هل مبارك هو آخر من يتنحى؟

بقلم/
مصر : ۲۵-٤-۲۰۱۱ - ۵:٤۷ ص - نشر

"عايزين نناقشه بهدوء، ده النائب العام، لو الواحد قسى عليه يحبسنا" أبواب السماء كانت مفتوحة ونفذت لها دعابة الدكتور مفيد شهاب وزير الدولة لشئون مجلسي الشعب والشورى، عندما داعب بهذه الجملة المستشار عبد المجيد محمود، النائب العام، والدكتور شهاب كان يتحدث هنا بصفته أحد أعضاء اللجنة المشكلة برئاسة الدكتور عبد الأحد جمال الدين، أستاذ القانون الدولي، العام لمناقشة الطالب الذى كان هو المستشار عبد المجيد محمود، النائب العام، فى الرساله التي تقدم بها لنيل درجة الدكتوراه.

وموضوع رسالة الدكتواره "المواجهة الجنائية للفساد فى ضوء الإتفاقيات الدولية والتشريع"، وطبقا لما هو منشور بجريدة الشروق المصرية فى موقعها على الإنترنت بتاريخ 24 أكتوبر 2010، حضر مناقشة الرسالة الدكتور فتحي سرور، رئيس مجاس الشعب، ووكيلاه ووزراء التعليم والإسكان والتعليم العالي وأمين مجلس الوزراء ولفيف من رجال الدولة. وقد نال المستشار عبد المجيد محمود درجة الدكتوراه بتقدير جيد جداً مع مرتبة الشرف من كلية الحقوق جامعة عين شمس.

أغلب الظن أن الدكتور مفيد شهاب لم يندم على دعابة قالها كما ندم على هذه الدعابة، والتي كانت بمثابة نبوءة تحققت بعد أشهر قليلة وصدقت فى بعض من حضر مناقشة الرسالة كالدكتور فتحي سرور ووزير الإسكان أحمد المغربي، وهو الوزير الذى ذهب قبل الثورة لمكتب النائب العام بناء على بلاغات مقدمة ضده، وهي تقريبا نفس البلاغات التي حبس ويحاكم عليها حاليا بعد الثورة.

وقد أذيع في ذلك الوقت أن الوزير أحمد المغربي تقدم بإستقالته إحتجاجاً على إستدعائه للنائب العام وهجوم وسائل الإعلام عليه، ثم تم نفي نبأ الإستقالة من رئاسة مجلس الوزراء، وأذيع أن زيارة الوزير لمكتب النائب العام ليس لها علاقة بأية بلاغات مقدمة ضده، ولعل حضوره مناقشة رسالة الدكتوراه يثبت صحة ذلك. قبل الثورة أيضا زار بعض كبار رجال الدولة، مثل وزير الصحة ووزير الثقافة، مكتب النائب العام بناء على بلاغات مقدمة ضدهم وخرجوا من زيارته بإبتسامة تعلو الوجوه وزعم احدهم أنه كان فى زيارة لشرب القهوة مع النائب العام.

بيد أن الزيارات للنائب العام قبل الثورة تختلف تماماً عن زيارات ما بعد الثورة، والتي تذهب بهم إلى الحبس الإحتياطي مباشرة تمهيداً لمحاكمتهم، وذلك بعد نفاذ كل مسحوق البن المخصص للضيوف من مكتب النائب العام. ولعل أشهر من زار النائب العام، وهو الأن قيد الحبس الإحتياطى، وزير الإسكان الأسبق محمد إبراهيم سليمان، وهو أحد المحبوسين حالياً على ذمة قضايا فساد وإستغلال نفوذ، رغم زياراته المتكررة لمكتب النائب العام قبل الثورة، ومع كل زيارة نشعر أن الرجل قد تم إحكام الحصار عليه ولن يخرج سليماً من الإتهامات الموجهة ضده، لكنه يفاجئنا فى كل مرة ويخرج "كالشعرة من العجين" ومقسماً بشرفه أنه لم يَفسد أو يستغل نفوده وأن ثروته من جهده وعرق جبينه وعلينا أن نصدقه كما صدقته أجهزة التحقيق، إختلف الأمر معه كما أختلف مع غيره بعد 25 يناير، فزيارة واحدة للنائب العام وليست عدة زيارات كانت كافية لحبس أكثر وزير وضعت عليهم علامات إستفهام ووجهت لهم تهم بالفساد خلال فترة رئاسة الرئيس السابق.

ظننت فى بداية ماراثون التحقيقات مع رجال النظام السابق أن النائب العام سيشعر بالحرج ويطالب بإعفاءه من منصبه بحكم أن تعيينه وإختياره قد تم من قبل رأس النظام الذى سقط، وأن بعض ما تم وضعهم قيد الحبس الحتياطي لم يتخذ ضدهم أى إجراءات قانونية بعد التحقيقات أو المناقشات التى تمت معهم قبل الثورة، لكن سيادة النائب العام قبل بكل شجاعة المهمة الملقاة على عاتقه من أجل مصر وتحقيق العدالة ومحاسبة من سرقوا المال العام وإستغلوا نفوذهم وسلطتهم فى الثراء الفاحش وإفساد الحياة السياسية.

وقبل النائب العام أداء واجبه فى أن يقتص لحق المجتمع ممن تسببوا فى قتل الشهداء. لاشك أن النائب العام يتحمل فى ذلك ضغطاً إنسانياً كبيراً، قل من يقدر على تحمله، خصوصاً عند إصداره قرارت الحبس لمن كان يتبادل معه الزيارات بالأمس لشرب فنجان من القهوة، بل أنه أصدر قراراً بحبس رأس النظام السابق ويصر طبقا للقانون على نقله لمستشفى السجن قبل مثوله للمحاكمة، مع أنه هو الذي أصدر له قرار تعيين كنائب عام وجعل منصبه مستقلاً عن وزارة العدل وتابع لرئاسة الجمهورية، لكنه ضمير القاضي الذي سما فوق كل إعتبار إلا إعتبار العدالة.

لدينا الآن في مصر رئيس سابق تتم محاكمته فى ظل سلطة وطنية وليس تحت سلطة إحتلال كما حدث فى العراق، ولست خبيراً في القانون أو في معرفة كيفية وطبيعة وإجراءت محاكمة الرؤساء، ومحاكمة رئيس سابق خبر ليس كمثله خبر وحدث غير مسبوق بمصر خصوصاً إذا كان الحاكم فيها يتمتع بسلطات الفرعون فحتماً ستجري وتلهث كل وسائل الإعلام وراء هذا الحدث وستسرد له القصص والحكايات وإن كان بعضها يشبه قصص الأطفال ما قبل النوم، من عينة المحقق الذى صاح بالرئيس السابق وقال له أنت الآن مواطن عادي منبها أياه بعدم رفع صوته، أو الحديث عن ترديده الدائم بأن ربنا كبير ومحاولات حثه على تناول الطعام من قبل زوجات أبنائه الذين يطمئن عليهم ويسعد بإتصالاتهم الهاتفية به من محبسهم، أو شعوره بالإكتئاب وبكائه بسبب قرب التحقيق معه ونقله من شرم الشيخ، من يسرب أو يقصد ان يسرب مثل هذه الأخبار وبأى قصد؟

من المفترض أن المتعاملين مع الرئيس السابق سواء من طاقم العاملين بالمستشفى أو من المحققين على أعلى درجات المهنية والإحتراف ولايفتحون أفواههم أبداً بما يدور من وقائع داخلها، خصوصاً مايدور بالطابق الثالث من المستشفى والذى تم إخلاءه إلا من غرفة أهم مريض بها، وليس من المتصور أن طاقم الحراسة المكلف بحمايته وحراسته هو الذى يسرب مثل هذه الأخبار أو يسمح لأحد أن يرى الرئيس السابق وهو يبكي، إن كان فعلا بكى.

والسؤال هنا لماذا لا يعين المجلس الأعلى للقوات المسلحة متحدث رسمي يخاطب الإعلام والشعب بحقيقة ما يدور مع الرئيس السابق؟ حتى نطمئن لمصادر الأخبار ومصداقيتها بدلا من أحاديث القيل والقال والنميمة وقصد الظهور والفرقعة الأعلامية. هناك أيضاً فتاوى وأحكام صدرت بالإعدام على الرئيس السابق قبل أن تحكم المحكمة المختصة المنوط لها محاكمته، البعض يصدر مثل هذه الأحكام بغرض "الشو" الإعلامي، لكنها قد تكون بغير قصد من سوء حظ أشقائنا الثائرين في كل من سوريا وليبيا واليمن وأحد أسباب زيادة نسبة العنف ضدهم والذي تتصاعدت حدته يوماً بعد يوم خوفاً من ملاقاة أنظمة الحكم فى هذه الدول لنفس المصير.

وعلى الجانب الأخر من محاكمة الرئيس المصري السابق، قد يحذوا رؤساء سوريا وليبيا واليمن، بسبب الأخبار المتواترة عن الرئيس المصري السابق، حذو الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي فى الهروب قبل أن يضيق الخناق عليهم وقبل تعرضهم للمحاكمة وفضح فسادهم وإستعادة ما نهبوه من أموال شعوبهم، ويكون فى هذه الحالة الرئيس مبارك هو آخر الرؤساء المتنحين والآخرين هاربين.. والله أعلم.

محمد النجار الولايات المتحدة الأمريكية

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك