أول فتنة طائفية شاهدتها

بقلم/
مصر : ۱۳-٦-۲۰۱۱ - ۱:۰۰ م - نشر

تغييب الحقائق والحلول التقليدية لم تعد تجدي لحل مشاكلنا المستعصية لأننا عانينا كثيراً من تهميش تلك القضايا الشائكة وحلها بطرق شكلية فقط تخمد النار ولكنها تترك الرماد الذي يشتعل مع أول هبة ريح تمر عليه.

فالمشكلة الطائفية التي تعاني منها مصر فى الفترة الأخيرة ليست وليدة اليوم، بل هي ميراث لعادات خاطئة ولأفكار تربينا عليها منذ الصغر كمسلمين وأقباط، وهذه الأفكار تتلخص فى أن من لايدين بديننا فهو عدو لنا.

وكنا ونحن صغار نلعب مع أطفال الدين الآخر دون أن يكون فى صدورنا شيئاً نحوهم، ولا نشعر بأى تفرقة بيننا وبينهم، وبعد أن كبرنا قليلاً ودخلنا المدرسة كنا نجلس بجوار بعضنا البعض ولا يشعر الطفل المسلم بإختلاف عندما ينادى المدرس على طفل إسمه جورج أو مينا، وكذلك لا يشعر الطفل المسيحى بأن إسم محمد أو مصطفى هى أسماء مكروهة بالنسبة له ولا يحب سماعها، بالعكس كنا نتعامل بفطرتنا البريئة دون أن تتلوث بأى تميز عنصرى أو أفكار مشوهة.

ولكننا شعرنا لأول مرة بالتفرقة عندما أتت علينا أول حصة دين ونحن فى المدرسة، لنفاجىء بمدرس يدخل علينا وينادى على أسماء جورج ومينا ومايكل وكاترين ليخرجوا من الفصل وينفصلوا عنا فى هذه الحصة، ثم دخل علينا مدرس آخر يعلن أن هذه حصة دين وعلينا إخراج كتاب الدين، وعندما سأل أحدنا المدرس ببراءة الأطفال لماذا خرج زملائنا من الفصل ولم يأخذوا معنا هذه الحصة؟ رد المدرس بغضاضة وقال: إنهم نصارى.

لم نفهم جميعنا معنى الكلمة لأننا كنا صغار ثم إنخرطنا فى حصة الدين وتعلمنا قراءة بعض الآيات البسيطة من القرآن الكريم وكنا نردد خلف مدرسنا، ولكنى أنشغلت بما حدث وظللت أسأل نفسى مامعنى كلمة (نصارى) وعندما عاد زملائنا جورج ومينا ومايكل وكاترين للفصل بعد حصة الدين وجدناهم متغيرين نحونا ولا يبتسمون كعادتهم معنا، وبدءوا فى لم حقائبهم وكراريسهم وأقلامهم والجلوس بجوار بعضهم البعض، وبدوا وكأنهم منعزلين عنا.

وعدتُ إلى البيت بعد إنتهاء أول يوم دراسى فى حياتى وكانت المدرسة بجوار البيت لا تبعد كثيراً وكان يوجد فى المسافة القصيرة بين البيت والمدرسة مسجد كبير وفى مواجهته كنيسة كبيرة أيضاً، فتوقفت أنظر إليهم وأنظر بعينى لأعلى حتى يستطيع نظرى الوصول إلى نهاية المأذنة الطويلة جداً خصوصاً أن قامتى كانت قصيرة جداً لأن سنى لم يتجاوز السادسة بعد.

ثم أتجهت إلى الجهة المقابلة ونظرتُ إلى الكنيسة وبالطبع لم أكن أعلم ماحقيقة هذا المبنى، لأن المسجد كنت أدخله مع أبى فى صلاة الجمعة وصلوات عيدى الفطر والأضحى لأنول جائزة من الجوائز التى توزع فى هذا اليوم، وطالت نظرتى إلى الكنيسة وإلى قُببها العالية وسمعت لأول مرة صوت الأجراس، ولكن أكثر مالفت نظرى كطفلٍ صغير هو وجود عسكرى شرطة يجلس على باب هذه الكنيسة، فنظرتُ إلى المسجد فلم أجد عسكرى آخر يجلس على باب المسجد، وذهب خيالى كطفل وكرد فعل سريع لما شاهدت للمقارنة بين المبنيين وظللتُ أنظر لهذا وأنظر لذاك، فلم أجد شىء يميز المبنيين سوى هذا العسكرى الجالس على باب الكنيسة.

وعدتُ إلى البيت وأستقبلتنى أمى بفرحة وهى ترانى بمريلة المدرسة فظلّت تحتضتى وتقبلنى ثم خلعت عنى مريلتى وألبستنى البيجامة وفتحت شنطتى ونظرت إلى كراريسى فوجدتها كما هى بيضاء لم يكتب فيها شىء، وسألتنى ألم تأخذوا شيئاً اليوم، فقلت لها جميع الحصص التى أخذناها شفوية لأنه أول يوم فى الدراسة، هكذا قال لنا المدرسون.

ثم فكرت لبعض الوقت وظلّت عينى شاردة لا تتحرك، فسألتى أمى ماذا بك؟ فرددتُ عليها بسؤال آخر: ماما، يعنى أيه كلمة نصارى؟

قالت: ولماذا تسأل؟ قلتُ: إن مدرس الدين قال لنا عن زملائنا الذين خرجوا من الفصل عندما كنا ندرس حصة القرآن (هكذا كنت أقول على حصة الدين) أنهم نصارى.

فقالت والدتى : يعنى مسيحيين. سمعتُ الكلمة جيداً ولكنى لم أُدرك معناها ولم أفهمه. ثم نمتُ قليلاً – نظراً لأنى قمتُ مبكراً للذهاب إلى المدرسة. وعندما أستيقظتُ من النوم أحضرت أمى لى الطعام لأتناوله، ولكنى رفضتُ وقلت لها عندما يعود أبى من العمل سأتناول معه الغذاء.

وذهبتُ إلى الشرفة لأتفقد الشارع الذى كنت ألهوا فيهِ يومياً من الصباح حتى المساء، وحرمتُ منه بسبب الدراسة، فوجدتُ شقيق صديقى نادر ينظر هو الآخر من شرفة منزله، فهو يكبرنى بعامين وإسمه ماجد وعندما سألتهُ عن نادر قال لى: إنه مازال نائماً منذ عودتهِ من المدرسة فهو مثلى فى نفس السن، ولكنه إلتحق بمدرسة إخرى غير مدرستى، وكنت بالطبع لا أعلم لماذا إلتحق بهذه المدرسة البعيدة عن المنطقة وترك المدرسة التى أنا بها وهى بالقرب من منازلنا ، ويسهل علينا الذهاب إليها والعودة منها بمفردنا دون أن يكون معنا أحد من أهلنا.

ثم جذب نظرى رسمة منحوتة على بلكونة ماجد مثل التى رأيتها تعلو فوق قُبب المبنى الذى يواجه المسجد ويجلس تحته عسكرى شرطة ، ومع أن هذه الرسمة كانت موجودة من قبل ولم تلفت نظرى أو تثير إهتمامى ولكنى لا أعلم لماذا هى أثارت إهتمامى الآن. فسألتُ عنها ماجد شقيق صديقى، فرد بسرعة هائلة وقال لى: هذا صليب. فقلتُ له : ماذا تقصد بصليب؟ فقال : صليب (فهو الآخر لم يكن لديه معلومات أكثر من هذا بحكم سنهِ الصغير).

فوجدتُ فى رأسى أربعة أسئلة لم أجد عليها إجابة مقنعة حتى الآن:

الأول: مامعنى كلمة نصارى التى قالها لنا مدرس الدين؟

والثانى: لماذا يجلس عسكرى أمام المبنى المواجه للمسجد؟ ولماذا لم يجلس عسكرى آخر أمام المسجد؟

والثالث: مامعنى كلمة مسيحى التى قالتها لى أمى؟

والرابع : مامعنى كلمة صليب؟ ولما يرمز؟

ثم سمعتُ صوت باب الشقة وهو يفتح فهرولت نحوه مسرعاً لأنى أعلم أنه أبى الذى يفتح الباب فهذا هو ميعاد عودته من عمله، وكان يحمل جريدة الأهرام اليومية كعادته، ثم حملنى على ذراعه وظل يقبلنى ثم سألنى عما فعلته فى أول يوم دراسة فى حياتى، ثم خرجت والدتى من المطبخ وقالت له إنه لم يأخذ شيئاً اليوم، وأستعجلت أبى ليغير ملابسه لحين وضع الطعام على السفرة، وقالت له إنى رفضتُ أن أتناول الطعام بدونه فتركنى أبى ودخل حجرته ليغير ملابسه ودخلت والدتى خلفه الحجرة، وظللتُ أجرى بالصالة ذهاباً وعودة ثم سمعتُ صوت والدتى وهى تخبر والدى عن سؤالى لها عن معنى كلمة نصارى، فقال لها لا تتكلمى معه فى هذه الإمور الآن فهو مازال صغيراً على إستيعابها.

فى اليوم الثانى من الدراسة:

ذهبتُ إلى المدرسة ووقفتُ فى طابور الصباح وكنا نقف (إثنين إثنين متجاويين) وكانت بجوارى فى طابور الأمس زميلتى كاترين ولكنها اليوم تقف بجوار جورج فى الصفوف الأخيرة ووجدتُ زميلى حسن هو من يقف بجانبى، ثم نظرتُ إلى الخلف لأجد زملائى جورج ومينا ومايكل وكاترين يقفون مع أنفسهم فى نهاية الطابور وكأنهم فى طابور آخر أو صفٍ آخر غير صفنا.

ثم تحرك الطابور بإتجاه الفصل الدراسى الخاص بنا، ودخلنا الفصل وجلسنا، وكما حدث بالأمس عندما جلس أصدقائنا فى ديسكات فى نهاية الفصل منفصلين عنا، جلسوا كذلك اليوم، فذهبت إليهم لكى إُسلم عليهم فسلّموا عليّ بدون أى إهتمام ولكن لفت نظرى شيئاً جديداً لم ألحظهُ من قبل، وهو وجود نفس الرسمة التى رأيتها على المبنى وعلى شرفة بيت صديقى نادر مرسومة على أيديهم، وهنا أدركت أن هذا الشىء هو الذى يفصلنا عن بعض.

ثم توالت أيام الدراسة.. ومع إتساع إدراك كل منا شيئاً فشيئاً بدأ يحدث بيننا نفور، وبدأ كل منا يعرف أن محمد ومصطفى وحسن وعبد الرحمن مسلمون وهم أولى بالصداقة، وجورج ومينا ومايكل وكاترين بدأوا يعتزون بمسيحيتهم وينفصلون عن المجموعة ويتقوقعون على أنفسهم، وظل هذا الإحساس يزيد كلما كبرنا وإنتقلنا من عام دراسى إلى آخر.

ولكن بدأ دور المسجد ودور الكنيسة يظهر فى تربية النشأ، فروح الفرقة زادت بيننا وبدأ كل منا يفاضل بدينه، فكاترين مثلاُ كانت تلبس سلسلة بها صليب كبير على رقبتها وتقبلها وتحركها طول الوقت، ومايكل كانت تلتصق بحقيبته صورة كبيرة لسيدة وعندما سألته عنها قال: إنها العذراء. وبدأ التلاميذ المسلمون يبتعدون شيئاً فشيئاً عن التلاميذ الأقباط وهذا لفظ عرفت بعد ذلك أنه يطلق عليهم أيضاً.

ولكن الخطير فى الأمر هو مناوشات كانت تحدث وحوارات مستفزة من كل طرف للآخر حول أفضلية دين كل منهم على الآخر، وكأن كل منا يعاير الآخر بدينه، وتجاذبنا وتعاركنا وجاءت مدّرسة الرسم ونحن على هذه الحالة فأستدعت لنا ناظرة المدرسة التى جاءت مسرعة نحونا وهى غير مصدقة ماتراه، وسألتنا عن سبب هذا العراك والتجاذب، فقال أحمد: إن مايكل إستفزه عندما قال إن دينه أفضل من دينى، وأن المسيح خير من (– ———–) وهنا صرخت فى وجهه الناظرة وقالت إسكت ولا تكمل.

ثم إتجهت بحديثها لمايكل وقالت من قال لك هذا: قال كنت أمس فى الكنيسة وقال الواعظ إن المسيحية هى أفضل دين، وإن المسيح أفضل.. فقالت الناظرة: هل تهجمَ الواعظ فى حديثه على الإسلام أو على سيدنا محمد؟

فقال مايكل: لا، لم يذكرهم فى شىء. فقالت: لماذا قلت ذلك إذاً؟ فقال: مادام الواعظ قال إن الدين المسيحى أفضل دين، فهو أفضل من أى دين آخر. فنظرت له الناظرة وقالت: إذهب بجوار الحائط وأرفع يديك لأعلى وأعطنى ظهرك. ثم قالت لأحمد: وأنت لماذا كان رد فعلك عنيفاُ نحو زميلك؟ فقال أحمد: لأن الشيخ فى الجامع قال لنا إنه لا وجود لدين غير الإسلام، وإن الدين المسيحى محرّف وغير صحيح، فكيف يفضلّه مايكل على الإسلام. فقالت له الناظرة: إذهب أنت إلى الحائط الآخر من الفصل وإرفع يديك إلى أعلى وإعطنى ظهرك.

فقلت فى نفسى، حتى الناظرة فرقت بين مايكل وأحمد فى العقاب، فأجبرت كل واحد منهم على الذهاب لحائط فى الفصل بعيداً عن الحائط الآخر، ولم تجعلهم يقفوا بجوار بعض وينالوا نفس العقاب، فأرست هى الإخرى مبدأ التفرقة بينهم دون أن تدرى.

وإلى هنا.. لا أريد أن أتذكر أكثر من هذا فى صفحة من صفحات ذاكرتى القديمة، ولكنها كانت صفحة تحكى أول فتنة طائفية شاهدتها فى حياتى، بتاريخ 6-9-1978.

حمدي رسلان مصر

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك