إستجاب القدر يا أبا القاسم

بقلم/
مصر : ۲۰-۱-۲۰۱۱ - ۷:۵۵ ص - نشر

إستجاب القدر يا أبا القاسم لأن شعبك يحب الحياة..

مئات الألوف يا أبا القاسم، التي تربت على وقع كلماتك الخالدة، والتي أطلقتها من مصحتك التي كنت تـًعالج فيها في "عين دراهم" قبل نيف وثمانين سنة، خرجت وجابهت الرصاص وانتصرت عليه. أبناؤك يا أبا القاسم الذين لم تنجب أيا منهم، لكنهم جميعا كونوا وعيهم على يديك، قرروا صعود الجبال لأن الذي لا يتحدى الصعاب "يعش أبد الدهر بين الحفر".

قم يا أبا القاسم استقبل شعبك العظيم الذي انتفض لكرامته وعزة نفسه وقرر أن يعانق الحياة لأنه لا يريد أن "يتبخر في جوها ويندثر". أنظر الألوف المؤلفة في شوارع بوزيد والعاصمة وصفاقس والقصرين ونابل وسوسة وحلق الواد وهي تردد معا نشيد الحياة الخالد الذي تعلمناه في مشارق الوطن العربي ومغاربه منذ طفولتنا. إنظر إلى سواعدهم المتشابكة وهي تهتف يا أبا القاسم للحرية كما علمتهم وبثثت فيهم دروس التحدي والتغلب على الصعاب عندما قلت لهم إن الذي يطمح إلى غاية يركب "المنى وينسى الحذر".

ولأن هذا الكون حي ويحب الحياة و"يحتقر الميت مهما كبــر". ها هم يرفعونك شعارا يا أبا القاسم، يا من تركت كل هذا التراث وقضيت وأنت في الخامسة والعشرين، ويضعونك تاجا على رؤوسهم وسيفا في أياديهم وصرخة ضد الظلم في حناجرهم ودرعا يقيهم من رصاص رجال أمن النظام البائد. كم رددت الجماهير العربية يا أبا القاسم تلك الكلمات القوية التي تهز الجبال وهي تكافح ضد الاستعمار والكولونيالية والكيان الاستيطاني الإحلالي التفريغي.

بارك يا أبا القاسم للشهيد محمد البوعزيزي الذي أطلق الشرارة التي حركت البلاد فنزلت الأيادي العارية لتناطح المخارز المدججة ولتضع حدا لتغول نظام الفساد والقهر وكتم الأنفاس وخنق الحريات وتحويل البلاد إلى منتجع لسيّاح أوروبا ليجني وعائلته كل العوائد. خرجت جماهير الشعب "تدمدم أصواتها بين الفجاج وفوق الجبال وتحت الشجر".

تلك السواعد العارية يا أبا القاسم خرجت للتحدى غير آبهة "بوعور الشعاب ولا كُبة اللهب المستعر" المنطلقة من بنادق النظام البائد. تلك الجموع الشجاعة البسيطة الفقيرة المهمشة المظلومة لم تتهيب "ركوب الخطر" رغم معرفتها بشراسة حراس القتلة والفاسدين. لقد كان هدير كلماتك الخالدة يا أبا القاسم يشحن الهمم ويدفع بآلاف جديدة للانضمام إلى الحشود كل يوم حتى بدأ الميزان يميل لصالح "أهل الطموح" ولمن "يستلذ ركوب الخطر" لأن هذا الأفق، كما قلتَ لهم، " لا يحضن ميت الطيور" ولأن النحل "لا يلثم ميت الزهر".

الآن أعود بالذاكرة يا أبا القاسم وأنا أقف بإجلال أمام تمثالك الصغير في مدينة توزَر بالجنوب التونسي بوابة الصحراء الكبرى قبل أن تغزوها فنادق الخمسة نجوم، حيث تعرفت يومها على البيئة النقية غير المشوهة التي رضعت منها حليب الحرية وصلابة الموقف ونقاوة اللغة وصدق المشاعر. تخيلت يومها أن يوضع تمثال كبير لك بيدين مفتوحتين فوق آثار قرطاج أو في أعلى نقطة في قمة الجبل في بلدة "سيدي بوسعيد" لينظر بحنو إلى منطقة العاصمة الكبرى التي تتكئ على شاطئ المتوسط مثلما يفتح تمثال المخلص عيسى بن مريم يديه فوق مدينة ريو دي جانيرو. كم أتمنى أن تتحقق هذه الأمنية فمن يستحق غيرك أن يكون رمزا لتونس الخضراء، المناضلة الشريفة التي أعادت للعرب شيئاً من كرامة أهدرها هؤلاء الحكام الفاسدون.

لقد حطم هذا النظام كل الأرقام القياسية في قمع الحريات وكتم الأنفاس إلى أن انفجرت في وجهه كلماتك التي أطلقتها الجماهير مدوية فرمت بالدكتاتور ونظامه البوليسي إلى مزبلة التاريخ. لقد تمادى النظام البائد في خنق حرية شعبك الحر فحسب عليهم أنفاسهم وتدخل بين الإنسان وتفكيره وقراءاته وصداقاته وهاتفه وسفره ولباسه وصلاته وصيامه وغنائه. ولا زلت أذكر فرقة موسيقية غنائية تدعى الحمائم البيض قدمت أغنياتها في مؤتمر لحقوق الإنسان في مدينة الحمامات عام 2002 بحذر شديد حيث كان بعض أعضائها قد خرجوا من السجون مؤخرا لأنهم لا يسبحون ولا يحمدلون بفضائل النظام. هذا ما جناه على نفسه وها هو يشرب من كأس الذل التي جرّعها للشعب التونسي لمدة 23 عاما.

من الشاه المخلوع إلى بن علي المطرود:

غريب أمر هذه الأنظمة البالية. لماذا لا تتعلم من التاريخ؟ ألا تشاهد بأم العين ما هو مصير الحاكم الظالم الفاسد وكيف أن أنظمة الظلم والقهر والقتل لا يمكن أن تنتصر على إرادة الشعوب؟ قبل 32 سنة، بالضبط وفي 16 كانون الثاني (يناير) عام 1979، هرب شاه إيران من طهران ولف الدنيا ليجد له مقراً نهائياً بعد أن تخلى عنه حلفاؤه الأمريكان فلم يقبل به إلا نظام أنور السادات في مصر.

ويا للمفارقة، في نفس الذكرى تقريبا يهرب دكتاتور تونس بعد انتفاضة جماهيرية عارمة فلم يجد له مأوى بعد أن تخلى عنه حلفاؤه الأساسيون في فرنسا ورفضوا استقباله بل وطالبوا أعضاء زبانيته من مغادرة البلاد كذلك، فلم يجد له مأوى إلا في نظام عربي سلطوي آخر في السعودية. كم أهينت مصر عندما استقبلت الشاه المخلوع وكم أهينت أرض الرسالة عندما قبلت أن تكون الملاذ للشاه التونسي المخلوع.

حقيقة أتمنى ألا يتعلم هؤلاء الحكام شيئا من هذه التجارب لأنهم لو تعلموا لأصبحوا أكثر خداعا وقدرة على البقاء. نريد لهذه التجربة الجميلة الحضارية أن تعمم وأن تنتقل عدواها من بلد إلى آخر لتكنس كافة هذا الطاقم من الحكام المكروهين المنبوذين من شعوبهم، طاقم من الحكام غير الشرعيين الذين لا علاقة لهم بهموم الناس ومشاعرهم وآمالهم وآلامهم. لذلك لم نر حاكما واحدا حقيقة يعلن تضامنه مع الشعب التونسي بجدية وعلنا. بل تمادى أحد هؤلاء الديناصورات بإهانة الشعب التونسي وثورته المباركة بأن تمنى لو بقي بن علي رئيسا لتونس مدى الحياة. هل هناك استخفاف بمشاعر الشعوب أكثر من هذا؟

الخوف يا أبناء تونس الأحرار أن يتم الإلتفاف على الثورة وأن ينصب طرف واحد وصيا على الثورة وتـٌقصى أطراف أخرى. إننا ننتظر أن تصل الثورة إلى مبتغاها النهائي في بناء تونس الدولة النموذج: دولة الحريات والتعديدية وحرية التعبير وحرية التجمع وحرية الدين والمعتقد وسيادة القانون وتمكين المرأة وتداول السطة عن طريق انتخابات حرة وعادلة وشفافة ومراقبة دوليا. لا نقبل بأقل من هذا من تلاميذ أبي القاسم الشابي الذي بشرنا قبل أكثر من ثمانين عاما بأن الشعوب التي تريد الحياة لا بد أن تنكسر أمام إرادتها كل القيود.

عبد الحميد صيامأمريكا
أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في منطقة نيويورك

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك