من فضلك أنقذني

بقلم/
مصر : ۳-۲-۲۰۱۱ - ۷:۱۵ ص - نشر

لم أضحك في سعادة على نكته كوميدية أو تعليق يبعث على الابتسام تم إطلاقه على الثورة التونسية، فإنه وللأسف الشديد قد انتشرت على صفحات بعض المدونات ورسائل المحمول الهاتفية، بعض الجمل والعبارات والرسائل يظن صانعوها أو مرسلوها أنهم بذلك يصدرون البهجة لأصدقائهم أو حتى لأناس لا يعرفونهم.

لم يعجبني ـ وذلك رأي شخصي بحت ـ أن يتم التلاعب بالألفاظ حيث أن الشعب التونسي اختار الثورة و شعب آخر اختار شيء آخر، أو أن الشعب التونسي أراد الحياة فوجدها وشعب آخر بحث عن حياة أخرى فوجدها في مكان آخر، كلا.. لم تنتفض تونس لكي يكون ذلك إلهاما كوميديا، يصنع الضحك وتعلو معه القهقهات، لم تشتعل النيران في أجساد التونسيين ليضحكوا أناس آخرين.

لم َ الاستهزاء برمز وعمل وقيمة وفجر وأمل وثورة؟ في وقت جبلنا فيه على الخنوع والخضوع والاستسلام, ناهيك عن الفرقة والتشتت والانقسام، أيعز علينا أن نتحد حتى في المشاعر، حتى في رد الفعل، قد تمتد عدوى الأمراض التي تحملها الميكروبات التي لا عقل لها ولا رجاحة، ونفشل نحن المخلوقات التي تتميز بالعقول أن نعقل ونستفيد ونعي، يقدم التونسيون أرواحهم ويتبادل أبناء الوطن العربي النكات حول ما فعلوه وما قاموا به، احترق من احترق ومات من مات واستشهد من استشهد وفر من فر وثار من ثار ونال الحرية من نال، و مازال الباقون يطلقون النكات ويؤلفون التعليقات، وكأن من يفعل هذا قد تمكن مما فعلته تونس من عشرات السنين، وها هو الآن مسترخ الأعصاب وهادىء البال يطلق "الإفيهات" و يجلجل الضحكات.

كثير من كلمات الثناء والإعجاب انطلقت في الآونة الأخيرة فيما يخص الثورة التونسية، وكم من مرة قرأت أبيات من الشعر التي تمدح شعبا أراد الحياة، وقد شعرت مثل أي عربي بالأمل في غد طالما هذا النموذج واقعا حاضرا بين أيدينا، وقد كنا نتابع تداعيات الموقف هناك في عشية وضحى، ولا سبيل للعجب حينما تكون الأسباب نفسها سبب شرارة الثورة في أي مكان.

فالحاجة للعمل مدعاة للثورة، والحاجة للغذاء مدعاة للثورة، والحاجة للدواء مدعاة للثورة، والحاجة للشعور بالآدمية مدعاة للثورة، والحاجة للاحترام مدعاة للثورة، والحاجة للكرامة مدعاة للثورة، وكم من لطمات تلطخ الأوجه بالدماء، و يتكرر اللطم بصورة يومية في كثير من البلاد، على من لا ظهر لهم ولا حول لهم ولا قوة لهم، وكم من بصقات تنهمر على كل من يقف أمام الظلم والتجبر، وينادي بأعلى صوته ليطالب بأقل حق من حقوق الحياة و هو حق الحياة ذاتها.

وليس أقل من أن تنفجر أي قنبلة من تلك القنابل في أي مكان طالما تم انتزاع فتيلها، وليس أقل من أن تحرق نيرانها من تطوله و لا تفرق بين أي قيمة سيادية أو مكانة سياسية، فإذا ما اشتعلت ستحرق الجميع بلا استثناء وبلا أي فرصة للنجاة، فتنكشف كل الأوراق وتسقط كل الأقنعة وتتكلم الحقيقة بلسانها وينصب الحق ميزانه، فيحاسب المخطىء على كل خطأ، ويجازى الباطش جزاء كل بطش، وينكل بكل باصق أشد أنواع التنكيل، فيصب الحق حمم عدله على كل ظالم، فتقتص منه كل قصاص وبلا أدنى رحمة، ولن يجد المسيء ساعتها من يرحمه أو ينقذه، كما لم يقدم هذا في وقت ذي قبل.

بهدوء وبدون عصبية زائدة وبلا انفعال قد يضر قبل أن ينفع، ليس بإشعال النار في الأجساد تكون الحلول، ولكن من ناحية أخرى لا يوجد أدنى داع لمزيد من التصريحات المبالغ فيها خصوصا في هذا التوقيت، و قد تابعنا بعض الحالات في بعض بلاد الوطن العربي، وتابعنا أغلب ردود فعل وتصريحات السادة المسئولين التي تزيد اللهب ولا تطفئه، فهذا مسئول يستبعد أن يحدث في بلده ما حدث في تونس، أي مسئول هذا؟ يكاد الجزم يشير أنه لا يدري ما هو مسئول عنه، وأي عظم لحجم هذه المسئولية.

بل و يطل علينا مسئول آخر في بلد ثان يستهزيء بمن يشعل النار في جسده، فلن يفلح هذا في أن يكرر التجربة التونسية، أي مسئول هذا الذي يصدر هذه التصريحات، إن كان عن جهل بحال بلده فتلك مصيبة، وإن كان يقول هذا عن علم فتلك مصيبة أكبر، تبت يدا كل مسئول كان في إمكانه أن ينقذ بغلة من أن تتعثر لأنه لم يمهد طريقها، تب لسان كل متحذلق لا يعي أي مردود لكلام المفترض أنه مسئول عنه ويتمادى في حذلقته، بدلا من أن ينقذ من هم في مسئوليته، إذا به يزيد ألامهم وثورتهم، المفترض ألا ننتظر الحريق لكي نطفئه ولكن أن نؤمن المحيط كله من أن تندلع فيه النيران، ونستفيق على جثة إنسان محروق ظل كثيرا يصرخ.. من فضلك.. أنقذني.

صلاح عبد الله الباشا الإمارات

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك