الدولة الفلسطينية الجديدة والرؤية الصهيونية

بقلم/
مصر : ۲-۷-۲۰۱۱ - ۱۲:۲۸ م - نشر

"رغم أن جميع الصراعات لها العديد من الملامح العامة، إلا أن الصراع الفلطسيني الإسرائيلي له عدد من المظاهر الفريدة، أولها: أنه ليس فقط نزاع بين طرفين على الأرض لكنه في الوقت نفسه دولة تحتل أمة واحدة، علاوة على ذلك، فإن المشاكل التي تخلق هذا الصراع لها آثار تتجاوز المصالح المحددة لكلا الطرفين"… بهذا الكلمات بدأ جيورا إيلاند، الرئيس الأسبق لمجلس الامن القومي الاسرائيلي، دراسته بعنوان: RETHINKING TWO STATE SOLUTION "إعادة التفكير في حل الدولتين" والتي نشرها معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى.

الدراسة تتناول في مبحثين رئيسيين، تحديات الحل القائم على أساس دولتين ويضم التغيرات التي طرأت على عملية السلام في أوسلو، ومسألة الحدود واللاجئين وحقوق المياه والترتيبات الأمنية والمستوطنات ومستقبل القدس والعلاقة بين الدوليتن. فيما يركز المبحث الثاني على الحلول البديلة ويعرض وجهات النظر الأردنية والإقليمية.

الشيطان يتعدى التفاصيل:

ويلفت إيلاند، الذي يشغل حالياً منصب كبير الباحثين في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، إلى أن الكثيرين يعتقدون أن المعضلة بين الاسرائيليين والفلسطينيين هي السبب الرئيس في الإضطربات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، كما أنها تشكل تحدياً كبيراً للأطراف الدولية، لذا نجد الاهتمام الدولي بحلها، مضيفاً أن جميع الأطراف المعنية بالصراع بين الجانبين، فضلاً عن غيرها من البلدان مثل الصين وجنوب أفريقيا تؤيد الحل القائم على أساس دولتين تعيشان جنباً إلى جنب فنجد هذه الأيام محاولة جادة للتوصل إلى اتفاق الوضع النهائي بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية، ويلتقي زعيما الجانبين ووزراء جارجيتهم باستمرار، وهي اللقاءات التي لم تعقد منذ انهيار محادثات السلام في يناير 2001.

ويتساءل ايلاند: "إذا ما كانت هناك حاجة ماسة لتسوية النزاع الاسرائيلي الفلسطيني، وإذا كان الحل معروف ومقبول، فماهي أسباب عدم تنفيذه؟"

ويجيب الخبير الصهيوني بقوله: هنا يكمن التناقض، ففي الوقت الحاضر يبدو أن اسرائيل والفلسطينيين لا يرغبون في تنفيذ حل الدوليتن، وأن العالم العربي خاصة الأردن ومصر لا يدعمون هذا الخيار، ويرون أن احتمالات النجاح ضئيلة للغاية، لذا فإنهم غير مستعدين للتضحية بالدخول في مخاطر سياسية شاقة، ونتجية لذلك فإنه من الصعوبة بمكان التوصل إلى اتفاق الوضع النهائي، لذا فإنه خلافاً لغيره من الصراعات التي يكمن فيها الشيطان في التفاصيل، في هذا الصراع يتعدى الشيطان حدود التفاصيل ليكمن أيضاً في القواعد والمبادئ العامة لأي اتفاق بين الطرفين.

ملفات مستحيلة الحل:

إن تفسير هذا التناقض يتمثل ببساطة في أن الظروف والأوضاع الموجودة بين عامي 2000 و2001 كانت أكثر ملاءمة عن الظروف الراهنة التي تعيشها المنطقة والعالم، لذا فإن فرص التوصل الى اتفاق نهائي نهاية هذا العام تبدو ضئيلة للغاية.

كما أن تحليل القضايا الأساسية الكامنة وراء الصراع، تؤدي بنا إلى أربعة معضلات رئيسية تبدو إحتمالات التوصل لاتفاق بشأنها شبه مستحيلة، هي:

* الحدود والأمن: والتي أصبحت من الملفات الأكثر صعوبة بسبب دخول الأسلحة الجديدة لساحة الصراع بين الجانبين، مثل الصواريخ المتطورة المضادة للدبابات والصواريخ المضادة للطائرات. فقد أصبح المفهوم التقليدي القائل بدولة فلسطينية منزوعة السلاح غير كافي لأمن إسرائيل، لأن تلك الأسلحة تستطيع بسهولة إختراق أية أجهزة للرصد والمراقبة.

* اللاجئين: "حق العودة" هو العائق الرئيسي لتسوية الصراع، خاصة في ظل التمسك الفلسطيني بعودة كل اللاجئين في الشتات إلى ديارهم، في حين يمثل ذلك أحد الشروط المرفوضة من جانب إسرائيل.

* المستوطنات: لا الفلسطينيين ولا معظم الإسرائيليين يعتقدون أن إسرائيل ستكون قادرة على تفكيك الجزء الأكبر من المستوطنات الكبيرة ونقل 100 ألف إسرائيلي يعيشون فيها. ويؤكد ايلاند على أن "الكعكة" المراد تقسيمها صغيرة للغاية، وكلا الطرفين يرفض التنازل عن المناطق الحيوية. فعلى سبيل المثال إذا وافق الفلسطينيون في المفاوضات السابقة على التخلي عن 15% من الضفة الغربية (اقتراح إيهود باراك في محادثات يوليو 2000)، لحلت قضية المستوطنات بسهولة ويسر.

* القدس: فإلى جانب الخلاف الرئيسي الموجود بالفعل في عام 2000 بشأن مستقبل المدينة، ثمة صعوبات جديدة تعرقل أي اتفاق محتمل، أبرزها أن معظم الإسرائيلين لا يعتقدون أن الفلسطينيين قادرين على منع حركة حماس من الاستيلاء على الضفة الغربية، مثلما هو الوضع حالياً في قطاع غزة، وعلى الرغم من أن تل أبيب تستطيع تحمل مخاطر حماس بسيطرتها على جنين أو الخليل، إلا أنها لن تسمح بأن تسيطر الحركة على منطقة تقع على بعد مئات الأمتار من بعض الأماكن المقدسة والمؤسسات الحكومية الإسرائيلية.

بدائل أخرى:

لذلك فإنه من المؤكد حاليا أن الحل القائم على أساس دولتين لن يجد طريقه للتنفيذ، لذلك فقد حان الوقت لإستكشاف بدائل أخرى، وهي:

1- الخيار الأردني: ويقضي هذا الاقتراح بأنه بدلاً من إقامة دولة عربية أخرى، تعود أجزاء كبيرة من الضفة الغربية إلى سيطرة الأردن، ورغم أن هذا المقترح رفضه الجميع بشده في السابق خاصة الأردنيون أنفسهم، لكن اليوم تغير الحال، فقد أصبح معظم الأردنيين والفلسطينيين والاسرائيليين يعتقدون أنه الحل الصائب، ويعلل هذا التغيير الخوف من تنامي قوة حركة حماس.

ولاشك أن إسرائيل تستطيع كبح جماح الحركة فقط ما دامت تحتل الضفة الغربية. ويخشى كثيرون من أنه في حال قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية ستستولي عليها حماس، مثل هذا السيناريو سيكون ذو آثار وخيمة على المملكة الأردنية.

وما من شك في أن فكرة السعي إلى حلول بديلة ليست صائبة بعد من وجهة النظر السياسية، لذا فإنه لا يوجد دعم أردني وفلسطيني لهذه البدائل، ومع ذلك، فإن الدعم الضمني لهذه الفكرة قد تم التعبير عنه في محادثات خاصة بين الأطراف المعنية بالصراع.

2- الحل الإقليمي: لأن اسرائيل والفلسطينيين مضطرين إلى تقاسم أراضي صغيرة جدا بالنسبة لكل منهم، لايمكن لأي طرف تقديم تنازلات جوهرية، وهو ما خلق "مباراة صفرية" لا طائل منها وستؤدي حتماً إلى طريق مسدود .

ويشير الخبير الصهيوني إلى أن المساهمة المفيدة التي يمكن أن تقدمها الدول العربية للفلسطينيين والإسرائيلين هي مزيد من الأراضي، لاسيما أن الحل الإقليمي يرتكز على قاعدة أن الاتفاقيات متعددة الأطراف يمكن أن تنتج مكاسب صافية لجميع الأطراف ذات الصلة، فعلى سبيل المثال: المقترح الخاص بتوسيع قطاع غزة ثلاث مرات سيكون هو السبيل الوحيد لتقديم مساعدات حقيقية للفقراء في القطاع، وهو الوسيلة الوحيدة لإبعاد الرأي العام بعيداً عن حماس.

نموذج جديد:

بالرغم من أن أطروحة قيام دولة فلسطينية مقبولة لجميع الأطراف، إلا أن خلق "دولتين لشعبين" بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن لن يكون مفيداً لأي من الجانبين.

فخلال السنوات الثماني الماضية وتحت عنوان "عملية السلام"، لم تبذل الأطراف المعنية أية جهود حقيقية لتيسير التوصل إلى اتفاق. لذا فإنه من الضروري ضخ أفكار جديدة لجعل فكرة قيام دولتين أكثر جاذبية وقابلة للحياة. ويبدو أن الدول العربية المعتدلة مثل مصر والأردن والمملكة العربية السعودية أكثر استعدادا من أي وقت مضى في المشاركة بفاعلية في عملية السلام .

ويوضح ايلاند أن من شروط نجاح أي اتفاق إقليمي أن تقوم الأطراف المعنية بالتالي:

* مصر: ستقوم بتحويل المنطقة الجنوبية في قطاع غزة على طول ساحل البحر المتوسط لسيادة الدولة الفلسطينية الجديدة. وهي المنطقة التي تبلغ نحو 600 كيلومتر مربع، تمتد على مسافة 30 كيلومترا إلى الجنوب وتبعد 20 كلم عن الساحل. وهذه المساحة تعد كبيرة نسبياً بما يكفي لإنشاء ميناء بحري حديث، وتستوعب مليون نسمة، ومطار كبير في الجزء الجنوبي الغربي، وبذلك تعادل نحو 13% من الضفة الغربية.

* الأردن: ستقوم بنقل المنطقة القريبة من نهر الأردن (تعادل 5% من الضفة الغربية) إلى سيادة الدولة الفلسطينية الجديدة. وستعطى الأولوية للمنطقة التي تكتظ بالسكان الفلسطينيين.

* إسرائيل: ستضم نحو 13% من الضفة الغربية لسيادتها الإقليمية. بالإضافة إلى أنها ستنقل المنطقة الواقعة في جنوب صحراء النقب، على طول حدود سيناء الى السيادة المصرية. ومساحة تلك المنطقة ستحددها المفاوضات متعددة الأطراف.

كما ستسمح إسرائيل بحفر نفق في أراضيها (الى الشمال من إيلات) ويخصع للسيادة المصرية الكاملة، كي يربط الأردن ومصر، مع إعطاء الأخيرة مساحة من الأراضي للوصول إلى دول الخليج.

وعلى الجانب المصري سيتم ربط النفق مع شبكة من الطرق والسكك الحديدية، وأنابيب النفط والغاز. وسيتم ربط ذلك في نهاية المطاف بالميناء والمطار والمدينة الجديدة الواقعة على ساحل البحر المتوسط، في إطار "توسيع قطاع غزة".

كما ستسمح إسرائيل بتعديل بنود اتفاقية السلام مع مصر، والتي تمكن القاهرة من ممارسة سيادة أكثر في شبه جزيرة سيناء. أضف إلى ذلك أن إسرائيل لن تتنازل عن مطلبها الخاص بتفكيك المنظمات الارهابية وحل المشكلات الأمنية .

وأخيرا يؤكد المسؤول الإسرائيلي السابق على ضرورة أن تتذكر كافة الأطراف أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ليس ذو تأثير كبير على مشكلات منطقة الشرق الأوسط الأخرى، والعكس صحيح، كما أنه لا يؤثر بصورة كبيرة على النزاعات الأخرى في المنطقة، فعلى سبيل المثال، لا يوجد أي أساس لحجة أن السلام بين سوريا واسرائيل سينعكس إيجابياً على الصراع بين الجانبين، ولا أن التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية سيساعد على تحسن الوضع في العراق.

وبالمثل، فإن مشكلات معظم البلدان الأخرى في الشرق الأوسط، بما في ذلك القضايا مع إيران، والاستقرار في الخليج، والمشاكل في مصر، ونجاح حزب الله في لبنان، والإبادة الجماعية في السودان، ليس لها علاقة بالمعضلة الإسرائيلية الفلسطينية. ومع ذلك، فإن الصراع لا يزال مصدر رئيسي للاضطرابات في المنطقة، لذا فإن الحاجة لحل حاسم أضحت ضرورية، ليس فقط من أجل مصلحة الطرفين، ولكن أيضا لدحض فكرة أنه سبب التوترات القائمة في المنطقة، والتي تحوز على اهتمام أكبر من القضية نفسها.

أحمد حسين الشيمي مصر

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك