قناة الجزيرة: كلمات لا بد منها

عبد الحميد صيام
مصر : ۱۰-۲-۲۰۱۱ - ۸:۰٤ م - نشر

في هذه الأيام التاريخية التي يصنع فيها التاريخ العربي من جديد على أيدي شباب الأمة في تونس الخضراء وأرض الكنانة، تنتقل قناة الجزيرة من موقعها الإعلامي المحض لتصبح مرآة صقيلة للشارع العربي في طول الوطن وعرضه، تعكس بأمانة دواخله القريبة والبعيدة وتعبر بصدق عن آماله وآلامه وهمومه. تبكي لبكاء الجماهير، وتغضب لغضبها وتخرج للشارع معها بل وفي مقدمتها وتفتح قلبها وعقلها وكاميراتها لأصوات الغلابى والمستضعفين والمظلومين والمعذبين في سجون الأنظمة وبائعي الخضروات الذين يُلاحقون وتصادر عرباتهم، وآهات الرجال الأحرار الذين ينزفون دما من عِصيّ أو رصاص قوات الأمن ونحيب الأطفال الأبرياء الذين يذرفون دموعا من خوف أو حزن أو جوع أو كلها مجتمعة، وتوثق هراوات الأمن وهي تهوي على رؤوس المحتجين كما توثق مساحات التفريط بكرامة الأمة ومقدساتها وثوابتها على أيدي الطغاة والفاسدين والعملاء.

القناة تحولت إلى معلم كبير يتلقى على يديه الملايين من فقراء وشرفاء العرب من الدار البيضاء والعيون ونواكشوط غربا إلى صلالة والكويت والبصرة والسليمانية شرقا، يتلقون دروسا في الانتصار للكرامة ورفض القهر والتصدي لبلطجية النظام. القناة أصبحت ملجأ للمهمشين والمضطهدين والملاحقين ينفثون من خلال موجاتها زفير حزنهم وحسرتهم ويأسهم ويعبئون إخوتهم وأخواتهم على رفض الخنوع والاستسلام. القناة تحولت إلى رافعة وطنية يلتقي تحت ظلها الشرفاء والأنقياء والصادقون والمخلصون لقضايا وطنهم وأمتهم. القناة أصبحت مخرزا يسمل عيون الجواسيس والعملاء والفاسقين واللصوص والمهربين وتجار الآثار ومخبري الأنظمة. القناة أصبحت كشافا يسلط الضوء على المفرطين بالحقوق والمساومين على الأرض والعرض، القناة أصبحت الصوت الأصدق لجيل الشباب الطموح الواعد المتفجر حيوية وطاقة ومخزونا من العلم والمعرفة والعزيمة الصادقة في بناء وطن معافى من أدران الدكتاتوية الكريهة.

كلما دخلت القناة في معركة مع النظم الفاسقة كلما سجلت انتصارا جديدا وكلما تحالفت مع المظلومين والفقراء والمعذبين زادتهم قوة وعزيمة وتصميما وزادوها وهجا وتأثيرا وشعبية. تنهال على كاميراتها ومراسليها ومكاتبها عصي الأنظمة الفاسقة لتكتم صوتها فما يزيدها ذلك إلا قوة ومصداقية. اجتازت القناة كل حقول الألغام التي نصبتها لها الأنظمة الفاسدة، وتخطت كل العراقيل التي أقامها وزراء الإعلام، وهمشت كل القنوات المنافسة التي زجتها في الساحة الأنظمة المهترئة التي تخاف من "الرأي والرأي الآخر" وتختبئ في جحورها رعبا من الاستماع إلى "أكثر من رأي" وتحتمي بقصورها حتى لا تستمع إلى أي "منبر" حر وتركض هلعة في نفس الاتجاه الساقط التي تسير عليه رغم أن الشعب كله يسير في "الاتجاه المعاكس" وتطفو على سطح الأفكار وسطح اللغة وسطح الفعل خوفا من القضايا التي يتم تناولها "في العمق" وتعيش على وهم تزوير الحقائق وتزوير الانتخابات وتزوير المشاعر وتزوير الهوية وتزوير الأهداف بدل أن تقدم حقيقة "حصاد" سنوات حكمها الطويلة والطويلة جدا، وتلجأ إلى الغرف الخلفية والأقبية المظلمة لتجري حوارات سرية مع أعداء الأمة بدل إجراء "حوار مفتوح" حر وشفاف و"بلا حدود" مع الشعب وأطيافه المتعددة وكل النشطاء دون وجل أو مواربة أو تحريف، ولا تفتح إلا "ملف" النضال والتحدي والمواجهة بدل تكديس ملفات للمواطنين في دوائر المخابرات وأجهزة التعذيب.

هذه القناة أقرب إلى الرسالة منها إلى وسيلة الإعلام، لأنها تعيش مع الجماهير المناضلة وبها ولها وتتعرض للضرب والتكسير والطرد دفاعا عن حقها في الالتصاق بجماهيرها لتنقل نبضات انتفاضاتها من أجل الحرية والكرامة، دون أن تلـتفت إلى المضايقات والتحرشات والضغوط والاتهامات. عندما زار الرئيس المخلوع حسني مبارك مقر القناة في الدوحة قال عنها "هي دي علبة الكبريت اللي عاملة الدوشة دي كلها" وها هو الآن يكتشف من منفاه القريب من منفى "زين الهاربين" أن القناة كانت عود الكبريت الذي أشعل الحرائق في هشيم فساد الأنظمة الفاسقة وحرّض الجماهير وعبأها لتلتقط مصيرها بيديها وتلقي بالطغاة من عليائهم وأبراجهم.

إمض أيتها القناة قدما وارفعي ميكروفوناتك عاليا لاستقبال نبرات الصدق في أصوات الشباب ووسعي من عدسات كاميراتك لالتقاط فضاء أوسع من الحرية والكرامة وصناعة الغد الواعد. كوني في المقدمة وفي الوسط وفي الخلف ومن فوق ومن تحت فحولك بحر من جماهير الشباب يرون فيك المنبر الذي ينقل إلى العالم حركات سواعدهم القوية وصرخات حناجرهم المدوية وصدق معاناتهم الطويلة. خيوط الفجر بدأت تبزغ في هذا الوطن الكبير وكم هو بديع منظر الفجر عندما تقدمينه صورة جميلة نرى فيها مستقبل هذه الأمة وهي تتحرر من الظلم والفساد والطغاة والاحتلال والشرذمة والتخلف والتجزئة والفقر والأمية والمرض وسوء التغذية وعذابات السجون وهمجية رجالات الأمن. أيتها القناة العملاقة: لنا موعد جديد مع مراسليك وعدساتك وميكروفوناتك في أكثر من عاصمة عربية قابعة تحت نير الطغاة لتسجيل لحظات سقوط دكتاتور آخر.

عبد الحميد صيامأمريكا

أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في منطقة نيويورك

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

Leave your vote

0 points
Upvote Downvote

Total votes: 0

Upvotes: 0

Upvotes percentage: 0.000000%

Downvotes: 0

Downvotes percentage: 0.000000%

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

تعليق واحد

  • حنه كنعاني

    عبد الحميد صيام – اخي الامريكي المحترم – كلامك رقيق ويحمل الكثير من تعابير الوفاء والاخلاص لجهود قناة الجزيره خاصة بعد اثارتها " للثورات العربية " جزاها الله خيرا لما تنجزه من انقلابات ولو كانت مدمرة بعض الشيء كون انه للبناء الشامل تحتاج لهدم شامل كما يقول بعض الحكماء.. اتمنى ان تصل الانقلابات الى كل بقاع العروبة فلربما يوما ما يثور منتسبي الجزيرة على نظام القناة ايضا ليحققوا حرية الراي دون التحيز لسلطة ما او لنظام ما يمول نشاطها " الخيري"
    لن اخالفك الرأي بانها قناة تستحق الشكر على ما ابدعته من حقائق موثقة .. لكن يا ترى هل الانظمه التي تمول الجزيره ديمقراطيه لهذا الحد كي لا يقال عنها شي وبالكاد تذكر على شاشات القناة؟؟؟؟ هل هناك الشعوب تعيش برفاهية لا توصفها حتى ابيات الشعر بحيث لا يشكي مواطن من ظروفه؟؟؟ يا رجل حتى امريكا واوروبا بكل الحرية التي يعيشونها يشتكون من انظمتهم .. ويثورون

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق



Hey there!

Forgot password?

Don't have an account? Register

Forgot your password?

Enter your account data and we will send you a link to reset your password.

Your password reset link appears to be invalid or expired.

Close
of

Processing files…

أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك

Warning: mkdir(): Disk quota exceeded in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/vendor/websharks/html-compressor/src/includes/classes/Core.php on line 2715

Warning: file_put_contents(/homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/cache/zencache/cache/http/ahlan-com/2011/02/10/jazeera-words-to-remember.html-5a6484cb502ef839675040-tmp): failed to open stream: Disk quota exceeded in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 355

Fatal error: Uncaught exception 'Exception' with message 'ZenCache: failed to write cache file for: `/2011/02/10/jazeera-words-to-remember/`; possible permissions issue (or race condition), please check your cache directory: `/homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/cache/zencache/cache`.' in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php:360 Stack trace: #0 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->WebSharks\ZenCache\Pro\{closure}('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #1 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/classes/AbsBaseAp.php(55): call_user_func_array(Object(Closure), Array) #2 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AbsBaseAp->__call('outputBufferCal...', Array) #3 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->outputBufferCallbackHandler('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #4 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-includ in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 360