الثورة اليمنية.. قد قارب ليلك بالبلج

بقلم/
مصر : ۲۹-٦-۲۰۱۱ - ۸:۵۳ ص - نشر

الجديد لم يكتمل بعد والقديم لم يندثر تماماً، هذا حال الثورة اليمنية العظيمة الآن. لكننا نؤكد منذ البداية أن الميلاد رغم عسره سيتم بهدوء وسيخرج عنه نموذج رائع للدولة المدنية الراقية التي ستستفيد من تجربة ارتهان البلاد لطاغية جاهل شبه أميّ لأكثر من 33 سنة. دولة عصرية تقام على أساس متين من سيادة القانون وتداول السلطة والتعددية السياسية والشفافية ونظام مساءلة سليم وحماية لحقوق الإنسان وانطلاق عقلاني نحو التنمية والتطور والاستقرار لتلعب دوراً إيجابياً في قضايا المنطقة وعلى مستوى عالمنا العربي الكبير.

أود أن أؤكد أنني من أشد المعجبين بالثورة اليمنية وأعتبرها ثورة خلاقة مبدعة حضارية شجاعة وربما تكون الأرقى والأعظم من بين الثورات العربية المعاصرة لأسباب ثلاثة:

أولا: إن الشعب اليمني شعب مسلح ولا تكاد تجد رجلا واحدا دون حيازة سلاح فردي أو القدرة على حيازته أنّى ومتى شاء، بعكس الشعبين التونسي والمصري. فالتزام الثورة السلمية بهذا الزخم المنقطع النظير في كافة أرجاء اليمن دون الانجرار وراء استفزازات علي عبد الله صالح المتكررة لجر الشعب اليمني لاستخدام السلاح إلا أن الشعب اليمني العظيم ظل متمسكا بثورته السلمية وبشكل أسطوري رغم ارتفاع عدد الضحايا الذين اغتالهم بلطجية النظام المتهاوي؛

ثانيا: إن التركيبة القبلية في اليمن ما زالت موجودة بعكس شقيقتيها تونس ومصر. فقد ظل الشاويش صالح يلوح بالورقة القبلية لتخويف الجماهير اليمنية وصدهم عن المشاركة في الثورة إلا أن الشعب اليمني بفطنته المعهودة وذكائه الفطري لم ينجر إلى لعبة صالح وعلى العكس انضمت معظم القبائل اليمينة بمن فيها قبيلة صالح بمجملها إلى ثورة الشباب اليمني. لقد حاول صالح أن يلوح بالورقة القبلية والحرب الأهلية إلا أنه فشل بفضل وعي شباب الثورة الأشاوس الذين رفضوا الانجرار إلى المربع الذي يريد صالح أن يحشرهم فيه ليقضي عليهم تحت حجة إخماد الفتنة القبلية وشبح الحرب الأهلية.

ثالثا: إن نسبة الفقر والأمية أعلى في اليمن منها في تونس ومصر. فاليمن يعتبر من الدول العشرين الأقل نموا في العالم، بفضل سياسة صالح غير الصالحة في تبديد موارد اليمن الشحيحة في صراعات داخلية في الجنوب والشمال ونشر ثقافة الفساد ومحاباة الأقارب وتحويل البلاد إلى عزبة شخصية له ولأولاده وأصهاره. إن عدد مستخدمي الإنترنت في اليمن لا يزيد عن المليون إنسان أي بنسبة لا تصل إلى 4% من مجموع السكان وهي نسبة ضئيلة مقارنة بتونس ومصر. فالاتصالات بين الشباب اليميني ظلت محصورة في فئة من طلاب جامعة صنعاء والجامعات الأخرى والمثقفين وقلة من ميسوري الحال. فوسائل التواصل الاجتماعي الحديثة لم تكن هي الأسلوب الأمثل في انطلاق ثوة اليمن وتصاعدها عموديا وأفقيا وظلت نسبة مستخدمي الإنترنت غير أساسية لتحريك جماهير الشعب اليمني كما هو الحال في ثورتي الشقيقتين، لكن العنصر الإنساني لعب دورا خلاقا في الاتصالات وحشد الجماهير بشكل غير مسبوق في أي مكان.

الانتصار الحتمي آت

لهذه الأسباب الثلاثة وغيرها تعتبر الثورة اليمنية من أعظم الثورات المعاصرة فقد استطاعت أن تتجاوز مجموعة من العقبات وحقول الألغام التي أقيمت في طريقها وخاصة الدور المشبوه والمشين الذي لعبته بعض دول مجلس التعاون وخاصة السعودية لضخ الدم في جثة النظام التي كانت على وشك الزهوق، بهدف تيئيس الجماهير العربية من الثورات من جهة ومن جهة أخرى تطويق واجتثاث الانتفاضات الشعبية التي بدأت تنفجر في دول الخليج نفسها كالبحرين وعمان. كما أن الموقف الأمريكي المتذبذب ومحاولة إمساك العصا من النصف صب في المحصلة في صالح نظام صالح المتهالك تحت حجة إمكانية قيام تنظيم القاعدة باستغلال الأمور وتحسين مواقعه في البلاد وهي حجة واهية من اختراع خيال نظام مريض.

رغم هذه العقبات وبقاء مجموعة صالح متمسكة ببعض السلطة وافتراق المواقف بين شباب الثورة وأحزاب المعارضة إلا أن حسم الأمور لصالح الثورة أمر لا بد حتمي والمسألة مسألة وقت فقط، فاشتداد الأزمة يبشر بالفرج القريب وحلكة الليل يتبعها انبلاج الفجر. ولنا أسبابنا في هذه الثقة العالية في الثورة الجماهيرية السلمية العظيمة في اليمن الحبيب:

– إن نسبة المشاركة الشعبية في الثورة اليمنية فاقت كافة نسب المشاركات الشعبية في االثورات الحديثة. فنسبة المشاركة في الثورة الفرنسية لم تتجاوز 1% والثورة البلشفية 7% والإيرانية 10% ومصر 22% أما اليمن فوصلت إلى 30%، وهي أعلى نسبة في التاريخ المعاصر. فعندما يخرج مليونا متظاهر في القاهرة ويخرج في صنعاء مليون فنسبة المتظاهرين في صنعاء تعادل ثلاثة أضعاف نسبة من خرجوا في القاهرة لأن سكان القاهرة يصلون إلى 18 مليونا بينما سكان صنعاء 3 ملايين.

– تنطلق المظاهرات بشكل متواصل في 17 محافظة على الأقل من بين محافظات اليمن وعددها 21. بل إن الزخم في تعز أو عدن أو إب أو الحديدة قد يعادل أو يزيد قليلا عن حجم مظاهرات العاصمة واعتصاماتها. لقد ضرب اليمنيون الرقم القياسي في ما يمكن أن نسميه "ظاهرة الاستمرارية" Sustainability Phenomenon ليس فقط أيام الجمعة بل وأيام الثلاثاء والأحد والخميس. وفي كل مرة يدعو شباب الثورة للتظاهر تخرج المحافظات السبعة عشر كلها وبزخم أشد من سوابقه. كما أن الإضرابات كانت شاملة لا تكاد تعثر على محل تجاري واحد يفتح أبوابه يوم الإضراب. إن الروح المعنوية العالية والانضباطية والإبداع والشجاعة المطلقة ظلت الطابع المميز لثورة اليمنية رغم خطر القتل والتعذيب والخطف من قبل زلم النظام.

– لعبت وما زالت تلعب المرأة اليمينة في الثورة دورا فاعلا وأساسيا وقياديا مما يعكس قناعة لدى كافة فئات الشعب اليمني، المحافظ أصلا، بضرورة تخطي بعض الموروثات الثقافية والدفع باتجاه زج كل الفئات الشعبية في الثورة من أجل حسم الأمور بسرعة وبأقل خسائر من أجل الانطلاق إلى بناء يمن جديد وسعيد. حاول صالح أن يلعب ورقة التقاليد المتعلقة بالمرأة عندما لعب دور "الملالي والوعاظ" داعيا نساء اليمن في الخامس عشر من نيسان (أبريل) إلى تجنب الاختلاط، لكن رد النساء كان بليغا وشاملا ومفحما مما أسقط من يد صالح ورقة ضغط ظن أنها ستساعده في إبعاد العنصر النسائي الفاعل في هذه الثورة والذي عزز من مصداقيتها وسلميتها وحضاريتها. إن دور المرأة في ثورة اليمن يستحق الإطراء فعلا لأن الفروق الثقافية والعادات والتقاليد والأعراف في اليمن فيما يتعلق بالمرأة يختلف عن نظيرتيها في تونس ومصر. فكسر الحاجز الجنساني في ثورة اليمن، في رأينا، منجز عظيم سيعيد تركيبة العلاقات الاجتماعية في يمن المستقبل بما يضمن مزيدا من الحقوق لصالح المرأة.

– بدأ حلفاء الأمس التخلي عن علي عبد الله صالح الواحد بعد الآخر. وقد قام أصدقاؤه الأمركيون والسعوديون بترتيب ترحيله إلى السعودية تحت غطاء العلاج للجروح البليغة التي أصابته بعد محاولة إغتيال قام بها أفراد مقربون من عائلة صالح نفسها في مسجد القصر الرئاسي. لقد خرج صالح من اليمن يوم السبت الرابع من شهر حزيران (يونيو) الحالي ومعه 31 من أقرب المقربين إليه وكأنها رحلته الأخيرة خارج اليمن رغم تأكيده مرارا بأن عودته قريبة. لكن بقاء ابنه أحمد وثلة من الأقارب وأولاد الإخوة والأصهار في مراكز القوة في اليمن تشير إلى أن المعركة لم تختتم فصلها الأخير بعد لكن أنصار صالح بدونه بالتأكيد أضعف وأن مسألة سقوطهم النهائي مسألة وقت فقط.

– وأخيرا استطاعت هذه الثورة العظيمة أن توحد كافة فئات الشعب اليمني حيث كانت الفرقة والانقسام والتشتت هي السمات التي ميزت الأوضاع الداخلية في اليمن منذ مسرحية إعادة انتخاب علي عبد الله صالح عام 2006. فقد شهدت البلاد ثلاثة صراعات ساخنة أولها ما أطلق عليه الحراك الجنوبي وثانيهما تمرد الحوثيين في صعدة وثالثها الحرب غير المعلنة التي تشنها الولايات المتحدة ضد عناصر القاعدة بموافقة علي عبد الله صالح. تقول جريدة النيويرك تايمز في عدد 17 حزيران (يوينو) "لقد استطاعت الاعتصامات في مدن اليمن الرئيسية أن تقرب فئات الشعب اليمني بطريقة مميزة وجديدة، حيث بدأت تتهاوى كافة الحواجز التي كانت تفرق بين فئات الشعب والقائمة على الدين والعشيرة والجنس". ويضيف المقال أن بعض القبائل تناست منافستها وثأرها مع القبائل الأخرى وانضمت للاعتصامات تشارك في المأكل والمنام والرقص". إن كان من حسنة واحدة لهؤلاء الطغاة تحسب لهم فإنهم استطاعوا أن يوحدوا كافة فئات الشعب ضدهم وأن يلتفوا خلف قيادات الثورة الشابة مبتعدين عن أسباب الفرقة والتمزق وإيجاد القاسم المشترك الذي يجمع عليه الجميع والذي صيغ بطريقة خلاقة: الشعب يريد إسقاط النظام.

تلك هي الصورة في اليمن وليبيا وسوريا والحبل على الجرار. وعندما يكتب تاريخ الثورات العربية التي انطلقت من سيدي بو زيد في تونس لتشمل كافة عواصم الطغاة العرب سيخصص فصل عظيم حروفه من نور ونوار عن أعظم الثورات المعاصرة لشعب اليمن العريق الذي انتفض لكرامته ووحدته وحريته وانتزعها من براثن الطاغية الذي سام شعب اليمن العظيم كل أنواع الخسف والسوء والقهر والظلم لمدة 33 عاما.

عبد الحميد صيامأمريكا

أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في منطقة نيويورك

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك