هذه مصر التي نحب

عبد الحميد صيام
مصر : ۱۱-۲-۲۰۱۱ - ٦:۰۸ ص - نشر

هذا وجه مصر الجميل الذي عرفناه وعشقناه منذ فتحنا عيوننا على هذا الكون. هذا هو الوجه البرئ "النقي التقي الطاهر" لحبيبتنا أرض الكنانة بدون أصباغ أو شد وجه أو صباغة شعر. هذا هو الوجه الغض الأسمر المرتوي بماء النيل العذب الذي تربينا على عشقه منذ الطفولة. هذه هي الجماهير التي تمثل طيبة الشعب المصري واعتزازه ببلده واعتداده بكرامته والتزامه بقضايا أمته.

بدأت نهاية عصر التشويه والتهميش والفساد. بدأت نهاية تحويل مصر إلى حارس للمصالح الإسرائيلية على حساب لقمة عيش البسطاء والفقراء وسكان القرافات. هذا صوت مصر النقي الجميل الذي تربينا عليه جميعا وتلقيناه علما وأدبا من عباس محمود العقاد وطه حسين وأحمد أمين وشوقي ضيف وجمال حمدان.

هؤلاء الشباب الأنقياء هم الذين يحملون ميراث محمد عبده وقاسم أمين وأحمد لطفي الزيات ومصطفى المنفلوطي ويحيى حقي ومحمود تيمور ويوسف السباعي وتوفيق الحكيم وعبد الرحمن الشرقاوي ويوسف إدريس ونجيب محفوظ. هذه الجماهير هي الوفية لتراث أمير الشعراء أحمد شوقي وشاعرالنيل حافظ إبراهيم وأحمد رامي وإبراهيم ناجي وأمل دنقل وأحمد عبد المعطي حجازي وصلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودي وأحمد فؤاد نجم.

هذه مصر التي رضعنا علمها وأدبها وفنها ورواياتها ومسرحياتها ومسلسلاتها وأغاني سيدتها وأهازيج عندليبها وألحان موسيقار أجيالها. هذه مصر التي عرفناها قبل أن نزورها وسكنا في حاراتها من خان الخليلي وزقاق المدق إلى السكرية وزرنا مدنها من الاسكندرية والسويس إلى المنصورة ودمنهور، وعندما حللنا فيها اكتشفنا أننا نعرف أزقتها ومقاهيها وأزهرها وحسينها وقلعتها وكباريها ونيلها الخالد.

هذه مصر التي أحببناها وطربنا لها وبها وعشقناها في صوت شادية وهي تغني لنا وفؤاد المهندس وهو يضحكنا وشكري سرحان ورشدي أباظة وفريد شوقي وهم يفتنونا ببطولاتهم على الشاشة ويوسف وهبي وأمينة رزق ومسرحياتهما الجميلة. هذه مصر التي عشقناها أطفالا وتعلمنا على يديها طلابا وافتخرنا بإنجازات ثورتها يافعين ورقصنا لإنجاز سدها العالي وبكينا حرقة عند هزيمتها وهزيمتنا جميعا وسرنا في جنازة زعيمها.

أنظروا في الصفوف الأولى لهذا البحر الهادر من الجماهير الثائرة تجدوا في مقدمتها أحمد عرابي وسعد زغلول ومطفى كامل وعبد المنعم رياض يهتفون لمصر، وانظروا ذلك العملاق بقامته الطويلة وصوته الجهوري ورأسه المرفوع محمولا على الأكتاف يهتف للحرية والوحدة. أتذكرون الملايين العشرة في قاهرة المعز التي سارت طوعا دون تزوير في جنازته تبكي عليه؟ أتذكرون كم بكاه الشعب العربي من الأوراس إلى الخليج؟ حتى قريتي الصغيرة أقامت حلقات النعيّ لأيام سبعة عند وفاته المفاجئة. كنت أجلس على مسافة ليست بعيدة كي أسمع أنشودات النعي التي تفطر القلب وأبكي كطفل على فارس الحلم الذي مضي قبل فوات الأوان.

هذه مصر الحقيقية بدون تزوير خرجت كلها لتصحح التاريخ الذي شوهته هذه الطغمة الفاسدة التي تعاملت مع مصر على أنها "عزبة" يملكونها هم وأحبابهم وشركاؤهم وسيورثونها لأولادهم باعتباها ملكا خاصا. طغمة فاسقة أساءت لمصر وتاريخها وحضارتها ومكانتها الدولية وسخرتها لإيذاء القوى المناضلة في فلسطين ولبنان والعراق وسوريا وكافة أرجاء الوطن بعد أن كانت قبلة لكل حركات التحرر في العالم من باندوغ إلى أكرا ومن الجزائر إلى عدن ومن جوهانزبيرغ إلى القدس.

هؤلاء البلطجية الذين يستأسدون على الفلسطينيين العزل ويهددون بكسر أرجلهم ولكنهم يتذللون أمام أعداء الأمة ويقبلون أياديهم ويتمنون على نتنياهو دعم مرشح النظام لمنصب مدير اليونسكو فيعودون بخازوق مكعب لأن وزنهم صفر ولأن دورهم لا يزيد عن كونهم وكلاء لمصالح الأعداء مقابل عمولة صغيرة. مجموعة مارقة تصطف إلى جانب أعداء الأمة في الحرب على غزة وتغلق عليهم المداخل والمخارج وتفشل مؤتمر قمة نصرة ضحايا العدوان الهمجي على غزة في الدوحة وتستبدلة بمسخرة شرم الشيخ، وتضيف إلى هذا الهوان بناء جدار فولاذي تحت الأرض ليطبق الخناق على المناضلين الصابرين الصامدين وتنزل بالهراوات على رؤوس المتضامنين مع غزة وتطردهم بشكل مهين.

هذه هي مصر الطيبة الشريفة المناضلة التي تدوس بأرجلها العملاقة علـى صلف وعنجهية كمبرادور النظام ورموز الفساد فيفرون بطائراتهم كالفئران. هذه مصر التي نعرف والتي وقفت مع الشرفاء والمناضلين وأنشأت منظمة التحرير وحاربت من أجل ثورة اليمن وتحملت العدوان الفرنسي لوقفتها مع ثوار الأوراس وسطرت أمجاد حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر المجيدة واستقبلت كافة المناضلين الهاربين من جحيم الاستعمار والدكتاتورية والعدوان وفتحت قلبها وجامعاتها لكل العرب.

اسمحي لي يا مصر الغالية الكبيرة أن أقبل جبينك الجميل الذي فتحت عيني على بهائه وسماحته وعزته. اسمحي لي أيتها السمراء الغالية أن أنضم إلى جماهير الشعب الذين كشفوا زيف الصورة التي سوقها طحالب النظام المتهاوي، وها هم يفرضون على العالم أن يرى صورة مصر الحقيقية التي تحضن أبناءها برفق وتهدهد أجمل الأغاني لأطفالها ليناموا بين ذراعيها نوما هادئا رقيقا.

لقد كشطوا كل الأصباغ الرديئة التي لطخت الوجه الجميل ليرضى عنها تلاميذ جابوتنسكي والمحافظين الجدد. مصر التي نعرف ونحب لا يمكن أن تكون جسرا لتدمير العراق بل جسرا لعبور العرب إلى حضنها الدافئ، ومصر التي نعرف ونحب هي التي أعلنت أن "المقاومة هي أنبل ظاهرة أفرزتها هزيمة يونيو" لا مصر التي تعتقل المقاومين وتطلق سراح الجواسيس.

مصر التي نعرف ونحب ونجل هي مصر التي تؤمم المصالح الأجنبية لا تلك التي تبيع البلاد لكل من يدفع، ومصر التي نعشق هي التي تعبئ الجماهير ضد الظلم لا تلك التي تساند الظالم، وتلك التي تناصر أمتها وتعمل على دفع الأذى عنها لا تلك التي تحتقر أمتها وتصطف إلى جانب أعدائها. مصر التي نعرفها ونجلها هي التي تسعى للوحدة داخل الوطن وبين أبناء الأمة لا تلك التي تشرخ بسياستها الحمقاء وحدتها الداخلية وتساهم نتيجة لغياب أي وزن لها في تفتيت البلاد العربية بما فيها الجارة الكبرى.

التاريخ يا مصر يبدأ منك ويعود إليك. أكملي المشوار. لا تقفي في منتصف الطريق. التقطي الشعلة من ثورة الياسمين ومرريها إلى أكثر من محطة. دع ذبذبات الزلزال تصيب كافة أرجاء الوطن العربي ليبدأ القياصرة المتكلسون في كراسيهم بحجز أماكن لهم في مكّـب نفايات الشعوب من عيدي أمين وزين الهاربين إلى ماركوس وباتيستا ومن شاه إيران إلى ساموزا.

هذا ما تعلمناه من التاريخ وكـُتـّاب التاريخ الذين تتلمذنا على أياديهم في "أم الدنيا".

عبد الحميد صيامأمريكا

أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في منطقة نيويورك

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك