هل يجرف طوفان الثورة العربية السعودية؟

بقلم/
مصر : ۲۲-۳-۲۰۱۱ - ۹:۰۳ ص - نشر

انطلقت يوم الجمعة ١١ آذار (مارس) مظاهرات في ١٧ مدينة في السعودية ولم نسمع أو نقرأ عنها خبراً لا في محطة فضائية أو صحيفة أو إذاعة، إلا محطة العالم التي استغلت غياب الجزيرة والعربية عن البحرين والسعودية فتصدرت الريادة في تغطية احتجاجات البلدين لأسباب ليست كلها مهنية بحتة بل تتجاوز موضوع السبق الصحفي. صحيح أن مظاهرات المدن السعودية لم تجذب آلافا مؤلفة من الشباب لأسباب نعرفها وأولها الخوف والعنف المفرط والعقاب اللاحق في الرزق والعمل، لكنها مؤشر يدل على ما وراء الأكمة. فأول مظاهرة في مصر لم يخرج فيها إلا ١٥٠ شخصاً.

فالنظام السعودي رغم إدعائه بالاستقرار والحصانة إلا أنه في الحقيقية هش وواهن وخداع. مثله كمثل العجوز المتصابي الذي يصبغ شعره الأشيب باللون الأسود للإيهام بأن صاحب هذا الشعر إنما ما زال في ريعان الشباب، وإن كنت لا تصدق فانظر إلى سواد شعر الرأس والذقن والشارب. لكنك إذا كشطت هذه الصبغة الخارجية لا تجد أمامك إلا جسدا مهدودا عليلا يترنح على وشك السقوط بعد أن بلغ من الكبر عتيا. فالأصباغ تغطي الواقع لكنها لا تعيد صياغته، وقد تخدع العين لكن لا تنطلي على الذهن الوقاد وقد تساعد صاحبها على أن يعيش الوهم ويصدقه لكن الحقيقة عادة تعيش بمعزل عمن يريد أن يلونها ويشوهها.

إن التحديات التي تواجهها المملكة أكبر من أن تدفن تحت طلاء يزيف الواقع ويضع للبلاد واجهة براقة أمام العالم الخارجي. فالحقيقة التي لا مراء فيها الآن أن قطار الثورة العربية الذي انطلق من تونس مرورا بمصر واليمن والبحرين وليبيا، لا بد إلا وأن يتوقف عاجلا أم آجلا، في المدن السعودية ولن يغادرها إلى بعد انهيار مملكة القرون الوسطى وبناء نظام جديد يلغي من اسمه مرجعية العائلة ويبني البديل السليم والمحقق لخيارات الشعب وخاصة جيل الشباب. وسأضع بين يدي القراء خمسة أسباب تدفع بالأوضاع المحلية إلى التأزم فالإحتقان فالانفجار، والسؤال ليس هل بل متى.

أولا: تهافت المؤسسة الدينية

مراجعة بسيطة لعيـّـنة من الفتاوى التي تطلقها المؤسسة الدينية تشير دونما لبس إلى أن هذه المؤسسة فقدت أية مصداقية لها. لقد تحولت مؤسسة الإفتاء إلى عربة تركبها المؤسسة السياسية وتوجهها كما تريد. وآخر ما صدر عن مفتي عام السعودية، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ وهيئة العلماء، الفتوى بتحريم المظاهرات باعتبارها فتنة وشقا لعصا الطاعة وتمردا على ولي الأمر. وقال آل الشيخ "إن تلك الأحداث بلاء عظيم، ولا شك في إمكانية وجود ظلم في بعض البلدان، لكن يجب ألا يزال الظلم بأعظم منه كما خطط له الأعداء، وفساد ودمار وقتل للأبرياء كما حدث في البلدان الأخرى" أما الخنوع وقبول الظلم وإغلاق الأعين عن المنكر وسد الأنف عن رائحة الفساد التي تزكم الأنوف فهذا لا يثير قلق المؤسسة ولا يستلزم فتوى. يقول أحد أفراد هذه المؤسسة دون الإفصاح عن اسمه، كما نقل في الوول ستريت جورنال، يوم 16 شباط (فبراير) "نحن جميعا منافقون، نخدع بعضنا بعضا ونكذب على بعضنا البعض كما علمتنا الحكومة أن نعمل- نحن لا نتبع الإسلام الصحيح". مؤسسة تجيز الاستعانة بالأجنبي لتدمير العراق وتحرم إطلاق صرخة في وجه الظالم وتتسترعلى الفساد المستشري في البلاد فقدت أية مصداقية لها في عيون الشعب السعودي.

ثانيا: تضخم العائلة السعودية واتساع التيارات داخلها

يبلغ عدد العائلة السعودية نحو 7,000 أمير. وفي تقدير كوردسمان (من معهد الدراسات الاستراتيجية بواشنطن) أن العديد (5,000) معظمهم من الشباب المنفتح الذي سافر إلى الخارج واطلع على التقدم والحضارة والحرية والمدنية وتعرف على قوانين الحكم وتداول السلطة وحقوق الإنسان. أما العدد المتبقي من أبناء عبد العزيز فكلهم في سن الهرم يزيد معدل أعمارهم عن ال 80 سنة. فالملك عبد الله عمره 83 أو 86 وولي العهد سلطان 85 ونائب رئيس الوزراء الأمير نايف 77 سنة وليس هناك من اسم لامع بعد هؤلاء الثلاثة والأرجح أن تنتقل السلطة إلى إحدى فروع العائلة مما قد يسبب امتعاضا وتذمرا من الفروع الأخرى. تحاول العائلة الآن أن ترضي كافة الأمراء الشباب بتعيينهم في المناصب الكبرى وشبه الكبرى بعد أن استنفذت كافة المناصب الرفيعة كأمراء المناطق وقادة الأجهزة وكبار الضبط وقادة الأسلحة ومعظم الوزارات ونواب الوزراء. فالشعب السعودي العادي يعرف أن الدولة بتركيبتها الحالية تخدم أساسا شبكة واسعة من الأمراء الصغار والكبار يتقاسمون الوظائف والعقود والاستثمارت فيما بينهم. أما الخدمات والبنى التحيتة والإسكان والوظائف العادية فليست محل قلق لهؤلاء الأمراء.

ثالثا: الفساد غير المسبوق وتبديد الثروات

تحتل السعودية المرتبة 79 (2007) والمرتبة 63 (2009) في سلم الفساد المكون من 179 دولة والتي تعده منظمة الشفافية الدولية. بينما تحتل المرتبة ما قبل الأخيرة (77 من مجموع 78) في موضوع حقوق المرأة. أما بالنسبة لحرية الصحافة فتحتل المملكة المرتبة 172 من مجموع 190 دولة.

بالنسبة للفساد فصفحات الإنترنت واليوتوب والمدونات تحتوي على عدد كبير من الوثائق حول الفساد المستشري في المملكة أفقيا وعموديا. وقد نشرت منظمة ويكيليكس العديد من تلك الوثائق التي تثبت دون أدنى شك أن الفساد المالي والأخلاقي أصبح مؤسسيا. ونضرب مثالا على الفساد غير المسبوق ما نشر في "مراجعة الاستخبارات التنفيذية" Executive Intelligence Review بتاريخ 22 حزيران (يونيو) عام 2006 حول صفقة اليمامة للأسلحة والتي بلغت نسبة العمولة والرشاوى فيها إلى ملياري دولار مما دعا هيئة الإذاعة البريطانية أن تسمي تلك الصفقة "فضيحة العصر" حيث قامت الشركة البريطانية لتصنيع السلاح BAE بدفع نحو ملياري دولار كرشوات لمسؤول الأمن السعودي والسفير السابق للسعودية في واشنطن بندر بن سلطان. أما قيمة الصفقة فتزيد عن 80 مليار دولار على مدى 22 سنة. وقد تناولتها محطة بي بي سي في حلقة خاصة من برنامج "بانوروما" وقد بدأت عملية التحقيق في الصفقة من قبل "مكتب التحقيق في الفساد الخطير" إلا أن أمرا وصل للمكتب من وزير العدل البريطاني في شهر كانون الأول (ديسمبر) 2006 بإغلاق الملف وعدم متابعة التحقيق في الصفقة بحجة إلحاق الضرر بمصالح بريطانيا العليا وأمنها الوطني.

ففياضانات جدة في نهاية كانون الثاني (يناير) 2011 التي جرفت الأحياء ودمرت السدود وأدت إلى مقتل العشرات أثبتت هشاشة البنى التحتية في البلد الذي يفيض بالذهب الأسود. والغريب أن جدة نفسها تعرضت لفيضانات في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2009 أدت إلى مقتل 123 شخصا (العدد الرسمي بينما يؤكد شهود عيان أن الرقم تجاوز 300) ولم تقم السلطات ببناء شبكات التصريف أو إصلاحها إن كانت موجودة مع أن الملك وعد بمعاقبة المسؤولين، لكن شيئا من ذلك لم يحدث. لقد بلغ الحنق بأهل جدة هذه المرة لدرجة أن التلفزيون الرسمي أظهر مجموعة من النساء تصرخ في وجه أحد الأمراء عند زيارة الموقع. يعلق على الحادث يوسف الأحمد مدير مركز دراسات الخليج بواشنطن "أكتشف النفط في المملكة قبل 75 سنة. وبلغ مجموع مداخيلة أكثر من 5 ترليون دولار. وهذه مبالغ كبيرة. لكن المفارقة أن تلك المداخيل لم تغير كثيرا في أساليب حياة المواطنين".

رابعا: الانغلاق المطلق وقمع الحريات اللامحدود والتمييز بين مكونات الوطن

ليس سرا أن السعودية لا يوجد فيها دستور لأن "الدستور هو القرآن" كما يدعون، مما يعطي مرونة فائقة للحكام بالتلاعب بالقانون كما يريدون فيطبقون الأحكام على فقراء البلاد والعمال الأجانب من شرق آسيا بينما يسمح للمرضات البريطانيات اللواتي يرتكبن جريمة قتل متعمد بالإفلات من العقاب.

ففي السعودية المظاهرات ممنوعة والمعارضة ممنوعة والتجمع ممنوع وممارسة الأديان غير الإسلام ممنوعة والمرأة ممنوعة من أبسط حقوقها كإنسان. وهناك تضييق شامل على أبناء البلاد من المذهب الشيعي وتهميش لنحو 20% من السكان وخاصة في المناطق الشرقية. الحزبية ممنوعة والرأي المخالف للنظام ممنوع. ليس عجيبا تحت هذه الإجراءات التي قد تطيح بالأعناق سفكا بالسيف أمام الناس، أن تنتشر المخدرات في السعودية وسرقة السيارات والاعتداء على ممتلكات الدولة حتى كاميرات مراقبة السرعة تم تحطيمها بحجة زيادة ثراء اللصوص (كما جاء في مقال في الوول ستريت جورنال بتاريخ 15 شباط /فبراير). وقد نظرت محاكم البلاد في العام الهجري المنصرم في 19,729 قضية مخدرات كما جاء في جريدة عكاظ يوم 5 آذار (مارس).

خامسا: تأثر الشباب السعودي بإخوته العرب الثائرين

من غير المنطق أن تندلع الثورات الشعبية في أقرب دولتين على السعودية اليمن والبحرين وإلى درجة أقل عمان وأن تبقى المملكة في منأى عن التأثر. فالسعودية تشترك مع اليمن في حدود طولها 1100 كم ويربطها بالبحرين جسر معلق طوله 15 كم. ولا نشك للحظة أن الشباب السعودي لا يتابع أخبار البلدين خاصة، ناهيك عن آثار الزلزال المصري ومن قبله التونسي.

أنا لا أقول إن الانفجار الشعبي سيبدأ غدا أو الشهر القادم أو السنة القادمة. وكما لم يتوقع أحد أن تنفجر الأوضاع في تونس ومصر واليمن وليبيا والبحرين بهذه السرعة، فقد تنفجر الأوضاع المحتقنة في السعودية بأسرع مما نتوقع. أعتقد أن الشباب السعودي ينتظر الآن ليرى ما ستسفر عنه الثورة المستعرة في الجار الأكبر اليمن والجار الأصغر البحرين. ولكم أن تتخيلوا معي كم سيترك نجاح تلك الثورتين من أثر عميق على الشعب السعودي خاصة عندما يرى في البلدين برلمانات منتخبة فعلا وتناوبا على السلطة وانصياعا للدستور وقيادات تنفيذية منتخبة فعلا واتساعا لدور المرأة. عندئذ لو لم يتحرك الشعب السعودي وتملأ صرخاته وهتافاته البلاد شارعا شارعا وبيتا بيتا وزنقة زنقة تقول: الشعب يريد إصلاح النظام.. إذن لطالبنا علماء النفس والاجتماع والسياسة أن يقدموا تفسيرا لهذه الظاهرة الغريبة. أما أنا فسأعود إلى قراءة رائعة زكريا تامر "النمور في اليوم العاشر".

عبد الحميد صيامأمريكا

أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في منطقة نيويورك

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

تعليقان

  • سلمان الرويلي

    سيذهب حكم العوائل القمعيه الفاسده الى مزبلة التاريخ… اهلا بالحريه والكرامه والعداله وسيادة الدستور

  • عبدالعزيز الساحلي

    المملكة العربية السعودية دولة اعزها الله بالاسلام وكرمها بالمقدسات وانعم عليها بثروات فلا عجب ان ترى الحاسدين والحاقدين يريدون لها الهلاك لكنها عزيزة بفضل من الله.. نرى البلاد التي ثارت لم تنال "بلح الشام ولا عنب اليمن" واصبحت بؤر للخراب والدمار.. والمظاهرات التي تتحدث عنها فقط جوابت الصواب.. مناطق المملكة الادارية 15 وليس 17 كما ذكرت وان المملكة تعيش افراحاً بعودة الاب القائد وهذي من انعم الله علينا.. والطائفة الشيعية التي تدعي التضييق عليها كانت في حوار مع الملك وقالوا بصوت واحد "لا نطمع الا بوجودكم" وكلنا مواطنيين لا فرق بين سنه ولا شيعه الا من اراد القتنه.

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك