من سيدي بوزيد إلى سيدي بشر

بقلم/
مصر : ۱۷-۱-۲۰۱۱ - ۷:۵۷ ص - نشر

حدثان بينهما أسبوعان من الزمان وألفا كيلومتر من المكان، لكن تداعياتهما تتجاوز ما بينهما من الزمان والمكان.

١-  إطلاق شرارة الثورة التونسية التي أشعلها محمد البوعزيزي في سيدي بوزيد يوم ١٧ ديسمبر ٢٠١٠.

٢-  إطلاق شرارة التفجير الذي نفذه مجهولون أمام كنيسة القديسين في سيدي بشر يوم ١ يناير ٢٠١١.

أما شرارة الثورة التونسية، فجاءت نتيجة عقود من شعور الشعب التونسي، خصوصاً الطبقات الفقيرة منه، بالظلم والكبت السياسي وبإستمرار تجاوزات الطبقة الحاكمة وأجهزتها الأمنية. وقد أدت الثورة التونسية إلى تغيير نظام الحكم الذي إستمر ٢٣ سنة، للرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، الذي هرب من بلاده يوم ١٤ يناير ٢٠١١ إلى المملكة العربية السعودية بعد أن رفضت فرنسا وليبيا وبلاد أخرى إستقباله.

وقد أشعل الثورة التونسية الشاب محمد البوعزيزي، عمره ٢٦ سنة، والذي أشعل النار في نفسه إحتجاجاً على إستيلاء قوات الأمن على عربة يد يبيع عليها فواكه وخضروات، وعندما حاول أن يشتكي صفعه أحد المسئولين، وقد توفي البوعزيزي يوم ٤ يناير ٢٠١١ متأثراً بحروقه، رحمه الله.

ويبدو أن شرارة الثورة التونسية تحاول أن تمتد في جميع الإتجاهات:

  • فإمتدت غرباً إلى الجزائر، حيث قام أربعة شبان جزائريين بمحاولة الإنتحار حرقاً، في الأيام القليلة الماضة، للإحتجاج على الفقر والغلاء والبطالة وسوء معاملة السلطات لهم، وقد توفي واحد منهم متأثراً بحروقه.
  • وإمتدت شرقاً إلى مصر، حيث قام ثلاثة مصريين بمحاولة الإنتحار حرقاً، إثنان منهم أقدموا على الإنتحار حرقاً قرب مجلس الشعب المصري بالقاهرة، والثالث في مدينة الإسكندرية، وقد توفي متأثراً بحروقه، وكانت كل محاولات الإنتحار إحتجاجاً على الفقر والغلاء ومعاملة السلطات.
  • وإمتدت جنوباً إلى موريتانيا، حيث قام رجل موريتاني بمحاولة الإنتحار حرقاً قرب مقر الرئاسة في نواكشوط، إحتجاجاً على الأوضاع السياسية وعلى نظام الحكم في موريتانيا.
  • وفي السودان دعا زعيم المعارضة، د. حسن الترابي، إلى إنتفاضة شعبية سودانية بعد رفع أسعار الوقود والسلع الأساسية، فقامت سلطات الأمن السودانية بإعتقاله.

وأما شرارة جريمة التفجير أمام كنيسة القديسين بالإسكندرية، ليلة رأس السنة الميلادية، والتي إرتكبها مجهولون يرجح أن منهم من قتل أثناء تنفيذ الجريمة التي راح ضحيتها العشرات من الأبرياء، فإن هذه الجريمة تعبر عن محاولات خارجية وداخلية تسعى إلى إشعال الفتنة، الطائفية وغير الطائفية، مستغلة عقودا من شعور الشعب المصري، خصوصاً الطبقات الفقيرة منه، بالتهميش السياسي والإجتماعي والإقتصادي، وغياب المفهوم الحقيقي للمواطنة وهزلية الإنتخابات وإنعدام تساوي الفرص وتفشي الفساد وإرتباطه بالسلطة. ويشترك في هذا الشعور المسلمون والمسيحيون، بالإضافة إلى حالة التحفز الطائفي التي يأججها أصحاب الفكر المتشدد من المسلمين والمسيحيين.

وموضوع الطائفية في مصر يمثل نعرة غريبة وجديدة على المجتمع المصري، فعلى مر عشرات القرون عمل كل من الأزهر الشريف والكنيسة المرقسية، سوياً، للحفاظ على نسيج المجتمع المصري متماسكاً، ولم تنجح عشرات السنين من الإحتلال الإنجليزي والفرنسي وغيرهما في طمس الهوية المصرية أو تمزيق نسج مصر الإجتماعي. أما حالة التحفز الطائفي المفتعلة، فقد وجدت أرضاً خصبة في السياق الإقتصادي والسياسي الحالي في مصر.

هذا، ويجب أن لا نغفل أن هناك قوى خارجية تعمل ليل نهار لتمزيق الأمة العربية وإضعاف أكبر دولها، مصر.. ويجب أن نذكر أن الكثير من التجمعات المحسوبة على التيار الإسلامي أو على الكنيسة القبطية، هي للأسف تجمعات مخترقة، نجحت المخابرات الإسرائيلية والأمريكية والأوروبية في إختراقها وزرع العملاء والجواسيس بداخلها، وقد ذكر "طارق" المتهم بالتجسس لحساب إسرائيل أنه تم تجنيده عن طريق شخص يطلقون عليه "الأستاذ" وهو عضو نشط في إحدى الجماعات الدينية.

وأما ما يجمع الحدثين، في سيدي بوزيد وسيدي بشر، فهو:

  • إستمرار حالة الغليان والتحفز الداخلي، خصوصاً بين الشباب والطبقات الفقيرة، التي تهدف إلى تغيير الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية والسياسية الداخلية المتردية.
  • إستمرار حالة التربص الخارجي التي تهدف إلى إختراق وزعزعة المنظومة الداخلية في معظم الدول العربية، هذا إن صح إستخدام مصطلح منظومة في الشأن العربي.

ولذلك فإن عمليات الإصلاح والتغيير الحقيقية أصبحت ضرورة ملحة وعاجلة، لا يمكن تأجيلها أو الإلتفاف حولها أو المزايدة بها، ويجب أن تتم بنية وطنية مخلصة، وبهدف صالح الوطن والمواطن، وليس بهدف إستمرار إنتفاع تحالف السلطة مع رأس المال، ويجب أن تشمل عمليات الإصلاح السياسي والإقتصادي والإجتماعي. فما سمعناه عن تجاوزات أسرة الرئيس التونسي السابق، وما نسمعه عن تجاوزات بعض الوزراء من الإستيلاء على أموال علاج الفقراء أو التنصل من المسئولية بعد تبديد ثروات تراثية، وغيرها من التجاوزات الكثيرة الناتجة عن تزاوج السلطة ورأس المال، إنما تؤدي إلى مزيد من الغليان والتحفز الداخلي وتنذر بإنفجار شعبي يصعب التنبؤ بمداه.

وبالتوازي مع عمليات الإصلاح والتغيير الداخلي، وللتصدي للتربص الخارجي، فعلى زعماء الأمة العربية ومؤسساتها وأصحاب الرأي فيها، أن ينظروا إلى النموذج الأوروبي في الوحدة، وإذا كنا غير قادرين على أن نأتي بنموذج للوحدة العربية نابع من جذور أمتنا، يمثل ويستجيب لخصوصيتها التاريخية والثقافية والإجتماعية والإقتصادية.. فربما يجب أن نستفيد من النموذج الأوروبي وتعديله لتحقيق حلم الوحدة العربية.

د. محمد علاء الدين عباس مرسي مصر

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

د. محمد علاء الدين عباس مرسي عباس مرسي

M. Alaadin A. Morsy, Ph.D.

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

9 تعليقات

  • Mosaad Bakr

    I could not switch to Arabic so I am writing to you in English, what I mean with the revaluation repeats itself again, what happened in 1954 with the Moslem Brotherhood happened again in 2013.

  • حسن محمود

    ربط صحيح جدا من بدايه الثورات العربيه ببعض ويوضح لنا وجود عناصر خارجيه ويوكد لنا ذلك، نشكرك يا دكتور على هذا التوضيح العظيم وبارك الله فيك وكتر من امثالك فى مصر.

  • مسعد بكر

    سيناريو قديم ربما كان المستشار طارق البشرى المؤرخ المعروف نوه عنه فى المسلمون والاقباط فى اطار الوحدة الوطنية هذا لموضوع الفتنة الطائفية اما تونس فهو اخشى ان يكون نموذج مكرر لثورة يوليو الامريكية .ارجوا قراءة الكتابين و الثانى لمحمد جلال كشك و افادتى يا دكتور

    • محمد علاء الدين

      الأستاذ/ مسعد بكر… شكراً على تعليقك..

      وأرجو التوضيح عما تقصد بقولك "سيناريو قديم" حيث لا يوجد سيناريو في الموضوع، لا قديم ولا جديد.

      أما القول بأن ثورة تونس هي نموذج مكرر لثورة يوليو الأمريكية، فأخشى أن هذا الطرح ينقضه التاريخ والواقع، فلا توجد ثورة في العالم هي نسخة مكررة من ثورة أخرى، فلكل ثورة أسبابها وسياقها وأهدافها وتداعياتها التى لا تتكرر في مكان آخر.

      وشكراً على إقتراح الكتابين، وسوف أراجعهما قريباً إن شاء الله.

  • محمد علاء الدين

    الأساتذة عائشة، عامر، عماري، عادل… شكراً لكم جميعاً على تعليقاتكم الصائبة.
    ثورة تونس هي رسالة واضحة جداً لكل "الزعماء" العرب بضرورة التغيير والإصلاح، وهي أيضاَ نقطة تحول في الوجدان العربي، التحول إلى الرفض الإيجابي للفساد والظلم والفقر وأنظمة الحكم مدى الحياة التي يطالب بها العقيد القذافي.
    ثورة تونس هي لحظة فارقة في التاريخ العربي الحديث، فهي أول ثورة شعبية حقيقية نابعة من المواطن المدني ومن الشارع، وهي ليست إنقلاباً عسكرياً ولا إنقلاباً "عائلياً"، وإنما هي أول ثورة شعبية حقيقية تشهدها الأمة العربية منذ أكثر من خمسين سنة.
    ثورة تونس هي نقطة تحول لأن ما بعدها لن يكون مثل ما كان قبلها، ليس فقط في تونس ولكن في كل البلاد العربية، فعمليات التغيير والإصلاح حتماً ستحدث في المنطقة العربية، شاء البعض أم لا.
    نأمل أن نرى التغيير والإصلاح الحقيقي الذي يستجيب لإحتياجات الوطن والمواطن، نأمل أن نرى التغيير والإصلاح السريع بالطرق السلمية القانونية، نأمل أن يستجيب "الحكام" لضرورة التغيير والإصلاح قبل أن تهب الشعوب.
    أرجو الإطلاع على: الدرس التونسي وشرارة التغيير

  • عادل عبدالله

    استاذنا العزير ان ينظر الحكام الى النمموذج الاوروبى فهذا من سابع المستحيلات ، ولكن ندعو المولى عز وجل ان نغير من انفسنا حتى يغير الله مابنا ضعف وهوان 

  • عماري محمد

    اذا كانت نخبنا تعي ما يحدث فليومؤا لحكامنا بان يحفظوا ماء الوجه وليتركوا الصواب يشق طريقه فهو حتما يعرفه فدليله في ذلك هو ارادة الشعوب

  • عامر

    الكارثة في الحادث الاول انه تحول لما يشبه "الموضة" والكثيرون بدأوا في تقليد "بوعزيزي".. والكارثة الاكبر تتمثل فيما اذا تحول الحادث الثاني الى "موضة" أيضا واتفق فيما ذهبت اليه واكدته الاخت عائشة في ان الاصلاح بات ضرورة

  • عائشة الجيار

    د.محمد، اتفق معك ان الاصلاح بات ضرورة ملحة، إن لم يبدأ بها الزعماء سريعا، فليست عروشهم فقط المهددة، بل شعوبهم أيضا. فالجوع، والفقر، وأزمات المياه مأسي مقبلة، علينا ان نستعد لها، ونعالجها، وليتأتي لنا ذلك علينا بمحاربة الفساد وكشفه، فساد السلطة، والانظمة، والمؤسسات، وفساد المتنفعين، ان لم يبدأ الزعماء وبأنفسهم.. فلا أمل يرجى منهم

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك