ثلاثة نماذج للثورات العربية

بقلم/
مصر : ۵-۵-۲۰۱۱ - ۲:۲۳ م - نشر

يختلف العلماء على تعريف الثورة وعلى أنواع الثورات وعلى أسبابها ونتائجها لكن هناك شبه إتفاق على أن الثورة هي الإطاحة بنظام سياسي إجتماعي إقتصادي وإستبداله بنظام مختلف تماماً عن طريق حركة شعبية عارمة أو عن طريق العنف المسلح. وقد تكون الثورة ضد محتل أجنبي كالثورات الأمريكية والجزائرية والفيتنامية وقد تكون ضمن حدود البلد الواحد وموجهة ضد طبقة أو سلطة حاكمة تلحق أضراراً بغالبية أبناء الشعب، فيقوم الشعب بالإطاحة بتلك الطبقة الحاكمة بشكل جذري وإستبدالها بنظام بديل مغاير في الإتجاه والأيديولوجية والبنية الإقتصادية والإجتماعية والسياسية.

وضعت هذه المقدمة لتسليط بعض الضوء على الثورات العربية أثناء محاولة أولية لتصنيفها ضمن علم الثورات الشعبية مؤكداً منذ البداية أن الأمور ما زالت في مراحلها الأولى وقد تستغرق كل ثورة سنوات للوصول إلى حالة الإستقرار حسب ظروف البلد التي إنطلقت فيه والقوى القائمة عليها والمستفيدة من نجاحها والقوى المضادة التي تحاول بشتى الطرق عرقلتها. فقد إستغرقت الثورة الفرنسية نحو عشر سنوات للإستقرار (1789-1799) والثورة البلشفية نحو خمس سنوات (1917-1922) والثورة الإيرانية نحو سنتين (1978-1980)، وقد سقط آلاف الضحايا في الثورات الثلاث قبل الوصول إلى حالة الاستقرار.

نماذج الثورات العربية الثلاثة

النموذج الأول: الشعب بكافة فئاته يهب لإسقاط النظام ـ النظام يسقط بعد وقوف الجيش على الحياد: تونس – مصر.

في تونس ومصر انطلقت شرارة الثورة بطريقة شبه عفوية لكن بعد أن اكتملت العناصر الأساسية الثلاث لقيام أية ثورة، وهي درجة من القمع والإضطهاد ومصادرة للحريات لا تطاق، وعي عام بمدى الظلم الذي أصاب كافة فئات الشعب يصاحبه وعي عام بمدى فساد السلطة وعنجهيتها وإستخفافها بمشاعر الناس، ثم تصل بعد ذلك شرارة الإنطلاقة عند وصول حالة الغليان إلى نقطة الإنفجار يصاحبها إستعداد عال للتضحية لدى نسبة كبيرة من أبناء الشعب بعد كسر حاجز الخوف.

بعد إنطلاق الشرارة في سيدي بوزيد ومن بعدها في ميدان التحرير كان رد السلطتان التونسية والمصرية متشابها تماماً.. عنفاً ثم وعوداً بالتغيير، مزيداً من الفئات الشعبية تلتحق بالمتظاهرين، مزيدًا من العنف والقتل، ومزيداً من الوعود وتقديم التنازلات، إتساع الهبة الشعبية لتشمل كافة أرجاء الوطن أوصلت الوضع إلى نقطة الحسم. رأس النظام يتوجه إلى الجيش لحسم الصراع. الجيش يتخذ موقفاً وطنياً لصالح الشعب. النظام ينهار. رأس النظام يهرب وزبانيته الأقرب. الثورة تحقق انتصاراً أولياً بإسقاط رأس النظام ثم تبدأ باتخاذ إجراءات تغيير جذرية تشمل المؤسسات والدستور والأجهزة الأمنية ومحاكمة الفاسدين. النتيجة: الثورة تنتصر في تونس ثم في مصر والثورتان تتجهان نحو الإستقرار.

الثورتان التونسية والمصرية توضعان على قدم المساواة مع أعظم ثورات التاريخ وخاصة إذا استمرت مسيرة تطهير النظام الفاسق السابق وإيصال الثورة إلى شاطيء الأمان وتحقيق كافة المطالب الشعبية في بناء الدولة المدنية الديمقراطية، دولة الحريات والتعددية السياسية وسيادة القانون والمساواة التامة بين المواطنين، رجالاً ونساء، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو العرقية، دولة احترام حقوق الإنسان وتداول السلطة وفصل السلطات وحرية الإعلام. دولة تستجيب لخيارات الشعب بشكل كامل أو شبه كامل حسب تعريف العالم روبرت داهل للنظام الديمقراطي المستقر.

النموذج الثاني: الشعب يهب لإسقاط النظام ـ النظام يقاوم بعد إنقسام الجيش والتركيبة القبلية ـ لكن الثورة حتماً في طريقها إلى الإنتصار: ليبيا – اليمن.

الأسباب التي إنطلقت من أجلها ثورتا تونس ومصر موجودة تماما في كل من ليبيا واليمن، بل إن نسبة الفساد وتغول الأجهزة الأمنية قد يزيد عن ما في تلك الدولتين. فعمر الدكتاتورية الحالية في تونس ومصر 23 سنة و30 سنة بالترتيب بينما في اليمن وليبيا 33 سنة و42 سنة. الفرق بين المجموعتين من الدول يكمن في نقطتين أساسيتين: أولاً إختفاء التركيبة القبلية في كل من تونس ومصر بينما ظلت القبلية في كل من ليبيا واليمن جزءاً أساسياً من مكونات النظام السياسي والإجتماعي وقام النظامان بتغذيتها للإرتكاز عليها عند الحاجة. والسبب الثاني هو نضوج المجتمع المدني في كل من تونس ومصر ووجود مؤسسات واضحة المعالم وخاصة مؤسسة الجيش، بينما المؤسسات المدنية في اليمن في بداية تشكلها أما ليبيا فقد أفرغ العقيد البلاد من أي أثر لما يسمى المجتمع المدني وحول البلاد إلى عزبة خاصه له ولأولاده وهمش مؤسسة الجيش لعدم ثقته فيها منذ عام 1977.

إنطلقت الثورتان، الليبية واليمنية، بشكل شبه متزامن بعد إنتصار الثورتين التونسية والمصرية وكان الرد عليهما متشابهاً إلا أن العقيد إختار العنف المطلق معتمداً على ميليشات أولاده الستة التي شكلت بديلاً للجيش الوطني المهمش وتشيكلة قبلية ضعيفة وجيش من المرتزقة تقوم على تجنيده شركات خاصة منتشرة في العواصم الأفريقية وممولة من العقيد.

في اليمن إستخدم النظام نفس الوسائل تقريباً لكن العنف المتواصل ظل إنتقائياً لقناعة النظام أن العنف سيزيد من حدة الغليان الشعبي ولأن العديد من الأحزاب والشخصيات والقبائل قد حسموا مواقفهم ضد النظام بسبب توجيه بنادق بلطجية النظام ضد المتظاهرين. استطاعت الثورة اليمنية أن تجذب كافة فئات الشعب وطلائعه السياسية والقبلية والعسكرية والشبابية. لكن النظام ظل يتأرجح بخيط واهن من التجمعات القبلية والعسكرية المرتبطة به وبأبنائه وأشقائه وأصهاره لا غير. ومسأله انهياره مسألة وقت فقط مهما كابر وتشدق باسم الشرعية الدستورية التي داس عليها عشرات المرات.

الوضع في ليبيا مختلف. فالعقيد خرج من الأيام الأولى للثورة ليهدد بسحق الثوار و"تطهير ليبيا بيتا بيتا وشارعا شارعا وزنقة زنقة وفردا فردا" أي أن لديه الاستعداد المطلق لتحويل البلاد إلى مجزرة جماعية ليبقى هو وأولاده في الحكم، وهو ما بدأ بتنفيذه فعلاً بعد الإنشقاقات القبلية والعسكرية والدبلوماسية وتصاعد الثورة السلمية لتشمل كافة مدن وقرى وبوادي ليبيا بما فيها العاصمة طرابلس. لم يكن أمام الثوار آنذاك إلا حمل السلاح أمام هذا القيصر المصاب بجنون العظمة والذي يعتقد أن الشعب الليبي يجب أن يعبده ويصلي بين يديه كما يدل على ذلك الشعار الذي يرفعه بلطجية النظام "الله ومعمر وليبيا". رده هذا على الثورة يذكرني بمصير لويس السادس عشر أثناء قيام الثورة الفرنسية والذي قدمه المؤتمر الوطني للمحكمة فوجده مذنبا بالخيانة العظمى وحكمت عليه بالإعدام ونفذته يوم 21 كانون الثاني (يناير) 1793.

الثورتان اليمينة والليبية في طريقهما إلى الحسم- صحيح هناك ثمن عال يدفه الشعبان اليمني والليبي لكن الحرية أغلى بكثير، فتضحيات الثوار ستجني ثمارها الأجيال المتعاقبة التي ستنعم بتلك الحرية المنشودة والرخاء والاستقرار والتقدم والكرامة مثلما ينعم الشعب الفرنسي بنتائج الثورة الفرنسة لأكثر من 200 سنة. وسيأتي يوم يسجل التاريخ فيه صمود مدينة مصراتة كنموذج عظيم لتضحيات شعب أعزل من أجل نيل الحرية والكرامة.

النموذج الثالث: الشعب يهب لإصلاح النظام إصلاحا جذريا: النظام يستجيب – المغرب، النظام لا يستجيب ـ سورية، النظام يستعين بقوى خارجية – البحرين.

إنطلاق المظاهرات الشعبية في البحرين والمغرب والجزائر والأردن وعُمان وأخيرا سوريا لم ترفع شعار "إسقاط النظام" بل إصلاحه جذريا. كانت المظاهرات العارمة سلمية تماماً في كافة المدن الكبرى والصغرى وتطرح نفس مطالب الثورات التونسية والمصرية واليمينة والليبية في الحرية والكرامة والديمقراطية وإنهاء الفساد ومحاكمة الفاسدين ووقف تغول أجهزة القمع وإقامة دولة القانون والتعددية، لكن أحدا لم يطالب في البداية بإسقاط رأس النظام.

في الأردن وعُمان والجزائر ما زالت الحركات الشعبية في مراحلها الأولى ولم تصل إلى نقطة الحسم باتجاه الاستمرار في الثورة المطلبية حتى النهاية. أما في المغرب والبحرين وسوريا فقد وصلت نقطة الحسم لكن ردود السلطات على الثورات الثلاث جاءت مختلفة. ففي حين اقترب النظام في المغرب من مطالب الجماهير بعد المظاهرات الشاملة يوم 20 شباط (فبراير)، استعان النظام الهش في البحرين بجهاز قمع سعودي لسحق الثورة بعد أن كادت تنتصر. بينما كان رد النظام السوري يزاوج بين الإجراءات الإصلاحية المحدودة التي لا ترقى إلى مستوى المطالب الشعبية وكمية من العنف شاملة أثارت غضب الشعب بكافة فئاته بحيث رفع سقف مطالبه من "إصلاح النظام" إلى "إسقاط النظام" إبتداء من يوم الجمعة الخامس عشر من شهر نيسان (أبريل) الحالي.

الثورات الثلاث، في المغرب والبحرين وسوريا، قدمت نموذجاً جديداً للثورات لم يكتمل بعد وقد يفرز نفس النتائج التي أفرزتها ثورات تونس ومصر وليبيا واليمن في حالة نجاحه. فما زال الشارع المغربي يضغط باتجاه تحقيق مكاسب أكبر وصولا إلى تحويل النظام إلى ملكيه دستورية حقيقية يحول الملك إلى رمز لوحدة البلاد يملك ولا يحكم.

أما البحرين فالثوار يتعاملون مع القوات السعودية على أنها قوة احتلال لا بد من خروجها كي يقوم الشعب البحريني بكافة فئاته بالتقدم نحو نزع السلطة المطلقة من عائلة خليفة والبدء بإصلاحات جذرية وصولاً إلى الملكية الدستورية.

أما الوضع في سوريا فهو أكثر تعقيدا. وربما أكون من بين القلة الذين ما زالوا يعتقدون بإمكانية القيام بإجراء إصلاحات جذرية تلبي مطالب الجماهير الغاضبة. ولكن الوقائع على الأرض تشير إلى أن النظام الذي يسيطر عليه ثلة من الحرس القديم وأجهزة الأمن القمعية قد تجاوز خط الرجعة وأغرق نفسه في بحر من الدماء على طريقة القذافي وعلي عبد الله صالح.

أتمنى أن أكون مصيبا والآخرون مخطئين. فحبنا لسوريا وتقديرنا لدورها التاريخي ومواقفها السياسية الممانعة ودعمها للمقاومة وتجسيدها للفكر العروبي يجعلنا نتمنى ألا تسير في نفس النفق الذي وجد القذافي نفسه محشورا فيه ولا يمكن أن يوصله إلا إلى مصير لويس السادس عشر أومصير مبارك أو زين العابدين على أحسن تقدير.

لكن من قال إن سوريا لكي تبقى محافظة على دورها القومي الممانع والداعم للمقاومة لا بد أن تطلق يد القوات الأمنية لتبقى العلاقة بين النظام والشعب مبنية على الخوف والتخلي عن الحق في الحرية والكرامة والأمن؟  وإلى متى سيبقى الشعب السوري خاضعاً لحكم الحزب الواحد والقائد الواحد والرأي الواحد؟

إننا نعتقد أن أي نظام في العالم لا يتمتع بتأييد غالبية شعبه، لا يمكن إلا أن يكون هشاً سهل الإنكسار من أعداء الخارج وحلفائهم المحليين.

عبد الحميد صيامأمريكا

أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في منطقة نيويورك

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك