إستهداف كنيسة القديسين ضربة للعالم العربي

بقلم/
مصر : ۲۰-۱-۲۰۱۱ - ۷:٤۰ ص - نشر

لقد اهتز عرش "الاسكندرية" العتيق بأصوات التفجيرات الإرهابية التي استهدفت كنيسة القديسين بمنطقة سيدي بشر بمدينة الإسكندرية صباح السبت 1 يناير 2011 في الساعة 12:20 عشية احتفالات رأس السنة الميلادية، مسفرة عن وفاة العشرات من الضحايا.

هذا العمل الشنيع اختزلته في ثلاث كلمات: بأنه عمل إرهابي وإجرامي ولا إنساني. إنه عمل إرهابي لأنه يهدف إلى بث الرعب في صفوف أبناء الوطن الواحد وإنه عمل إجرامي لأن من قام به مجرم وليس شهيداً كما يدعي بعض المتطرفين ولا إنساني لإن من قام به مشكوك في إنسانيته.

إن الصراعات الطائفية ليست جديدة للأسف في عالمنا العربي، فقد عاش لبنان ذو الـ18 طائفة حروبا أهلية كثيرة، لعل أبرزها مجازر 1860-1864 بين الدروز والموارنة، وأحداث 1958 الدامية: بين الدروز والمسلمين السنة من جهة والمسيحيين والشيعة من جهة اخرى، ثم الحرب الأهلية الطاحنة التي دامت لاكثر من 15 عاماً (1975-1990) فانقسمت بيروت ولبنان معها، إلى منطقتين عرفتا بالمنطقة الشرقية وأغلبها مسيحيون، والمنطقة الغربية التي كانت مختلطة مع أكثرية إسلامية. وبسبب التقسيم والفرز كان المسيحي يقتل على الحاجز المسلم ويقتل المسلم على الحاجز المسيحي.

وانتقلت العدوى الى السودان حيث عدد ضحايا العنف الطائفي لايعلمه إلا الله، ومعظم الضحايا من الجنوب المتعدد الأعراق والملل والأديان، وكل جرائم القتل وللأسف تمت تحت شعار "وحدة وسلامة أراضى السودان". وعند الحديث عن السودان يجب استحضار مآسي ثورة جنوبه التي استمرت خمساً وعشرين سنة، وحتى الآن لم يحسم الوضع بعد (الوحدة أم الانفصال). ثم انتقل الصراع إلى دارفور غرب السودان بين قوى محلية والسلطة المركزية وميليشياتها المسلحة.

وجاء دور العراق حيث التفجيرات الطائفية والدينية والسياسية، ولعل من أخطر الاحداث هو استهداف تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين لكنيسة سيدة النجاة للسريان الكاثوليك الواقعة في منطقة الكرداة وسط بغداد في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) 2010 وتهديده للكنيسة القبطية في مصر بنفس المصير.

وللأسف تحول هذا التهديد الى كابوس مرعب استيقظت على اثره الحكومة المصرية من سباتها العميق، بعد ان تحولت أجسام الأقباط إلى أشلاء. إنه تقصير أمني غير مبرر من بلد بحجم مصر، فقد كان على الدولة القيام بالاجراءات الأمنية اللازمة عند تلقي التهديد وأخذه بعين الاعتبار. إن الحوادث تتكرر وتتطور بشكل أوسع وأعقد، فالبداية كانت حرق وتدمير بيوت ومحلات الأقباط (الزاوية الحمرا 1981) تلتها أعمال عنف واضطرابات أخرى في حادثة الكشح جنوب مصر (31 ديسمبر 1999)، ثم حادثة نجع حمادي التى وقعت ليلة عيد الميلاد السنة الماضية (6 يناير 2010).

والمثير في الأمر أن هذه ليست المرة الاولى التي تستهدف كنيسة القديسين، فقد قام أحد المتطرفين بالهجوم على الكنيسة بالسلاح الأبيض مما أسفر عن وقوع قتيل وبعض الجرحى فى يوم جمعة ختام الصوم الأربعينى (14 إبريل 2006) لكن وزارة الداخلية المصرية أصرت على ان الجاني يعاني من "اضطرابات نفسية" رغم أنه هاجم 3 كنائس بينها مسافات ليست قصيرة وفي مناسبة دينية محددة، وهذا يعني أن الوقائع على الأرض لا تخدم هذه االمقولة الرسمية! ولست أدري ماهي المبررات التي ستقدمها مصر بعد تفجيرات الاسكندرية الأخيرة، فالمضايقات لم تعد كلامية او بالهراوة أوالسلاح الأبيض بل أصبح الهجوم بالمتفجرات.

لهذا أقول إن الأمر خطير ويستدعي من الدولة تقديم تحليلات موضوعية مقنعة للمواطنين كي لا تتهم بالتقصير، وأن تهتم بجذور المشكلة وطرح برامج هادفة لحل إشكالية التطرف. ولتحقيق هذا الغرض على مصر ان تقوم بتعديلات دستورية تتماشى مع القانون الدولي خاصة المادة 5 للإعلان العالمي لحقوق الانسان والتي تنص على "إزالة خانة الديانة من كل الهويات الشخصية والأوراق الرسمية وغير الرسمية وتجريم من يطالب بمعرفة دين الآخر". حيث لا يوجد مبرر مقنع لوجودها في الأساس، فالقبطي مصري قبل ان يكون مسيحياً. وكلمة قبطي لا تنسب لديانة معينة فهي مشتقة من الكلمة اليونانية "اجيبتوس" والتي تعد أول عاصمة لمصر القديمة. وهذا اذا دل على شيء انما يدل على مدى قدم وعراقة الأصل القبطي وبأنهم السكان الأوائل لمصر القديمة قبل دخول الاسلام لبلد الفراعنة.

واذا كانت الحكومة المصرية حقاً تخاف على الوحدة الوطنية وتريد تعزيز مبدأ التعايش والمواطنة بين أبناء شعبها، فيجب عليها احترام وتطبيق ليس فقط القانون الدولي بل القانون المصري خاصة المادة (40) "المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون فى الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم فى ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة." والمادة (46) "تكفل الدولة حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية." وفي المقابل الغاء المادة الثانية من الدستور المصري التي تنص على أن (الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع فيها) لأنها ببساطة تتناقض مع المادتين 40 و46.

فالتغيير الحقيقي يبدأ من النصوص وهذا ما ذكرَ بهِ نبيه بري في مؤتمرٍ صِحافي، قائلاً "لو انتظرنا ان تذهب الطائفية من النفوس قبل إلغائها من النصوص لانتظرنا الى الأبد". هذا بالاضافة الى نشر التوعية وقيام الدولة بشكل رسمي بمراجعة المقررات الدراسية خاصة منها الدينية، فتعليم التطرف واللاتسامح، في اعتقادي، أكثر خطورة من الإرهاب نفسه.

ويا حبذا لو وضعوا شروطا للامامة, فليس كل من يعرف حرفأ او كلمة في القران ينصب نفسه ولي أمر المسلمين، فبعض الائمة والحق يقال، لا يعرفون القراءة والكتابة لكن خبراء في فن التحريض على القتل والعنف كالقول في المنابر (اللهم اقتل النصارى والمشركين…) وخصوصا في حالة مصر (وجود جامع أمام كل كنيسة). بالله عليكم ما هو إحساس اي مسلم اذا سمع دعاء في كنيسة يقول: اللهم اقتل المسلمين جميعا؟  إن المساجد أماكن عبادة وذكر الله ولا يجب ان تستخدم لأي غرض اخر.

لقد أكد تقرير لجنة الحريات الدينية في الكونجرس الأمريكي لسنة 2010 أن سجل مصر في مجال حقوق الإنسان ضعيف للغاية، حيث ترتكب الدولة العديد من الممارسات القمعية وتنتهك حرية الفكر والتعبير إضافة إلي قمعها حرية ممارسة الشعائر الدينية. ان المقترحات التي تم طرحها كفيلة ليس فقط للتخفيف من الاحتقان الداخلي بل ولتحسين صورة مصر والاسلام في العالم. وتطبيقها (او على الأقل طرحها بشكل موضوعي) سيشجع المواطن المصري على التمسك بمبدأ المواطنة لا مبدأ الطائفة أو العرق أو الحزب أو العشيرة.

فالحل الأمني وسلسلة الاعتقالات العشوائية ليس حلا للقضاء على الارهاب، لأن الحرب على الارهاب هي حرب أيديولوجية وليست بالضرورة عسكرية. وإذا لم تقم الحكومة بطرح تغييرات جدية لن يبقى أمام القبطي الا تغيير الهوية كي يعيش في سلام، وهذا ما يحدث بالعراق، فقد قرأت مقالا تحت عنوان "الحرب الأهلية في العراق مكيدة دموية شريرة" يقول صاحبه إن في العراق عندما لا يعيش للشيعي أولاد يسمي مولوده الجديد باسم السنّي والعكس صحيح.

لأن كليهما يعتقد أن تسمية مولوده الجديد باسم محبّذ لدى الطائفة الأخرى يضمن له الحياة، ولا نريد ان يحدث هذا بمصر حيث يتحول جورج الى مصطفى! فمصر عرفت بالتعايش والتسامح وتكوينها العرقي سابق علي تكوينها الديني، حيث الأساس القاعدي لسكان مصر أسبق من المسيحية بأكثر من ‏3200‏ سنة، ومن الإسلام بأكثر من ‏4000‏ سنة، علي أقل تقدير‏، كما جاء في أصول الوحدة الوطنية بقلم د‏.‏ طه عبد العليم. لهذا يصح القول بأن الأقباط من صميم الكيان الوطني المصري، وكتلة رصينة رصيفة من جسم الأمة المصرية.

وأخيرا أقول إن عالمنا العربي مستهدف ومهدد بالانقسام وقلبه النابض مصر قد يتوقف في أية لحظة فتضيع ويضيع معها الحلم العربي. فحادث كنيسة الاسكندرية لن يتسبب فقط في تمزيق الوحدة الوطنية بمصر لكن هو ضربة قاضية للقومية العربية بشكل عام. لست من المؤمنين بنظرية المؤامرة التي تقول إن اسرائيل وراء هذا العمل الشنيع، لكنني أقول إن الضعف العربي قد يضمن الأمن الاسرائيلي وهذا لا يعني في النهاية أن اسرائيل هي دائما المسؤولة عن تجاوزات حكوماتنا، فالتحليل الموضوعي يجب ان يكون موثقا. ثم لماذا لا نفترض انه تآمر عربي عربي خصوصا بعد تسريبات وفضائح ويكيليكس.

وبعيدا عن التخمينات والنظريات أقول إن على مصر أن تتحمل مسئولية التقصير وتبرهن عن حسن النية والغيرة عن الوحدة الوطنية بالقيام بالاصلاحات اللازمة. أما عن القاعدة فانا أقول إنها منظمة إرهابية هدفها ليس فقط تفتيت الوطن العربي بل تشويه صورة الاسلام والمسلمين. لهذا فعلى كل مسلم صالح أن يتصدى للإرهاب والتطرف ويدعو للتسامح والتعايش في سلام مع باقي شعوب العالم.. فالدين لله والوطن للجميع.

وديان حمداش المغرب

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

Leave your vote

0 points
Upvote Downvote

Total votes: 0

Upvotes: 0

Upvotes percentage: 0.000000%

Downvotes: 0

Downvotes percentage: 0.000000%

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق



Hey there!

Forgot password?

Don't have an account? Register

Forgot your password?

Enter your account data and we will send you a link to reset your password.

Your password reset link appears to be invalid or expired.

Close
of

Processing files…

أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك

Warning: mkdir(): Disk quota exceeded in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 321

Fatal error: Uncaught exception 'Exception' with message 'Cache directory not writable. ZenCache needs this directory please: `/homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/cache/zencache/cache/http/ahlan-com/2011/01/20`. Set permissions to `755` or higher; `777` might be needed in some cases.' in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php:324 Stack trace: #0 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->WebSharks\ZenCache\Pro\{closure}('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #1 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/classes/AbsBaseAp.php(55): call_user_func_array(Object(Closure), Array) #2 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AbsBaseAp->__call('outputBufferCal...', Array) #3 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->outputBufferCallbackHandler('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #4 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-includ in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 324