترول، فالبترول إلى زوال وهم يعلمون ذلك جيداً وجاهزون بالبدائل. وأيضا ليست إسرائيل، فثلثي الحكام العرب لا يرضون عن جيرة إسرائيل بديلاً، ناهيكم عن أن مساحة إسرائيل بسكانها بجيشها بشرطتها، بنتنياهو وليفنى، مضروبين في "تلتاشر يادوب يخشو حرب ضد شبرا" وفي رأيي من المهين أن يعترف الوطن العربي بقوة أو تأثير دولة في حجم إسرائيل، فالوطن العربي بكل عتاده وإمكانياته وموارده إذا حارب إسرائيل حقاً، فالموقعة لن تأخذ منه أكثر من عدة ضغوط سياسية ولا تقولوا لي إن أمريكا تساند إسرائيل، فهذا كلام أولي الأمر لأن أمريكا دولة تتنازل عن أي شيء في أقرب فرصة لمجرد أنه ضعيف او غير ذو قيمة.

هل المشكلة أنهم يحاربون الإسلام. لا وألف لا، فالعلامة جورج بوش (مرغ الله وجهه وأذلة في الدارين) صاحب المبادىء السمحاء التي تبدأ بجهاد النفس وتنتهي بحرية المرأة، لم يجرؤ على البوح بفتاوى مثل إرضاع الكبير وبول الصحابة. إذن نحن تفوقنا عليهم في حربهم علينا. نحن شركاء معهم في حربهم علينا وللأسف نحن الشريك الأكثر فاعلية.

ولكن في ضوء مايحدث هل توجد نهاية لكل هذا؟ لابد من حل. وهل هذا الحل بأيدينا أم كما يتغنى خطباء الجمعة من المحيط إلى الخليج (اللهم عليك بهم)؟

بالتأكيد يوجد حل وبأيدينا أيضاً، ولكن لابد أولاً من وضع الأمور في نصابها، أو نحاول أن نتحلى بشيء من العدل الذي أمرنا به المولى سبحانه وتعالى. فنحن أولاً وأخيراً لسنا ضحايا عاديين، فالسمك مثلاً إذا رأى "السنارة" في الماء لا يعتبر ضحية لأنه يهرب أو يتجاهل أو يتحايل. أما نحن فنشتري "السنارة" من مالنا ونغرسها في ارضنا ونضعها بأيدينا في أعناقنا.

فبالأمس كنا أمة ضحكت من جهلها الأمم، ولكن مع مرور الوقت والتقدم العلمي ذهبت غمامة الجهل وأصبحنا أمة ضحكت من عجزها الأمم. لقد أصبحنا مطمع للصين والهند وممكن فى المستقبل القريب نصبح مطمعاً لفيتنام والفلبين. ولكن كما قلت حتى نكون عادلين في البحث عن حل يجب أن نحاول فهم طبيعة العلاقة بين الجاني والضحية.

لا بد أن نفهم طبيعة شريكنا في الحرب على الإرهاب. هذا الشريك الذي ولد من رحم إستعماري وفي مهده أباد شعباً بأكمله وإستولى على أرضه (حوالي خمسين مليوناً من الهنود الحمر). وفي صباه إستورد العبيد من أفريقيا حتى لا يعطي نظير ما يأخذ من جهد وعرق. وفي ريعان شبابه هم باليابان ثم روسيا. وفي رجولتة وحكمته هم بنا.

بإختصار هو شريك من أهم صفاتة إستنزاف ما لا يملك والإنتشار كالسرطان والعياذ بالله في الكوكب. فهذا الشريك منذ ولادته وهو يعلم جيداً أن إستمراره مبني على إستعباد الآخرين. وبالطبع نظام بهذة الصفات كان لا بد له من سياسة تدعمه وتقنن له جرائمه وغزواته، وبالممارسة تفوقت هذه السياسة بل وأصبحت أقرب ما تكون إلى فلسفة. فهي فلسفة ذات خلفية دينية وتوجهات دنيوية مدعمة بعقليات منفذة شيطانية. فلسفة أقرب إلى الخيال من الواقع. تداعب عقل الإنسان وتثير شهوته في البحث عن الرضا، مطعمة بسحر تحقيق المستحيل، تستدرج الضحايا كشبكة العنكبوت (Mission Impossible/DREAM LAND/HOLLYWOOD/PARADISE IN).

فلسفة تسمي الزنا حرية والخمور مياه والربا إستثمار والعقوق إستقلال. فلسفة أنا ومن بعدي الطوفان و"يا عايش في أمان يا عدوي طول الزمان". إحقاقاً للحق إذا كنا ضحايا مستسلمين، فربما ليس كل العيب فينا، فنحن بكل الاحوال ورغم كل شيء لم يصبنا البلاء ولكن أصابنا الدور لنكون ضحايا….. ضحايا لفلسفة إبليس.

أحمد إسماعيل كاتب مصري بقطر

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

تعليق واحد

  • Asma Elkott

    فربما ليس كل العيب فينا، فنحن بكل الاحوال ورغم كل شيء لم يصبنا البلاء ولكن أصابنا الدور لنكون ضحايا….. ضحايا لفلسفة إبليس.
    أصبت ياسيدي الفاضل …. نتمني المداومة علي نشاطك وأن نقرأ لك المزيد إن شاء الله

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك