الكرامة من وراء الجدار

بقلم/
مصر : ۳-۲-۲۰۱۱ - ۷:٤۹ ص - نشر

كنت مخطئاً حينما ظننت أن مصير جدتي هو الرقود على سرير المرض لما تبقى من عمرها، لم أكن أتخيل أنها قد تموت قبلي، وبما أن من فرط حبي لها كنت أتمنى أن يؤخذ من عمري ويُمد في عمرها ولا يأتي علي يوم أعيش فأراها وقد ماتت، أو أكفنها وأدفنها بيدي، فأعيش من بعدها بلا بعد، ولا يغنيني عن غيابها أي شيء، فبعدها الموت أهون، وبالموت يهون كل شيء.

كانت أفكاري تلح علي أنني اقتصرت بآمالي على الجلوس بجانبها فقط، وتقديم الورود طمعاً في بسمة واهنة من شفتيها الباهتتين، أو حتى لكي أدخل عليها البهجة ولو لثواني معدودة في غمرة يومها الطويل، لم أكن أملك إلا الدعاء لها بسرعة الصحة وتمام العافية، وكذلك الدعاء لأبنائها وأخواني بأن يبتكروا لها دواءا شافيا يبرئها من كل داء.

و في صبيحة يوم سعيد من أيام الدهر التي لم أرها إلا نادرا في حياتي، أهتز هاتفي المحمول وهو على وضعه الصامت منذ أمد بعيد، فشعرت به يرتجف من فرط ما سيلقيه على مسامعي من أنباء، فمسكت به و قلبي يهتز بصورة أكبر من اهتزازه في يدي، و لم أدر هل ترتجف يدي من لهفتي أم من طبيعة ضبط الهاتف.

وفتحت الخط وأرهفت السمع، إنه أحد أحفاد جدتي، واحد من إخواني ومن شدة انفعالي تاه اسمه من عقلي، لكن الصوت أعرفه كأنه مني، بل هو أخي، وسمعت النبأ السعيد ومن خلال سماعة الهاتف، حيث كان الصوت جليا واضحاً، لدرجة أنه أسمع جدتي في فراشها، فانفرجت أساريرها بدورها للكلمات الخالد،, وجدنا دواء جدتنا.

صرخت في سعادة بلا أي شعور، من فرط الفرحة التي شعرت بها، لهذا الخبر العظيم، الذي سمعته بعد غياب، وبكل جهد سيطرت على كل انفعالاتي حتى لا أؤذي جدتي، وطلبت من أخي أن يأتي على الفور، لكي تأخذ جدتنا الدواء، فيتم لها الشفاء، إن شاء الله، وجلست في مكاني برهة، ولم احتمل فوقفت مرة أخرى، وأخذت أقطع الغرفة جيئة و ذهابا، أنظر لساعة الحائط مرة، وألقي نظرة من النافذة مرة أخرى، أمرر يدي على رأسي، و أحك كفي بكفي.

وفي الواقع لم يمر وقت طويل، لكنه مر علي كساعات طوال، وفجأة سمعت صوت يأتي من فناء المستشفى، وكأنه كلام بصوت مرتفع ما لبث أن تحول لما يشبه النقاش المحتد، فنظرت من نافذة الغرفة، فوجدت أخي و معه بعض أقاربي واقفين على باب المستشفى وحراس الأبواب يرفضون دخولهم، بحجة أن الوقت ليس ميعاد للزيارة، وغير مسموح بالدخول.

قام أخي بشرح الأمر أنهم قد أتوا بالدواء المطلوب والذي لا يتوافر بداخل المستشفى، فرفض الحراس بإصرار اكبر بل واستدعوا كل الحراس الموجودين بالداخل لكي يخرجوا ويواجهوا أخي ويمنعوا الدواء عن جدتي، ولم يشفع هذا أيضا بل زاد الأمر سوءا, وأصروا على رد من أتى من الأهل والأقارب، فاستنجد أخي بكل من يعرف، واحتدمت المواجهة، واعتقدوا بالخطأ أن ما لم يتم التفاهم فيه بالمنطق، سيتم الموافقة عليه بالقوة، ولكن هيهات، هذا ما لم يدركه الحرس جميعا أنني و أهلي وجميع من نعرف، كالذهب، لا يشتد بريقه إلا بعد مروره على النار.

لم يصمد الحرس أمام جحافل من جاء بالرجاء في شفاء جدتنا، وتقدم أحد أخواني في سرعة شديدة، ودخل الغرفة محتضناً قارورة الدواء، عرفته جدتي على الفور و نادته باسمه واسم أبيه، فابتسم في خجل حيث أنه قد مضى فترة من الزمن لم يسأل عليها، ولكنه لم يستطع أن يمنع نفسه شرف علاجها، فاعتدلت في هدوء وناولها الدواء في رفق، فما أن ابتلعت رشفة واحدة منه، وكأنها المعجزة تحدث أمام عيناي، شعرت كأنني أنا الذي أشرب، فها هو الترياق يختلط بريقي، طعمه حلو، ويسير في تؤده من خلال أجزائي وأحشائي.

ها هو الدواء يسري في دمائي، أشعر بخلاياي يدب فيها النشاط, وأرى بعيني لون بشرة جدتي الباهت وقد بدأ يتورد رويدا رويدا، أشعر بها وأرى بعيني ما ينتابها، فسألت نفسي هل كنت أنا العليل أم هي؟ وما لبثت إلا دقائق معدودة حتى اعتدلت جالسة ثم استدارت لتطأ الأرض بقدميها فكأن الأرض تتزلزل تحت أقدامها، لم أساعدها، بل بمفردها خطت خطوة تجاه النافذة لتلقي التحية لمن جاءها بالدواء وتكبد العناء في مواجهة الحرس العنيد.

وأطلت كأن النور يأتي من بين يديها ونظرت كان الأمل استقر بناظريها وتعالت أصوات الفرح والهتاف من جميع الحاضرين بالفناء، وجدتي ترد لهم التحية في ود غامر و كأنها تحتضنهم بنظراتها، وافتقدت رؤية أخي بينهم فهي تعلم أنه أول من جاء بالدواء، فرفعت يدها، و فجأة سكت الجميع، فسألت أين هو، فإذا بجسده مسجي في مدخل الفناء، وبلغة العيون نظرت للسماء، ثم طلبت قارورة الدواء، فناولتها إياها، فلما استقرت عيناها على اسم الدواء لم تندهش أن يضحي أخي بحياته لكي يوصله إليها..

صلاح عبد الله الباشا الإمارات

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

4 تعليقات

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك