من فضلك.. اسمعني

بقلم/
مصر : ۱٦-۱۲-۲۰۱۰ - ۷:۳۰ ص - نشر

حانت الساعة العاشرة صباحاً في ذلك اليوم المتفق عليه، ليكون هو يوم اختبار لستة مرشحين لترقية مهمة في مجال المبيعات لشركة كبيرة، ومن المفترض دخول الجميع في قاعة الاجتماعات لتمثيل فريق واحد ومناقشة أزمة مفاجئة وأمر طارىء ممكن أن يضر بالشركة، وبالتالي تهديد مناصبهم الوظيفية أو التسبب في خسائر مادية.

والهدف من الاختبار أن يكون هناك مترقٍ واحد، وهو من يستطيع أن يقود هذا الاجتماع ويجعل الآخرين يدورون في فلكه، ويصبح هو المسيطر على الوضع من حيث طرح الأفكار وكذلك توجيه دفة الحوار، هذا بالضبط كما وصفه المراقب عليهم وأشار لهم بخمس عشرة دقيقة فقط ليصلوا لحل ايجابي لمواجهة الأزمة.

وبدأ الاختبار ثم تعالت الأصوات في تداخل بين المجموعة وبعضها البعض، بل لقد كان عراكاً بالحناجر، كل فرد يحاول أن يبدأ بطرح فكرته التي ستؤدي إلى نجاة الشركة من المأزق المزعوم، فهذا يدافع عن رأيه و ذاك يبرر منطقه، وكل فرد فيهم يحاول إثبات و جهة نظره، والمراقب في اهتمام وتركيز شديدين يتابع كل فرد على حدى، ويدون في صمت ملامح الوجوه وردود الأفعال، يسمع بأذنيه أصواتهم ويسمع بعينيه لغة أجسادهم، فقد كان يجد فيهم من رفع صوته وتعالت نبراته، ويشاهد من اقتضب جبينه وضاقت عيناه في عصبية، وآخر يعرض أفكاره وقد رفع سبابته للجميع في تحد وقوة، وآخر صامت لم يحرك ساكناً لمدة دقيقة على الأقل، بل أخذ يمر ببصره على الآخرين ويتفرس فيهم في هدوء، و قد جذب ذلك الهدوء نظر المراقب واستدعاه بلا قصد أن يتابع ذلك الزميل باهتمام أكبر.

"أعد علي ما قلته فلم أسمعك بوضوح" نطق بهذه العبارة هذا الرجل الذي كان صامتاً وقد وجه عبارته لواحد من الأفراد الموجودين معه على مائدة الاجتماعات، فكرر زميله عبارته مرة أخرى ولكن بصوت أهدأ وخالِ من العصبية السابقة، فلفت ذلك أنظار الباقيين و قد أثار دهشتهم أن يحرص فرد منهم على ألا يتكلم لنفسه بل على العكس، أن يسمع زميله، فكرر الزميل عبارته ورأيه، فرد عليه الأول وعلى وجهه ابتسامة هادئة مستحسناً رأيه، وعقب عليه تعقيباً منطقياً، وطلب من الآخرين بعد أن سادت حالة من الهدوء النسبي مائدة الاجتماع أن إذا كان هناك من يؤيد رأي الزميل فليتفضل بالتعقيب.

وكل هذا والمراقب يتابع بمزيد من التركيز، و قد أيد الرأي زميلان آخران، فسأل الصامت عن إذا كان هناك من لا يحبذ هذا الرأي، فنقده اثنان آخران، فطلب منهما واحداً واحداً أن يعرض منطقه، وترجى الباقين أن يعطوهما فرصة للكلام ويسمعوهما باهتمام حيث قد مرت عشرة دقائق ولم يصلوا لحل أزمة الشركة، فشد انتباه الحاضرين جميعاً، أنهم لم يسمعوا صوت الوقت وقد يمضي الزمن بلا نتيجة، فركزوا مع الزميلين وسمعوهما في دقيقتين، وكانت أفكارهما عادية ولذلك لم تنل موافقة أو استحسان، فلم يكن النقد فقط لهدم الآراء بدون تمييز للحصول على نجاح شخصي، بل بالفعل بعد الاستماع والتعقل في الحكم على الرأي ونقده بحكمه، وكأن الهدف الأكبر قد أصبح جلياً بعد أن كاد يضيع في الصياح بلا داعِ، وهو اتحادهم سوياً ضد الخطر الطارىء، ونقاشهم سوياً فيما يفيد الكل وليس الفرد، لتجنب الأزمة التي تهددهم جميعا.

انتهى الوقت المخصص للاختبار ورجع كل موظف إلى مكتبه في انتظار النتيجة، ورن جرس تليفون واحد من المجموعة وهو ذاك الزميل الصامت، والمتصل يزف إليه خبر الترقية، فوضع سماعة الهاتف في هدوء و سعادة، و هو يشكر نفسه بنفسه، فهو من اختار بمحض إرادته تمسكه بهذه الخصلة الرائعة، بل وجعلها متلازمة معه في شتى مواقف حياته سواء العامة أو الخاصة، وجه التحية لحاسة سمعة التي يوليها اهتماماً وعناية، فهو حريص على بقائها في أحسن صورة بتدريبها المستمر على الاستماع، فيسمع الرأي والرأي الآخر، يسمع ما يفيده و يحرص عليه، يسمع من يبدي رأيه فيه إن كان مدحاً مرره مرور الكرام, و إن كان ذماً لم يتضايق منه أبداً، بل يعقله و درس أسبابه ويفتش في وسائل تجنب ذلك في المستقبل، فهو يأخذ من ذلك وسيلة لكي يكون دوماً أفضل، وكم تمنى أن يحذو الجميع حذوه، يدركون أهمية السمع والاستماع، السمع لصوت الحق والعقل.

أن يسمع الجميع صوتاً واحداً، ليس صعب و لا مستحيل، الأمر بيدي و يدك… من فضلك اسمعني واسمع صوتي حينما أتكلم وحينما أصمت,،فأحياناً يكون للصمت صوت أبلغ من أي صوت.

من فضلك اسمعني واحترم حقي في أن تسمعني، كما أسمعك وأحترم حقك في أن أسمعك… في ظل معرفتي الوطيدة بك أو لأني لم ولن أعرفك مطلقاً، في زمننا هذا أو في أي زمان آت، فلا تبخسني حقي ولا أظلمك في حقك، و لنحي أدب التعامل فيما بيننا بمن فضلك.. اسمعني.

صلاح عبد الله الباشا الإمارات

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

تعليقان

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك