لا تراجع ولا تقدم

بقلم/
مصر : ۲٤-۳-۲۰۱۱ - ۸:٤۰ م - نشر

لا تراجع ولا تقدمكان الجو صحواً  في ذلك الوقت من العام، والذي يوافق أواخر فصل الشتاء وبدايات فصل الربيع، وتلك الفترة تحديداً لها طابعها الخاص، خاصة على الساحل الجنوبي للبحر المتوسط حيث يولد المزاج الصافي الذي يبعث على الراحة و الهدوء، وما زاد الأمر بهجة هو ذلك النهار الدافىء، فلقد شقشق الصبح و أعلن عن شمس فتية أزاحت غيوم الليل، وفرضت شخصية ضياءها على ما تبقى من سحب الأمس، وأمرت الريح بأن تهب لطيفة لتحمل نكهة الانتعاش لكل من اصطف على المرفأ في انتظار تمام إجراءات الدخول إلى السفينة المتوسطة الحجم.

الجميع يمني نفسه برحلة هانئة وممتعة في عرض البحر ليغسل همومه في مياهه، ويلقي بكل شحناته السالبة في أعمق أعماقه، فيعود من رحلة البحر بكل سحرها وجمالها، إلى بحر الرحلة بكل مشاقها وكفاحها وتلك هي سنة الوجود، اقتربت من مضيفة السفينة، سألتني عن أوراقي فناولتها إياها، ومع مراجعة سريعة لبياناتي وبابتسامة لطيفة أبلغتني برقم قمرتي وتمنت لي رحلة سعيدة، فقمت بتحيتها برقة و تقدمت نحو الدرج الفاصل بين الميناء والسفينة، ووقع اصطدام الموج في رصيف الميناء، مع نسمة تهب على وجهي تحمل رائحة البحر، وجدتني لا شعورياً أرفع رأسي فأطالع وجه السماء الزرقاء الصافية وشفتاي تحمل ابتسامة متفائلة.

انطلقت صافرة بداية الرحلة واتسعت ابتسامتي مع انطلاق ذلك النفير المميز للسفن ذو الوقع الغليظ على الأذن والذي يهدهد النفس في قوة، ولكم كنت أفتقد هذه الصافرة، هذه الرحلة من المفترض أن تقصد جزيرة في عرض البحر لقضاء ليلة فيها ثم العودة، تناولت الإفطار على سطح السفينة، وكأن الكون تضافرت عناصره لكي يستمتع المسافرون بوقتهم فالجو صحو والشمس بهية والسماء صافية والهواء نقي، حتى الطيور التي كانت تجوب السماء في أسراب متعددة كانت كلمسة الفنان حينما يخط أميز خط في لوحته المحببة إلى نفسه.

أدرت بصري لأرى علامات البهجة على وجوه أقراني، وكلٌ كان في شأنه، فمن يلتقط الصور ومن يطالع كتاب، و من يهمس لشريكه، والكل في فرحة هادئة ولا أحد يشعر بالوقت، فمضى الزمن سريعاً وتعدينا انتصاف النهار، ثم مر بجانبي فرد من أفراد قيادة السفينة واستفسرت عن الوقت المتبقي لنصل لمرادنا، فأجاب مع الغروب، وانقبض قلبي مع إجابته، كنت أتمنى أن يحدد ساعة بدلاً من أن يلقي في قلبي، بمعنى الغروب لا بدلالته، واستكنت على مقعد ممتد على ظهر السفينة، وانتظرت شيئاً مبهماً لا يحمل الفرحة أبداً، وكأن ذلك يقين الدنيا ألا يبقى حال على حاله، و مع بداية المغيب راجعت مشهد الصباح وبهاءه، وكيف سيهبط الليل و تغيب الشمس، وشعرت ببرودة تسري في جسدي، وكأن الغروب يعلن عن نفسه بإنذار شديد اللهجة، فانخفضت درجة الحرارة وهبت رياح أشد حدة مما اعتدنا طوال اليوم، وتغيرت الأجواء في وقت قصير ويبدو أننا سنواجه غضبة الغروب في عرض البحر، مع مطر السماء وهزيز الريح، وإطباق الليل.

"حرصاً على أمنكم وسلامتكم برجاء ارتداء سترات النجاة" تكرر النداء عبر السماعات الداخلية والخارجية للسفينة في روتينية حيث كان بعض الركاب توجهوا بالفعل إلى قمراتهم ليحتموا، وظل الأغلب على سطح السفينة ما بين الرهبة والفضول، وانطلق طاقم السفينة في كفاءة وهدوء، راح بعضهم يلقي بتعليمات الأمان ويساعد الركاب في ارتداء سترات النجاة، والبعض الآخر توجه لإعداد قوارب النجاة تحسباً إذا ما ساء الوضع لأكثر من هذا.

وبالفعل اشتد الأمر سوءاً، وباتت السفينة أضعف من أن تواجه غضب لم يكن في الحسبان، وشدد قبطان السفينة من التعليمات لمساعديه بأن أمان الركاب قبل أي شيء، ارتفع الموج عالياً ولطم السفينة لطمة قاسية، فتأرجحت و اهتزت بشدة، وبدأ الركاب يتصايحون ويحتدون، فتعددت الآراء، فمنهم من أراد أن يحتمي بقمرته، ومنهم من أراد أن يتشبث بوجوده على سطح السفينة، ومنهم من اندفع حيث أماكن قوارب النجاة المعلقة في جنبات السفينة، وكان الطاقم لم ينته بعد، فقام بعض الركاب بجذب حبالها بالقوة ومن غير دراية، فصاح أفراد من الطاقم محذرين ألا يفعلوا، لكن الركاب كانوا أكثر عدداً  وأكثر عصبية، فتعالت الصيحات ولكن ما من مجيب، وحدث الأسوأ حيث انفلت الحبل الممسك بالقوارب، فسقطت في البحر، فانطلقت الصرخات من الحناجر الخائفة المتحسرة على ضياع قوارب النجاة، وما زاد الأمر سوءاً أن التفت الحبال المتدلية من مكان رفع القوارب على أحد مراوح تشغيل السفينة فتقلصت سرعة السفينة في وقت مذهل، يبذل القبطان قصارى جهده ليحافظ على وضع السفينة، فلا مجال للتراجع، وما من مقومات للتقدم، في ظل جو عاصف وليل بهيم، أخشى ما أخشاه أن يجرفنا التيار مستقوياً بأدواته ونحن في نصف البحر، بلا قوارب نجاة غير استعادة هدوئنا وتمسكنا ببعضنا، لننجو كلنا.

صلاح عبد الله الباشا الإمارات

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

5 تعليقات

  • عمرو جلال

    طبعاً لا أخفى عليك جمال الصور التى صورتها ، والتى يوحى كل من يقرأها بأنها تلخيص بشكل ما قصة تاتانيك – إلا أنها تلخيص أبلغ لحالة تاتانيك من نوع أخر تاتانيك الأمة كلها (مصر) خلال ثورتها المجيدة إلى الأن ، صورتها بشكل رائع بحق ونقلتها بشكل تمثيلى لا مثيل له ، بحق أمتعتنا وشكراً لك .

    • صلاح عبدالله الباشا

      أشكرك عمرو لفطنة تخيلك و رقيق تعليقك, و دعواتنا لمصر و لكل الوطن العربي بسلامة الوصول لغاية مراده, سلامي

  • روزانا خيربك

    و كيف انتهت الرحلة ؟

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك