يد الإهمال تغتال الجميع

بقلم/
مصر : ٦-۱-۲۰۱۱ - ۷:٤۲ ص - نشر

لم يعد في مصر أحد فوق طائلة الإهمال، لم يعد هناك كبير أو بعيد عنه، لم يعد شرطا أن تستقل قطارا أو عبارة للموت، لم يعد شرطا أن تشترى الموت بمالك فى علبة دواء ولم يعد شرطا أن تكون فقيرا قاطنا فى وحدة سكنية متهالكة تعلم يقينا أنها ستسقط يوما ما، فتنهار أقرب مما كنت تتخيل.

لم يعد بك حاجة لأن تفعل أي شئ حتى تموت بلا ثمن وعلى يد قاتل بلا هوية، قاتل محترف ارتكب مئات الآف من الجرائم في بلادي فى العقد الأخير، ولازال مفلتا من العقاب ألم أقل لكم إنه بلا هوية؟ الطريقة السحرية غير المكلفة والغادرة للموت الآن بسيطة جدا، افتح باب الأسانسير وأدخله مطمئنا لتعيش آخر ثوان معدودة لك في الحياة ولكنها الثوان الأكثر روعا وفزعا وهولا ولا يصلح لمن عاشها أن يتحمل الحياة مرة اخرى فيرحمه الله ويموت.

هكذا قتل محمد زرير زميلنا الصحفى المصري فى وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية، مواطنا صالحا ودع زوجته التى لم يمض على زواجه منها أكثر من شهر، ذاهبا لعمله دون أن يرتكب ذنبا سوى اعتقاده أن ركوب أسانسير جديد فى عمارة مشيدة حديثا عملا آمنا وأن الأسانسير ليس مهيئا بعد للشك في احتمالية سقوطه – لا سمح الله.

كل منزل مصري بات يحلم الآن أن يكون به صحفي بعد أن أصبحوا لسان الشعب وحماته من كل ما يتربص به من مصائب داخلية وخارجية، وكل صاحب شكوى الآن أصبح يحملها إلى الإعلاميين، وكف الناس عن طرق باب المسئوليين بلا جدوى، ولكن الصحفيين أيضا ليسوا فوق الاهمال، فلا أحد فى مصر يستطيع تجاوزه ولم تعد الحكومة هى بطلته الوحيدة لقد أصبح سمتا عاما، فحتى الكناس يكنس بإهمال.. المعلم يشرح بإهمال.. الكهربائي، الدهان، الخباز، كل راع لم يعد مسئولا كما ينبغى عن رعيته.

سقط محمد.. رحل فى لمح البصر، ودع زوجته وعاد لها بأسرع مما تتخيل، أية صدمة عاشتها وأي ألم احتملته، أشعر بها، أحس آلامها، أعرف جيدا شعور الفاجعة برحيل من نحب، أعرف جيدا كيف تصبح فجأة خاويا من الداخل، وكيف تنسحب منك أعضائك لتصبح شخصا ميتا توقفت حياته عند لحظة سماع نبأ الفقد، ولكنه فى نظر الجميع لا زال حيا، أعرف جيدا هذا الشعور الذى يجعلك مذبوحا وعليك أن تتقبل فكرة أن تنسحب من حياتك، وفجأة فقدت كل الآمال والأحلام والذكريات والآلام التى شاركتها لمن فقدت. نعم وأعلم أيضا شعور القهر وأنت تعلم أن كل هذا حدث لك لمجرد أن أحدهم لم يكن لديه ضمير وهو يؤدى مهمته فتسبب في خطأ، مجرد خطا أودى بحياة من تحب وعصف بحياتك وأخرجك من دائرة الزمن دون أن تعرف إن كانت بك قدرة على العودة إليها ثانية أم لا؟ هذا ما أعتقد أن زوجته تشعر به الآن أو ربما كفت عن الشعور بأي شئ.

ولكن أقول لها اطمأني، محمد لن يتعذب بعد اليوم، ولن يسقط به الأسانسير ثانية فهو الآن فى ذمة الله، لن يغضب أو يتألم أو يجرح، لن يعترض فيجد صوته مبحوحا بلا طائل ولن يتعب من المقاومة ومحاولة التغير وفرض الحقيقة الغائبة، بأنه يجب أن يكون هناك مقعد دائم للشباب فى قيادة هذا البلد، اطمأني.. فالله عز وجل لا يجمع أمنا على أمن ولا خوفا على خوف، وقد عاش محمد الخوف والرعب والهول فى الثوان القليلة التى هوى فيها إلى الأرض، والله وعده الحق وسيؤمن محمد فى الآخرة بإذنه ورحمته، واطمأني.. لا تعذبي نفسك بالسؤال الأبدي لمن مر بهذه التجربة المحرقة -هل تألم- تفتأين تكرريه حتى تشعرين بالهلاك، لا لم يتألم ولم يشعر بشئ سوى الرعب والعجز لمجرد ثوان هي عند الله غالية وأجرها عليه ومن كان أجره على الله فقد اشترى أربح تجارة فى الوجود، وظني بالله أن محمد من الرابحين، ولا تكرهي الأسانسير فلا ذنب له، ولا أجرؤ أن اقول لك لا تسمحي بأن تنتابك عقدة من كل أسانسيرات الدنيا.

كما لا أجرؤ حقيقة أن أوجه لوالدته أية كلمات، فحزن الأم شئ آخر وشعورها بفقد الضنى لا أجسر على وصفه، فمن خلقها أدرى بها وأرحم، واللهم اسأل أن ينزل رحماته وصلواته على أهل محمد زرير وأن يدخله خير الجنان فلا يمكن أن يجتمع كل هؤلاء على باطل، والكلمة التى كانت تتردد على لسان كل العارفين به فى حياته وقبل حتى أن يموت أنه شخص لا تملك حياله إلا أن تحبه وتحترمه، شخص عاش دون أن يتحدث عن أحد من وراء ظهره إلى أن مات، وهذه الصفة أصبحت ضربا من الخيال فبيوتنا ومجتمعاتنا العربية الآن تعيش على النميمة صبح مساء وكأنها غذاء الروح.

رحلة محمد فى الحياة كانت قصيرة و لكنها تركت بصمة واستلهم كل المحيطين منه القوة، التف حوله شباب الصحفيين العامليين فى وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية ليصبح ممثلا لهم وأحد المسئولين وأصحاب القرار بها، اختاروه عن رضا وطيب خاطر وهو فى مثل سنهم الثلاثينيات من العمر دون غيرة، إيمانا به وثقة في أنه خير من يمثلهم، حاول ونجح فى أن يصبح أصغر عضو مجلس إدارة منتخب في تاريخ الوكالة، وكان حدثا لم يملك الكبار حياله إلا التهنئة والإعجاب، عرض على أحد زملائه ترشيح نفسه فكانت إجابته إن اردتم إختيار شاب للترشيح يجمع عليه الجميع فهو محمد زرير بلا شك ورفض زميله خوض الانتخابات فى وجوده.

وكم من شخص عاش دهرا دون أن يفعل شيئا لا على المستوى الإنساني ولا المهني، بل وحتى دون أن يذكره أحد، محمد زرير الذي قتله الإهمال صباح الخميس 6 يناير/كانون الثاني 2011، عاش ومات دون أن يختلف عليه أحد، وأصدقاؤه يعلمون أنه لا يصح أن يختلف عليه أحد والحقيقة أن هذا أمر لا يتكرر كثيرا فجميعنا مختلف علينا هناك من يحبنا ومن لا يطيقنا، لكن محمد زرير كان شيئا آخر، وشاء الله أن يموت بتلك الطريقة التى يصعب أن تنمحى من الذكرى، كان شخصا مؤثرا لدرجة أني وقد كتبت عنه ما كتبت لم أقابله في حياتي مرة واحدة وجها لوجه، إنه شخص تعرفه بقلبك ومن خلال الاخرين، وداعا محمد زرير ورحمة الله عليك.

رقية الشرباصي قطر

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

تعليقان

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك