المتلاعبون بالعقول

بقلم/
مصر : ۹-۱۲-۲۰۱۰ - ۷:۳۰ ص - نشر

عرض كتاب: المتلاعبون بالعقول.. كيف يجذب محركو الدمى الكبار في السياسة والإعلام ووسائل الإتصال الجماهيري خيوط الرأي العام. تأليف المفكر الأمريكي هربرت أ. شيللر.. ترجمة: عبد السلام رضوان.. دار النشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت.. عدد الصفحات: 250 صفحة.

يتناول المفكر الأمريكي الشهير هربرت شيللر في كتابه المعنون "المتلاعبون بالعقول"، التضليل الإعلامي الذي يستخدمه كبار رجال السياسة ووسائل الإتصال الجماهيري في المجتمع الأمريكي لتوجيه الرأي العام حسب رغباتهم والتي لا ترتبط بصورة كبيرة بمصالح هذه الجماهير.

صناعة توجيه العقول

ويشير المؤلف إلى أن صناعة "توجيه العقول" في الولايات المتحدة تنعم بفترة نمو إستثنائية. ولقد أظهرت الحملة الإنتخابية القومية عام ١٩٧٢ بعض الشواهد المبكرة لما هو آت في طريق "تعليب الوعي". ومع ذلك فإن من المهم أن نتذكر أن الوسائل التقنية للسيطرة على المعلومات والصور والتي بلغت درجة عالية من التطور في واشنطن الحالية لها سوابقها.

ففن التحكم أو السيطرة من خلال الإستمالة والإقناع لم يظهر إلى الوجود هكذا دفعة واحدة. فلقد مثل الجهد الذي كلل بالنجاح لإقناع الشعب الأمريكي عام ١٩٤٥ (أي قبل عهد الرئيس نيكسون بما يزيد على عقدين من الزمان) بأن وجوده اليومي تتهدده اﻟﻤﺨاطر بسبب الإقتصاد الروسي الذي دمرته الحرب واستنزف كلية، مثل خطوة هائلة نحو تبلور "توجيه العقول".

ومنذ ذلك الحين ساعد التقدم في تكنولوجيا وسائل الإتصال على ظهور أشكال أكثر تعقيدا من التضليل الإعلامي. وفي الوقت الحاضر يعزف مهرجان وسائل الإعلام القومي ألحانه بقيادة وكلاء الإقتصاد الرأسمالي للدولة المقيمين في المكاتب التنفيذية للبيت الأبيض وفي مكاتب العلاقات العامة ووكالات الإعلام بشارع ماديسون.

وهناك ما يبرر الإعتقاد بأن عملية إدارة وتوجيه المعلومات سوف تشهد المزيد من التنظيم على أيدي المتحكمين في وسائل الإعلام في السنوات القادمة. ويشدد شيللر على أن تدفق المعلومات داخل المجتمع الأمريكي المعقد هو مصدر لسلطة لا نظير لها، وليس من الواقعية في شيء أن نتصور أن التحكم في هذه السلطة سوف يتم التخلي عنه عن طيب خاطر.

وحقيقة الأمر أنه بإستثناء قطاع صغير جدا من السكان يحسن الإنتقاء ويعرف ما الذي يشاهده ويستطيع بالتالي أن يستفيد من التدفق الإعلامي الهائل، فإن معظم الأمريكيين محصورون أساسا وإن لم يعوا ذلك، داخل نطاق مرسوم من الإعلام لا إختيار فيه. فتنوع الآراء فيما يتعلق بالأخبار الخارجية والداخلية أو بالنسبة لشؤون اﻟﻤﺠتمعات المحلية لا وجود له في المادة الإعلامية. وهو ما ينتج أساسا من التطابق الكامن للمصالح المادية والأيديولوجية لأصحاب الملكية (في هذه الحالة من يملكون وسائل الإتصال ملكية خاصة) ومن الطابع الإحتكاري لصناعة وسائل الإتصال بوجه عام.

ويردف شيللر بالقول إنه من السذاجة بمكان أن نتصور أن الجهاز الإعلامي ـ أخطر أدوات السيطرة في يد النظام ـ سوف يكشف عامدا عن الكيفية التي يمارس بها السيطرة. فلننظر على سبيل المثال إلى الطريقة التي يتم بها إعداد أي برنامج تليفزيوني أو إذاعي عادي أو الصفحة الأولى لأي صحيفة يومية كبيرة، سنجد أن السمة المشتركة بينها جميعا هي التباين الكامل للمادة والإنكار التام للترابط بين الظواهر الإجتماعية التي يتناولها الحديث أو التعليق. وتمثل برامج الحوار التي تتكاثر في المحيط الإذاعي والتلفزيوني النموذج المثالي للـ"تجزيء" بوصفه شكلا عاما.

ففي مدينة نيويورك على سبيل المثال تطرح الطبعة الثانية من الصحف قبل منتصف الليل بساعة ونصف. وتتمثل أهمية صحف الغد في أنها تحيل أخبار اليوم إلى بضاعة بائتة. وبعد التخلص من يومها تستأنف الحياة حركتها إلى مجموعة أخرى من الأحداث التي لا رابط بينها. على أن الأحداث ذات المغزى تحتاج لإستيعابها إلى فترة من الزمن. وليس مما يسهل فهم هذه التطورات أن تنقل الأقمار الصناعية رسائل الأخبار كل تسعين ثانية، فالإنشغال التام باللحظة يدمر الروابط الضرورية بالماضي.

إستطلاعات الرأي والسياسة

ثم يتطرق المؤلف إلى عملية "تصنيع" إستطلاعات الرأي العام، ويقول إنه من المسلم به على نطاق واسع أن السياسة الأمريكية تأثرت تأثرا عميقا بالتحاد القائم بين إستطلاعات الرأي والتليفزيون. وتذهب دراسة حديثة إلى أن "التأثيرات المشتركة لاستطلاعات الرأي والتليفزيون قد أدت واقعيا إلى التخلي عن الأسلوب التقليدي للسياسة الأمريكية، وإلى إحلال أسلوب عملي محسوب يقوم على القرار متعدد المصادر تنفيذيا. وتلك هي السياسة الجديدة كما تتجسد واقعيا في الوقت الحاضر: فهي تحليلية من الوجهة الغرضية إنتهازية من الوجهة التجريبية وهي مبنية على التوجيه التضليلي على مستوى الإدارة".

فعندما يسأل إستطلاع لمعهد جالوب على سبيل المثال "من يستطيع التعامل بصورة أفضل في رأيك مع الحرب الفيتنامية: ريتشارد نيكسون أم هيوبرت همفري?، فإننا نكون قد تعرضنا للخديعة. ذلك أن الشواهد كانت تؤكد في مجموعها وعلى نحو موصول (خلال عام ١٩٦٨ وقت إجراء هذا الإستطلاع) أن أيا من هذين الرجلين لا يستطيع أو لا يرغب في التعامل بجدية كاملة مع الحرب الفيتنامية. ومعنى طرح مثل هذا السؤال هو خلط الأمور وتحريف الواقع بالنسبة لقسم كبير من السكان.

إن إستطلاع الرأي في اﻟﻤﺠتمع الأمريكي الراهن مهما جرت صياغته في تعبيرات علمية هو في المقام الأول أداة تخدم أهدافا سياسية. ولا تتسم هذه الأهداف بالوضوح دائما إلا أن الإستنتاجات تصبح مبررة في أحوال كثيرة عندما (أو ما إن) يتم إفشاء سر جهة التمويل.

وتتمثل الوظيفة الأساسية للجهاز الإعلامي في مجمله ـ بداية من قنوات النزعة التجارية بوسائل الإعلام وإستطلاعات الرأي التي يجري أغلبها رجال التسويق وحتى نظام التعليم الرسمي والبنى شبه التعليمية ـ في خلق حالة من القبول الشعبي بأهداف وقيم "الإقتصاد السلعي". وهي مهمة تتم تأديتها بدرجة من النجاح يتعين معها أن يركز المشاهد أو المستمع إنتباهه بعناية شديدة لكي يتمكن من تبين النقطة التي تنتهي عندها "رسالة" البيع لتبدأ المادة الترفيهية في أغلب البرامج الإذاعية.

ويعرب العديد من الدارسين المهتمين بالحقل الإجتماعي عن شكوكهم في إمكانية التغلب على هذا التكيف ذي القدرة التأثيرية الهائلة. فمنهم من ينكر على سبيل المثال أن الطبقة العاملة قد تم إفسادها من خلال الرغبة في تملك السلع الإستهلاكية، ومع ذلك فهم يصلوا إلى نتيجة مؤداها أن المساواة وصنع القرار على المستوى الإجتماعي لا يشغلان حيزا ملموسا من إهتمام الأغلبية الشعبية التي تشغلها (أكثر) المسائل الإقتصادية البسيطة أو على وجه الدقة: "العمل المضمون ليوم كامل والإرتفاع التدريجي لمستواها المعيشي".

إحتمالات المستقبل

إن ظهور قطاع رئيسي في الإقتصاد يعمل على نطاق واسع في الأنشطة المتعلقة بالإعلام والمعلومات يلفت الإنتباه إلى العدد المتضاعف من العمال المتعلمين في اﻟﻤﺠتمع. وهذه الفئة المتعلمة هي على وجه التحديد الفئة الأكثر إنتقادا لأهداف ومخططات النظام كما يتم ممارستها في الوقت الحاضر.

وذلك ما يجعل مهمة موجهي العقول أكثر صعوبة وتعقيدا كما يجعل نجاحهم أمرا يحتمل الجدل بصورة متزايدة على الرغم من منجزات التكنولوجيا الحديثة. ورغم أن القوة العاملة المؤهلة علميا لا تمتلك ما يوفر لها الأمان من الوجهة الإقتصادية (فهي تملك شيئا من أدوات الإنتاج)، فإنها تملك قدرا من وقت الفراغ وقدرا من الدخل والأهم من ذلك كله أنها تملك بعض الخبرة. ويتيح الدخل ووقت الفراغ لمزيد من تطوير النقد يعززه إدراك القصور الوظيفي الشديد للنظام بوجه عام، وذلك الجانب منه الذي يعرفونه أكثر من غيره بوجه خاص.

ومن المتوقع أن يؤدي الجمع بين الضغط أو الضيق الإجتماعي وبين التجمع المتزايد العدد من المنتجين المتعلمين والطلاب إلى المزيد من عدم الإستقرار، ومن الصعب حتى الآن التحديد إلى أي مدى يمكن أن تحاصر هذه الظاهرة من جانب القطاعات الأخرى في الأزمة. على أن هناك القليل من المؤشرات على إمكان إنتشار مشاعر الضيق على الأقل في صفوف أفراد الطبقة العاملة الصناعية الأصغر سنا.

وفي تقويمه لمستقبل الرأسمالية الأمريكية، يرى جون جيرلي أستاذ الإقتصاد بجامعة ستانفورد أن "قوى مناوئة قوية" ستنشط ضد الإقتصاد الأمريكي. وسوف تواجه الحركات الثورية المستمرة في الخارج والمنافسات الإقتصادية القوية مع الدول الصناعية الغربية الرئيسية، واليابان وضغط القوة العاملة الداخلية من أجل الحصول على نصيبها من الدخل القومي، يواجه كل ذلك، في رأي جيرلي باللجوء المتزايد إلي سياسة تدخل الدولة لمصلحة الطبقة الرأسمالية وسوف تعاني القوة العاملة بوجه خاص أشكالا صارمة من القمع.

ويتنبأ جيرلي بثورة واسعة النطاق ضد النظام نفسه تحدث بصورة أو بأخرى في المستقبل سيشارك فيها كثير من أفراد الطبقة العاملة الذين لا يبدون إهتماما في الوقت الحالي بالمشكلات الإجتماعية، وفي غضون ذلك ستحافظ الرأسمالية على بقائها بوصفها رأسمالية ذات طابع إحتكاري موجه بصورة متزايدة، لكن العديد من عناصر الديمقراطية لن تواصل البقاء.

وعلى رغم الجهود المدروسة من جانب الدوائر الإعلامية للتشويش على أو تجاهل هذه المسائل فإن ضغط الإحتياجات الحيوية غير الملباة يتصاعد، كما أن الوعي الفردي يتأثر بالتأكيد. إن واقع أمريكا يفرض نفسه فرضا على إعلانات التليفزيون وأحداث الرئاسة المعدة مسرحياً وطقوس الصخب الرياضي الأسبوعية.

أحمد حسين الشيمي مصر

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك