تراجع جولدستون بميزان القانون الدولي

بقلم/
مصر : ۱۷-٤-۲۰۱۱ - ۷:۳٦ م - نشر

أثار المقال الذي كتبه القاضي المشهور ريتشارد جولدستون، في جريدة الواشنطن بوست في الأول من نيسان (أبريل) 2011 موجة من الإستهجان والإستغراب من جهة وترحيباً وتعظيماً من جانب إسرائيل وحلفائها في العالم من جهة أخرى، بل ووجهت له دعوة فورية لزيارة إسرائيل، ويناقش الكونجرس الأمريكي الآن مشروع قرار يدعو لإلغاء التقرير.

أهمية المقال تكمن في كونه صادرا عن رئيس لجنة تقصي الحقائق في الحرب على غزة نهاية عام 2008 وبداية عام 2009 والمكلفة بالقيام بمهمة التحقيق في أية انتهاكات للقانون الدولي والقانون الإنساني الدولي وقوانين حقوق الإنسان في تلك الحرب التي شنتها إسرائيل على القطاع تحت اسم "عملية الرصاص المسكوب" بين 27 كانون الأول (ديسمبر) 2008 و18 كانون الثاني (يناير) 2009.

وأود في هذا المقال أن أثبت حقيقة معروفة في التعامل مع التقارير الدولية مفادها أن أي تقرير بمجرد التوافق عليه بين أعضاء اللجنة المكلفة بإعداده وبعد تقديمه للجهة المعنية التي فوضت تلك اللجنة بإعداد التقرير ينتهي من كونه تقريرا مرتبطا بأعضاء اللجنة التي أعدته ويحول فورا إلى تقرير صادر عن الجهة التي فوضت إعداده مثل الأمين العام أو مجلس الأمن أو الجمعية العامة أو مجلس حقوق الإنسان أو اليونسيف أو منظمة الصحة العالمية أو اليونسكو وهكذا.

ولنضع الحقائق أمام القراء والمسؤولين العرب ليحسنوا التعامل مع هذا التراجع باعتباره باطلا وغير شرعي ولا يعتد به من الناحية القانونية بل إنه يسئ للقاضي جولدستون نفسه ويحوله من قاض محترم محايد مهني إلى انتهازي رخيص قدم مصلحته الخاصة على حساب الحقائق، وتراجع عن موضوعيته ليصبح طرفا في الصراع وأراد أن ينجو بنفسه من الضغوط الهائلة التي تعرض لها من قبل جماعات الضغط المناصرة لإسرائيل على حساب الحقائق والقانون الدولي والموقف الأخلاقي النبيل الذي مثلته اللجنة التي أعدت التقرير وكان جولدستون رئيسا لها.

تفنيد ما جاء في المقال المذكور من الناحية القانونية:

أولا: التقرير المذكور لا يحمل اسم تقرير جولدستون بل نشر تحت عنوان: حقوق الإنسان في فلسطين والأراضي العربية المحتلة الأخرى- تقرير بعثة تقصي الحقائق في صراع غزة.

لم يحدث لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل أن ارتبط تقرير باسم رئيس البعثة المكلفة بتقصي الحقائق مثلما ارتبط هذا التقرير باسم جولدستون لأسباب لا تخفى على أحد وأهمها كون جولدستون يهوديا مما يضيف بعدا دراميا وعاطفيا يزيد من مصداقية التقرير. ولو سألت أي اختصاصي أو مسؤول دولي أو صحافي عمّن كتب تقرير مذبحة قانا عام 1996 وتقرير آثار الحرب الأطلسية الأولى على العراق وتقرير آثار الحصار على ليبيا عام 1998 وتقرير مذبحة بيت حانون عام 2006 وتقرير مذبحة مخيم جنين عام 2002 وتقرير الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994 لما تذكر أحد أسماء رؤساء اللجان التي أعدت تلك التقارير ومثلها العشرات بل لن تستطيع العودة إليها إلا تحت ملفات تقارير مجلس الأمن أو تقارير الأمين العام أو تقارير الجهاز الذي خول البعثة بالقيام بتلك المهمة. إذن هذا التقرير ليس ملكا شخصيا لجولدستون ليتراجع عنه بل هو تقرير تابع لمجلس حقوق الإنسان.

ثانيا: هذا التقرير لم يعده جولدستون لوحده ليتصرف به على هواه بل هناك ثلاثة أعضاء شاركوه المهمة من أولها إلى آخرها وأقروا كل كلمة كتبت فيه قبل تقديمه بصورته النهائية لمجلس حقوق الإنسان. والأعضاء الثلاثة الآخرون هم:

1. السيدة كريستين شنكن، أستاذة القانون الدولي في جامعة لندن للإقتصاد والتي ساهمت مع القس ديزموند توتو في إعداد تقرير حول مذبحة بيت حانون التي حدثت عام 2006 أما التقرير فأنجز عام 2008.

2. السيدة هنا جيلاني القاضية بالمحكمة العليا لباكستان وممثلة الأمين العام لحماية المدافعين عن حقوق الإنسان والتي ساهمت بالتحقيق في مذابح دارفور عام 2004

3. السيد ديزموند ترافيرس وهو ضابط سابق في الجيش الإيرلندي وعضو في المعهد الدولي للتحقيق في الجرائم الدولية.

إن تراجع جولدستون عما جاء في التقرير لا يحمل أي وزن قانوني لأن رأيه لا يمثل أكثر من ربع قرار اللجنة الرباعية التي اعتمدت التقرير بالإجماع قبل رفعه لمجلس حقوق الإنسان ليصبح منذ تلك اللحظة تقرير مجلس حقوق الإنسان وليس تقرير جولدستون. كان بإمكان جولدستون أن يتضمن التقرير آراءه قبل رفعه إلى المجلس، أما وقد أقره أعضاء اللجنة ورفعوه للمجلس واعتمد نهائيا كتقرير صادر عن مجلس حقوق الإنسان لم يعد لجولدستون أي دور في تغييره أو تحريفه أو التقليل من وزنه أو أهمية الحقائق الواردة فيه.

ثالثا: لقد استغرق إعداد التقرير أكثر من أربعة أشهر (4 أيار/مايو إلى 15 أيلول/سبتمبر 2009) وشمل ثلاث زيارت ميدانية لغزة وجلسات استماع لأكثر من 188 شاهد عيان بالإضافة إلى التقارير التي قدمت للجنة من العديد من الجهات الرسمية والمدنية والمنظمات غير الحكومية المعنية بحقوق الإنسان تصل إلى 10,000 صفحة و 30 شريط فيديو و1,200 صورة. وتؤكد اللجنة أن كل المعلومات الواردة في التقرير قد خضعت لنظام دقيق من التمحيص والمراجعة والفحوصات المتقاطعة والبحث المخبري وغير ذلك مما يرد ذكره بالتفصيل في التقرير. ويقول التقرير إن إسرائيل رفضت التعاون مع اللجنة ولا حتى السماح لها بالمرور من إسرائيل إلى قطاع غزة.

إذن كل المعلومات الواردة في التقرير، وحسب أعضاء اللجنة، قد جرى التأكد منها والتثبت من صحتها قبل تضمينها التقرير. إن أي تشكيك في أية معلومة واردة في التقرير لا يخضع لمزاج فرد أو جماعة بل يحتاج إلى اتباع أسلوب جماعي مخول من قبل نفس الجهة لتقوم بمراجعة المعلومات المستجدة والتأكد من صحتها وتبيان المعلومات الخاطئة التي ورد ذكرها في التقرير الأصلي. وبما أن هذا لم يحدث وكل ما أثير عبارة عن رأي شخصي لرئيس اللجنة لا يرقى إلى مستوى التشكيك في صحة ما ورد في التقرير من معلومات دقيقة جرى التحري في صحتها قبل تضمينها صفحات التقرير ال 575.

رابعا: إن توقيت نشر هذا المقال مشبوه تماما حيث تستعد إسرائيل لحملة جديدة لضرب قطاع غزة وتريد أن تتخلص من هاجس التقرير المذكور الذي أثبت أن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية واستخدمت القوة المفرطة واستهدفت المدنيين عن عمد. إن مثل هذا التوقيت يفرش الأرضية أمام إسرائيل لارتكاب جرائم أكبر ضد المدنيين في قطاع غزة خاصة وأن العالم العربي مشغول هذه الأيام بثورات الحرية والديمقراطية، والعالم يشاهد ما ترتكبه قوات القذافي و قوات علــي عبد الله صالح من جرائم بحق الشعبين الليبي واليمني مما يجعل إسرائيل تبدو أكثر رحمة بالفلسطينيين خاصة بعد مقالة جولدستون.

التراجع عن التقرير يهدف إلى إعادة تأهيل جولدستون

ليس سرا أن القاضي جولدستون تعرض لحملة شعواء من أنصار إسرائيل وحلفائها في كل مكان في العالم وخاصة في جنوب أفريقيا. يقول الكاتب والمؤرخ اليهودي غير الصهيوني إلان بابيه "منذ سنة ونصف ومنذ نشر التقرير تعرض جولدستون إلى حملة منظمة متواصلة من الضغوط والتهديد والحصار والاغتيال السياسي لشخصية جولدستون. حملة شبيهة لحملات في الماضي استطاعت تدمير شخصية مرموقة كالسناتور وليم فلبرايت وغيره الكثير."

لقد أطلق على جولدستون لقب "يهودي كاره للذات" رغم تأكيده مرارا أنه يهودي ويعتز بيهوديته بل وقال إنه صهيوني محب لدولة إسرائيل. لقد وصل الأمر بقيام كبير كهنة جنوب أفريقيا، أفروم كرنغل، بمنع جولدستون من حضور حفل تعميد حفيده حسب الطقوس اليهودية قائلا: "لقد ألحق جولدستون أضرارا بالشعب اليهودي غير قابلة للإصلاح".

وفي النهاية لا نعرف ما هي المعلومات التي تنامت إلى علم جولدستون حتى يقول إنه لو كان يعرف من المعلومات التي يعرفها الآن عند كتابة التقرير لجاءت نتائج التقرير مختلفة. هل اكتشف القاضي المحترم أن بنات الدكتور عز الدين أبو العيش الثلاث كن يحملن السلاح وأن الضحايا الـ29 من عائلة السموني كانوا يتزنرون بأحزمة ناسفة. لعل جولدستون لم يقرأ تقارير منظمة بتسيلم الإسرائيلية ومنظمة العفو الدولية ومنظمة مراقبة حقوق الإنسان حول تلك الحرب وسنعفيه من ذلك لكن تقرير الجيش الإسرائيلي نفسه يقر بمقتل 1,166 شخصا من بينهم 709 من المسلحين و162 لم يكن واضحا هل كانوا مسلحين أم لا، و295 من غير المشاركين و89 تحت سن 16 (يتجنب التقرير تسميتهم أطفالا) و46 امرأة أي أن هناك ما يزيد على 300 مدني بين نساء وأطفال ومدنيين قتلوا حسب شهادة الجيش نفسه. فهل قتلوا جميعا عن طريق الخطأ؟

هذه ليست المرة الأولى التي تنجح جهود المنظمات الصهيونية وجماعات الضغط المناصرة لإسرائيل بإجبار كل من يحاول أن يقول الحقيقة برفع الراية البيضاء والاستسلام. والرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر قدم مؤخرا اعتذاره للمنظمات الصهيونية عن كتابه "فلسطين السلام وليس الفصل العنصري"، والمؤرخ الإسرائيلي بني موريس الذي وثق عمليات طرد الفلسطينيين عام 1948 في كتابين مهمين ثم عاد وتراجع عن نظريته وأصبح من دعاة طرد جميع من تبقى من العرب على أرض فلسطين التاريخية. ونفس المنطق ينطبق على ألان ديرشوتز، الذي تحول من مدافع عن المقهورين والمظلومين في أمريكا إلى أكبر مدافع عن جرائم إسرائيل الليكودية. الفرق في الحالات السابقة وقضية جولدستون أن السابقين كانوا قد كتبوا كتبا من تأليفهم هم ومن حقهم أن يغيروا آراءهم ومواقفهم أما جولدستون فاشترك مع لجنة أعدت تقريرا لصالح مجلس حقوق الإنسان وهو لا يملك حق الملكية كي يقترح تعديلا أو يتراجع عن معلومة أو يغير في نص التقرير.

عبد الحميد صيامأمريكا

أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في منطقة نيويورك

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

Leave your vote

0 points
Upvote Downvote

Total votes: 0

Upvotes: 0

Upvotes percentage: 0.000000%

Downvotes: 0

Downvotes percentage: 0.000000%

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق



Hey there!

Forgot password?

Don't have an account? Register

Forgot your password?

Enter your account data and we will send you a link to reset your password.

Your password reset link appears to be invalid or expired.

Close
of

Processing files…

أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك

Warning: mkdir(): Disk quota exceeded in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 321

Fatal error: Uncaught exception 'Exception' with message 'Cache directory not writable. ZenCache needs this directory please: `/homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/cache/zencache/cache/http/ahlan-com/2011/04/17`. Set permissions to `755` or higher; `777` might be needed in some cases.' in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php:324 Stack trace: #0 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->WebSharks\ZenCache\Pro\{closure}('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #1 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/classes/AbsBaseAp.php(55): call_user_func_array(Object(Closure), Array) #2 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AbsBaseAp->__call('outputBufferCal...', Array) #3 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->outputBufferCallbackHandler('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #4 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-includ in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 324