من فضلك أغـثـنـي

بقلم/
مصر : ۲۰-۱-۲۰۱۱ - ۷:۳۵ ص - نشر

انخنق الصوت ولم يعد قادرا على الهتاف، وانكتمت الآهات ولم تعد قادرة عن مجرد التعبير عن الوجع، فلقد رحل النهار من وقت طويل، وكل ما يحيط بالمكان الآن ضباب ودخان كثيف وليل بهيم، وكابوس مخيف، انحشر الهواء في الحناجر ولم تعد في استطاعتها أن تصيح أو تزعق أو حتى ترفع أدنى مستوى للصوت، فلقد انكتم الصوت، وتم حبسه أو هكذا على ما يبدو يتم قمعه بلا رأفة أو رحمة.

غلى القدر بما فيه ومن فيه وبلغ حد الغليان والفوران وطفح الإناء بما يحوي، طفح على كل حد، وصل إلى أبعد حد، حد الخلاص من الحياة وحد الانتحار وحد الانفجار، يحتضر الصوت في مشهد مسرحي ممتد الزمن فيما يقرب من خمسين سنة، أو تزيد أو تقل لا يهم عدد السنين، المهم أن الصوت ظل يخفت ويخفت حتى انتهى به المطاف على يد من هم المفروض حماة أبواقه، وميكروفوناته، فبدلا من أن يتضاعف مداه ويدوي، وبدلا من أن تتعاظم شدته فيصعق، وأدوه في رمال القهر والخوف، دفنوه في مقبرة الجبن وأهالوا عليه التراب، وسهروا يحرسون مقبرته وشاهد قبره، بل ظلوا يتربصون بمن يريد أن يدنو لينبش التراب، لكي يخرج رفاته من غياهب اليأس، كي يقتلوه بيد باطشة عتية عديمة الإحساس.

وإذا كان هناك عجز لتلك الأيدي أن تغتال مريدي إنقاذ الصوت، فليسلطوا أسواطهم بكل دقة وقوة عليهم وعلى أنفاسهم لتجلدهم قبل أن تنقذ ما لا يجب إنقاذه، ليظل الصوت راقداً دفيناً مخنوقاً، وكأني أسمع الصوت يستغيث بأوهن نبرة من الممكن أن تسمعها، فالمستغيث هو الصوت العربي.

مات الضمير في داخل من هو مسئول عن الحياة، ومن هو حاميها وساهر على أمنها وسلطانها، والعجيب أنه كلما استحوذ على سلطة أو نفوذ أحيا حياته نفسها بأن اغتال حياة ضميره، فاستمد من احتضار قلبه ما ضمن الحياة لجوارحه، فاستطالت وطالت، وتكونت له رؤوس متعددة، وأذرع عديدة، وكفوف كثيرة، وأصابع أكثر، وكلما كثرت أعضاءه زادت قوته، وكلما طالت أياديه، بلغ درجة أعلى، وحيا حياة أكثر، ودهس ببطش أكبر، ومات ضميره أكثر وأكثر، وتجاهل من يسأله الحياة بأذن أشد صمماً من الحديد المصقول، قام بتخدير كل حواسه ليتعامى عمن يمد إليه يد السؤال، أو من يجرؤ ويرفع عينيه ويطلب الحياة، بل وسخر زبانيته للقضاء على الجميع فقتل رجالهم واستحيا نسائهم، لمزيد من ضمان الحياة لنفسه على كل الأشلاء.

ولا يشعر أنه بذلك قد أذنب، فلقد امتص دماء القاضي في نفسه، ليحكم على الكل حكما مسبقا أن الكل مذنب ولكل جانٍ والكل عاصٍ, والجميع من الواجب قتلهم والعيش على دماء أرواحهم، فلابد أن يموت الكل حتى يعيش هو، ينعم بترف العيش على موسيقى أنات العذاب، ويرقص رقصة النشوى على جثث من تجرأوا وعصوه، وتجنوا عليه بأن طلبوا أكثر المطالب بشاعة وهو حق الحياة لأنفسهم، وإذا بالكل يمصمص شفتيه في أسى على الضمير الميت، ولكن هيهات لم يمت بعد، هناك رمق الحياة في ضمير أسمى من ضمير الغول المسئول، ضمير آخر.. واهن صحيح ولكنه موجود ويطلب الغوث، وكأني أستشعره يستغيث بأوهن نبرة من الممكن أن تشعرها، فالمستغيث هو الضمير العربي.

أحاول أن أرى أي نصف ممتليء لأي كوب يمر أمام ناظري، وأحاول دوماً التشبث بأدنى درجات الأمل والنجاة في أحلك الليالي ظلمة، وما ظهر من علامات ودلائل، حرك غيمة داكنة في سماء ملبدة بالغيوم، فتلألأت نجمة واحدة بأمل ماسي البريق، ألا وهو أنه مازال هناك قلب ما ينبض، مازال هناك صوت ما يأتي من خلف الحجب، وضمير ما لم يمت بعد، وكيان.. هو عجوز في قوته ولكنه شاب في أمله، فالحراك ها هنا، وها هو هناك، نعم يسقط الضحايا ولكن تتعافى الهمة، تموت الأجساد ولكن تعيش الأسماء والأرواح والكيان، ذلك الكيان الذي يستمد هيبته من فرض شخصية العدل والعمل، وإبهار البشرية أجمعها بإسهامات تدفع بعجلة الزمن إلى الأمام، بل تأتي بالمستقبل قبل الآخرين لتجعله حاضرها وحالها.

فعلى كل منا في موقعه أن يبذل أقصى ما يمكنه لإعلاء الصوت العربي، ولإنقاذ الضمير العربي ولإعادة الهيبة للكيان العربي، الوقت يداهم من يقف ساكنا بلا حراك، والحراك بالفعل قد بدأ وبصورة عنيفة شديدة، فلتزين حراكك بالهدوء والروية، ولتتخذ مكاناً لقدمك حتى لا تزل، فلنتفاعل مع بعضنا البعض ولنسعى للإتحاد مع بعضنا البعض، ونتحد ضد من ماتت ضمائرهم، وضد من أراد لأصواتنا الخنق والكتمان، ولنرهف الأذان ونستعد لإنقاذ أصوات تطلب النجدة، وضمائر تطلب العودة للحياة فترجونا في أمل.. من فضلك.. أغثنني.

صلاح عبد الله الباشا الإمارات

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

3 تعليقات

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك