شاهد يروي أهوال التعذيب في سجون القذافي

بقلم/
مصر : ۱۹-٤-۲۰۱۱ - ۲:۲۲ م - نشر

لندن – ما من نظام عربي الا وخرجت عنه مئات القصص عن التعذيب والتنكيل، علاوة على كبت الحريات والتفرد بإدارة البلاد وفق الأهواء والنزوات والمصالح. ليبيا كانت من الأمثلة القليلة التي كان القليل جداً يرشح عن التعذيب فيها. ليس لقلة عمليات التعذيب والإهانة والتنكيل، بل لأن النظام كان محترفاً للغاية، ونقر له بذلك، فقد كان يعذب ويقتل ويعتقل ويخفي كل ذلك ببراعة منقطعة النظير.

١٢٨٠ معتقل في سجن بوسليم في بنغازي تبخروا وكأنهم لم تلدهم أمهاتهم. أجساد المعذبين والشهداء كانت على ما يبدو تخفى في الصحراء التي تمتد آلافاً من الأميال التي لم تصلها قط قدم انسان. وليس أدل على ذلك من مئات المفقودين من الجيش الليبي الذين تاهوا في الصحراء في حرب تشاد ولم يسمع عنهم ثانية حتى اليوم.

ما سيعرفه العالم عن الحقيقة بعد زوال "لا نظام" القذافي، سيكون مرعباً ومخيفاً، وما نشرته صحيفة "ذي غارديان" البريطانية اليوم هو غيض من فيض. تقول الصحيفة في تقرير لمراسلها من بنغازي: "حين وضع علي مفتاح بطانيته حول كتفي أخوين مراهقين خائفين، ظن أنها كانت أكثر من مجرد لمسة من اللطف في خضم ما وصفه بأنه "فيلم رعب" لكنها كانت لفتة أنقذته من مصير السجناء الآخرين المحشورين في زنزانة تحت الأرض في سرت، مسقط رأس الديكتاتور الليبي معمر القذافي.

كان سائق خزان النفط يراقب في رعب بينما كان رفاقه في السجن يستدعون مثنى وفرادى من قبل جنود القذافي. وسمع صراخهم واستغاثاتهم، ثم رآهم يعودون بأيدي وأرجل مكسورة ووجوه مشوهة، وقال: "لقد أخذوا كل شخص من الغرفة واحداً بعد الآخر، وضربوهم وركلوهم. كسروا أصابع الأيدي والأقدام. وهشموا الوجوه. كانوا يعودون والدماء تغطيهم بالكامل. رأيتهم يركلون أحد الجنود الثوار ونزف حتى الموت. ورأيت رجلاً يزحف على أربع بينما ركلوه وضربوه، وبقي يزحف. لم يتبق جزء من جسده لم يتعرض للضرب".

ولم يكن مفتاح يملك سبباً للإعتقاد أن مصيره سيكون مختلفاً. فقبل شهر، تطوع لحمل الطعام إلى رأس لانوف، التي كانت تحت سيطرة الثوار وتتعرض لهجوم من قوات القذافي. ووصلت قافلة المساعدات المكونة من شاحنات الغذاء وثلاث سيارات إسعاف من بنغازي لتكتشف أن جيش القذافي كان قد دخل البلدة بالفعل.

وقبض على المتطوعين في مستشفى، ثم ضربوا وألقوا في شاحنة تحوي أجساد الثوار الجرحى والقتلى. وقال مفتاح: " كانت الشاحنة تسير، وحين يرى الجنود جثة على الطريق كانوا يذهبون ويركلونها في الوجه للتأكد من الوفاة، ثم يدهسونها بالشاحنة. حدث ذلك ثلاث مرات".

بعد عدة ساعات، وصل مفتاح إلى سرت. وقال مفتاح: "أخذونا للداخل مع الثوار الجرحى. كان أحدهم مصابا في أعضائه الحساسة. وكان هناك الكثير من الدماء على بنطاله. وسجل جنود القذافي ذلك على هواتفهم النقالة ووجهوا له كلمات نابية. ثم أخذوا يركلونه في المكان المصاب حتى مات. وبعدها ربطوا حبلا حول رقبته وجروه للخارج قائلين: "أخرجوا هذا الكلب من هنا".

ووضع مفتاح في زنزانة تحت الأرض مع نحو ٢٨ سجيناً من الثوار والمدنيين. وقال: "شعرنا أنه كان بإمكاننا الإستراحة والنوم لأنهم نزعوا القيود عن أيدينا وأزالوا العصابات عن أعيننا. لكنهم كانوا يفتحون الباب كل عشر دقائق ويركلون كل من يجدونه نائماً في وجهه. أخبرونا بأننا من القاعدة وأننا إرهابيون نريد تدمير البلاد".

في صباح اليوم التالي، أدخل الشقيقان المراهقان للزنزانة. وقال مفتاح: "شعرت بالأسف من أجلهما، أعطيتهما مكاني وبطانيتي. وسألتهما كيف وصلا إلى هناك. قالا إنهما كانا يعيشان في حي سكني في رأس لانوف ولم يغادرا حين وصل جنود القذافي. بقيا لحماية بيت والدتهما من النهب، وقبض عليهما من قبل الجنود".

في الصباح أخذ الشقيقان بعيداً وخاف مفتاح عليهما. ثم نودي عليه، وحين أخرج من الزنزانة عبر الباب، شعر بالرعب. وقال: "فتحت الباب وكانت هناك هذه الغرفة الصغيرة وبها أثاث بسيط. وجدت الاخوين من رأس لانوف جالسين هناك. كنت متعجبا مما كان يجري عندما قالا بسرعة أن علي أن اقول ما قالاه. أخبراني أن عمهما كان عقيداً في الأمن الداخلي وأن لهما أقارب في الأمن. أحد هؤلاء الرجال كان يخبر الأمن الداخلي بما يحدث في رأس لانوف مع الثوار. كان جاسوساً للقذافي".

ويعتقد مفتاح أن الجيش والأمن الداخلي كانوا يخشون إيذاء أقارب شخصية قوية في الأجهزة الأمنية، ولذلك تم إطلاق سراح الرجال الثلاثة.

وروايته المرعبة حول معاملة الأشخاص الذين يعتقلهم جنود القذافي، تدعمها الصور التي ظهرت خلال الأيام الأخيرة للجثث، ومن الواضح أن من إلتقط الصور هم من الثوار، وكانت أيديهم مقيدة وراء ظهورهم ورقابهم مقطوعة.

وحصلت قناة "الجزيرة" على فيديو يظهر شبانا ضُربوا بقسوة بالغة، وأجسامهم فيها كدمات ووجوههم دامية ومنتفخة، ومقيدين بانتظار نقلهم للسجن وإلى مصير مجهول. وقيل أن أحدهم إعترف بالتظاهر ضد القذافي. ونفى آخر أن يكون من الثوار.

كما أظهر شريط آخر جنود القذافي يذهبون من بيت إلى بيت في مدينة أجدابيا بعد أن سقطت لفترة قصيرة في أيدي قوات الحكومة، طالبين من الشباب أن يخرجوا. بعضهم خرجوا وأيديهم مرفوعة. وكان واحد منهم يلوح بالعلم الأخضر، الذي يعتبر من رموز القذافي.

وتقول منظمة العفو الدولية إن الثوار الأسرى عُثر عليهم مقتولين بطلقة في الراس وأيديهم مقيدة وراء ظهورهم. وقالت إن الأسرى يبدو أنهم قتلوا قرب أجدابيا. ووصفت عمليات القتل بأنها جرائم حرب.

وهناك مئات المفقودين في المدن التي إحتلتها قوات القذافي. وإذا لم يكونوا قتلوا فمن المحتمل أنهم في السجن يتعرضون للتعذيب.

وحظي مفتاح بفرصة للنجاة بأعجوبة، لكنه لم يكن بعيداً عن الخطر. فقد كان في مدينة سرت، مسقط رأس القذافي، وكل من ينتمي إلى بنغازي يُنظر إليه بعين الشكك. ثم توفرت له وسيلة غير عادية للهروب.

فقد أعلن النظام عن قوافل "حافلات السلام" ترفع رايات بيضاء وأغصان الزيتون للتقدم نحو الجبهة وإقناع الثوار بوقف القتال. ورأى مفتاح أن هذه فرصته.

ودُهش مفتاح من العدد الكبير للمتطوعين في مهمة السلام، أربع حافلات كما اتضح لاحقاً. وفي الوقت المناسب إكتشف أن جميع من كانوا في الحافلات، مثله، كانوا يحاولون الهرب من سرت والوصول مجاناً إلى بنغازي.

إنطلقت القافلة، ولكن سائق الحافلة التي كان فيها مفتاح رفض مواصلة السير عندما شاهد الدبابات. وتم الإلقاء بالسائق خارج الحافلة، بينما تسلم مفتاح المقود لأنه كانت له خبرة بقيادة الشاحنات.

وشقت الحافلة طريقاً وعراً حتى تمكنت في النهاية من عبور الخط الأمامي للثوار، وأصبحت عندئذ على بعد ٨٠ كيلومتراً من سرت، ما أثار دهشة الثوار المتشككين، الذين تساءلوا عما إذا كانت الحافلة نوعاً من حصان طروادة يختبئ مقاتلو القذافي داخلها.

أصبح مفتاح حرا لكنه لم أن يشاهد أحداً من الذين كانوا داخل الزنزانة معه قد عاد. وقال: "ما شاهدته لم أحلم أنه سيحدث مطلقاً. كان أشبه بأفلام الرعب. أما الأسرى الآخرون فما يزالون في الفيلم".

خليل الأغا بريطانيا

___________
* ترجمة لمقال من صحيفة "ذي غارديان" البريطانية اليوم.

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

Leave your vote

0 points
Upvote Downvote

Total votes: 0

Upvotes: 0

Upvotes percentage: 0.000000%

Downvotes: 0

Downvotes percentage: 0.000000%

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق



Hey there!

Forgot password?

Don't have an account? Register

Forgot your password?

Enter your account data and we will send you a link to reset your password.

Your password reset link appears to be invalid or expired.

Close
of

Processing files…

أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك

Warning: mkdir(): Disk quota exceeded in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 321

Fatal error: Uncaught exception 'Exception' with message 'Cache directory not writable. ZenCache needs this directory please: `/homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/cache/zencache/cache/http/ahlan-com/2011/04/19`. Set permissions to `755` or higher; `777` might be needed in some cases.' in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php:324 Stack trace: #0 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->WebSharks\ZenCache\Pro\{closure}('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #1 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/classes/AbsBaseAp.php(55): call_user_func_array(Object(Closure), Array) #2 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AbsBaseAp->__call('outputBufferCal...', Array) #3 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->outputBufferCallbackHandler('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #4 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-includ in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 324