فن إدارة الأزمات

بقلم/
مصر : ۹-۱۲-۲۰۱۰ - ۷:۵۰ ص - نشر

د. محمد شومان عميد المعهد الدولي للإعلام وخبير إدارة الأزمات: الحكومة المصرية تتحرك بعد خراب مالطا ولا تتعلم من أخطائها.. إنشاء مجلس أعلى لإدارة الأزمات والكوارث في مصر أصبح ضرورة.. التعامل الرسمي مع أزمة أنفلونزا الخنازير كان نموذجا يدرس في سوء الإدارة.. سنواجه تحديات كبيرة في السنوات القادمة يجب الإسراع في الإعداد لها.. القدرة على التوقع تحول دون وقوع الكوارث وتوفر مئات الملايين من الجنيهات.. يجب مشاركة الوزارات السيادية والمجتمع المدني والمحليات في مواجهة الأزمات.

أكد الدكتور محمد شومان عميد المعهد الدولي العالي للإعلام بأكاديمية الشروق وخبير إدارة الأزمات والكوارث، أنه لا توجد في مصر أي جهود حقيقية لتوقع الأزمات والكوارث أو الاستعداد لمواجهتها ونحن لا نتحرك إلا بعد وقوع الكارثة، ولو كان لدينا قدرة على توقع الأزمات والكوارث والحيولة دون وقعها لوفرنا كثير من الجهد والوقت ولتجنبت مصر سقوط عشرات من الضحايا وضياع مئات الملايين من الجنيهات كل عام، مضيفاً أن إدارة الحكومة المصرية للأزمات والكوارث أقل من المطلوب بكثير ويشوبه العديد من أوجه القصور.

وأضاف شومان مستشار الهلال الأحمر، في حواره مع أهـــلاً العربية، أن كل من الحكومة والأهالي لا يتعلمون من الأزمات والكوارث التي تحدث وتكرر وبنفس الطريقة بعد عام أو عامين والدليل على ذلك حوادث القطارات، بل إن منطقة واحدة مثل العياط شهدت خلال الأعوام القليلة الماضية أكثر من حادث راح ضحيته المئات من المواطنين.

وطالب بإنشاء هيئة قومية لها صلاحيات كبيرة تعمل على المستوى القومي وتشارك فيها كافة الوزارات وبخاصة الوزارات السيادية إضافة إلى منظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية بحيث يعمل هؤلاء جنباً إلى جنب من أجل إقامة أنظمة الإنذار المبكر ضد الأزمات والكوارث… وإلى تفاصيل الحوار.

كيف ترون إدارة الحكومة المصرية للأزمات الكبرى كالسيول وانهيار المقطم والأزمة المالية وأنفلونزا الطيور والخنازير وغيرها؟

في الحقيقية إن إدارة الحكومة المصرية في مواجهة هذه الأزمات والكوارث أقل من المطلوب بكثير بل إن إدارتها لأزمة الخنازير ربما أدت إلى تفاقم الأزمة، فقد خلقت نوعا من الفزع لدى أولياء الأمور ودفعت الكثير منهم إلى عدم إرسال أطفالهم إلى المدارس، والمفارقة أن الأزمات التي تحدث عندنا والتي أشرت إليها في السؤال تكررت من قبل منذ عدة سنوات سواء كان انهيار جبل المقطم أو السيول، ولكن الحكومة لا تتعلم من اروس الماضي والأخطاء تكرر والكوارث تتكرر دون محاسبة جادة للمقصرين ودون التعلم من الماضي.

في رأيكم ما أوجه القصور الحكومي في التعامل مع الأزمات والكوارث؟ وكيف يمكن التغلب عليها؟

طبعاً يرجع ذلك القصور في الدور الحكومي إلى قصور في التركيبة السياسية للحكومة المصرية، فهي دائماً تنتهج خطاب انجازي يقوم على الإشادة وعلى تحقيق إنجازات لا نراها في أرض الواقع، إضافة إلى خطاب من نوع ثاني يقوم على إخفاء الحقائق وأنه لا مشاكل إطلاقاً. الخلاصة أن الضعف السياسي وافتقار الحكومة إلى الشعبية يؤدي بها دائماً إلى التركيز على القضايا العاجلة وعدم الاعتماد على التخطيط الاستراتيجي والذي يعتبر جوهر عملية إدارة الأزمات والكوارث.

بصفتكم مستشاراً للهلال الأحمر في إدارة أزمة أنفلونزا الخنازير، كيف ترون التعامل الحكومي مع هذه الأزمة؟

إدارة الحكومة لأزمة أنفلونزا الخنازير تعتبر نموذجاً يدرس في سوء إدارة الأزمات والكوارث فالحكومة بدلا من أن تدير الأزمة بشكل ايجابي يخفف من حدتها أدارتها بشكل سلبي أدى إلى تفاقمها. فبدلا من أن تقلص الخسائر فإن القرارات الحكومية الصادرة في هذه الأزمة أدت إلى زيادة الخسائر وهو أمر لا يمكن أن يحدث عند إدارة الأزمة أو الكارثة في أي مكان في العالم.

وكانت أوجه القصور في إدارة الحكومة لهذه الأزمة على أوجه عديدة منها:

أولاً: ركزت الحكومة بشكل مبالغ فيه على مخاطر أنفلونزا الخنازير ورددت ما يشاع في وسائل الإعلام الغربية دون أن تهتم بوجهة النظر الأخرى التي أكدت منذ البداية أن هذه الأزمة مبالغ فيها وأن شركات الأدوية ذات مصلحة رئيسية في تفعيل وإثارة هذه الأزمة.

ثانياً: تأخرت الحكومة طويلاً في استيراد المصل المضاد لأنفلونزا الخنازير ولم تناقش بحرية وشفافية الآثار السلبية لاستخدام المصل وعندما استوردت المصل لم تلاحظ أن هناك رأي عام قد تشكل بين المواطنين يرفض استخدام المصل مما أدى إلى إعادة أعداد كبيرة من الأمصال إلى مصدرها.

ثالثاً: الحكومة منذ بداية الأزمة وهي تحاول أن تصور أنفلونزا الخنازير وكأنه مرض يأتي إلينا من الخارج ومع المسافرين من البلاد المصابة وكانت البيانات الأولى تحدثنا بطريقة ساذجة عن ضبط أسرة أو بعض الأشخاص الذي يزورون مصر ويحملون الفيروس وهو ما يصور لنا أن الفيروس عدو خارجي بينما الواقع أن الفيروس موجود في المناخ وداخل مصر.

رابعاً: الإجراءات والبيانات التي اتخذتها وزارة الصحة والتربية والتعليم أدت إلى إشاعة مناخ من الفزع غير المبرر لدى الأسر من كافة الطبقات بحيث منعوا أولادهم من الذهاب إلى المدارس وشجعت وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي على هذه المبالغة فرفعت نسب الغياب وهو ما زاد الأمر سوءاً.

خامساً: رغم أن فيروس أنفلونزا الخنازير مرتبط أشد الارتباط بمستوى النظافة وبالتالي كان على الحكومة أن تنهض للتخلص من النفايات والكميات الهائلة من القمامة والمخلفات لكن ما حدث في الأشهر الأخيرة غير ذلك فلم تستطع الحكومة التخلص من النفايات والقمامة التي تراكمت في محافظة الجيزة مثلاً.

سادساً: الحكومة اتخذت قراراً متسرعاً في مصر أدى إلى تعرضها لسخرية العالم وهو الإعدام الجماعي لقطعان الخنازير الموجودة في مصر وقد ترتب على هذا القرار ليس فقط استهجان المنظمات والهيئات الدولية ولكن الإضرار بمربي الخنازير إضافة إلى زيادة كميات القمامة والنفايات لأن المستهلك الأول لها قد انتهى من مصر.

سابعاً: إصرار وزارة الصحة على الإعلان وبشكل يومي عن أرقام المصابين والمتوفين جراء مرض أنفلونزا الخنازير وهو تقليد أدى إلى زيادة الخوف والقلق لدى المصريين وبالمناسبة هذا التقليد كانت قد أوصت منظمة الصحة العالمية بعدم استخدامه والاكتفاء بتقارير أسبوعية.

وما هو تقييمكم لإدارة كارثة السيول؟

إن إدارة أزمة السيول تكشف عن البطء والعشوائية الشديدة في التعامل الحكومي مع الأزمة فقد اتسم تحرك الوزارات المعنية بدرجة عالية من البطء وانعدام التنسيق حتى أن الحجم الحقيقي للكارثة لم يتم الإعلان عنه في الأيام الأولى فكل محافظ أو وزير حاول أن يقلل من الحقيقة حتى يحمي الكرسي أو المنصب الذي يشغله وكل التحركات التي تمت جاءت بعد خراب مالطا وبعد انتهاء الكارثة والمفترض أن هذه الكارثة -السيول- قد سبق لجهات حكومية أن نبهت إلى حدوثها فهيئة الأرصاد قد نبهت إلى احتمال حدوث سيول لكن عدم الالتزام بقوانين الحفاظ على مخرات السيول وللأسف فإن قيام جهات حكومية بالبناء فوق هذه المخرات أدى إلى تفاقم الخسائر والمشكلة أن أزمة السيول التي حدثت مؤخراً سبق وأن ضربت مصر عدة مرات وفى نفس تلك المحافظات وفي نفس الأماكن ولكن لا نتعلم من الأخطاء.

هل يوجد في مصر جهاز للإنذار المبكر لاكتشاف الأزمات والكوارث؟

لا يوجد للأسف الشديد في مصر نظام لتوقع الأزمات والكوارث، وهو ما نطلق عليه جهاز إنذار مبكر لتوقع الأزمة أو الكارثة. والمفارقة أن مثل هذا النظام موجود ومستخدم في بلدان كثيرة حول العالم أقل بكثير من مصر من حيث الإمكانيات البشرية والمادية فهو موجود مثلاً في بنجلاديش وكينيا وأثيوبيا . وصحيح أن هذه الأنظمة قد وضعت في هذه البلدان وتعمل من خلال تمويل من الهيئات والمنظمات الدولية وتعمل بكفاءة عالية، لكن يمكن لمصر أن تعمل استناداً على مواردها المادية والبشرية أن تقيم مثل هذه الأنظمة أو أن تستعين بخبرة الجهات الدولية في هذا المجال، خاصة أن النظم الحديثة في إدارة الأزمات تعتمد على الاتصال بشبكة من الأقمار الصناعية ترتبط عبر الانترنت وتستطيع أن تقدم معلومات تتجدد على مدار الساعة ويمكن نشرها إلى كل المواطنين بسرعة فائقة.

وماذا يوجد لدينا؟

يوجد في مصر عدد من الأجهزة تدعي الاهتمام بإدارة الأزمات والكوارث فلدينا جهاز تابع لمجلس الوزراء لكن ليس من صلاحياته إدارة الأزمات وإنما يقتصر على إجراء البحوث والدراسات، أي أن دوره نظري فقط، وكذلك هناك عدة مراكز بحثية مثل مركز رشاد الحملاوي لإدارة الأزمات والكوارث بجامعة عين شمس ويغلب عليها الطابع البحثي ثم توجد مراكز تابعة لوزارات الدفاع والبترول ولكن يغلب عليها الطابع البحثي كما أن كل منها يعمل على الاهتمام بمجال تخصصه فقط ولا ينشر أو يوفر معلومات عما يقوم به.

والخلاصة في هذا الأمر أنه لا يوجد لدينا نظام إنذار مبكر لمشكلات وأزمات كثيرة قد تواجه مصر في المستقبل القريب مثل كوارث السيول أو ارتفاع مياه البحر المتوسط نتيجة الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية في العالم لكن كل ما لدينا هو نظام متبع خاص بالتحذير من الجراد والتحذير من فيضانات النيل عند منابعه وكلها نظم قديمة.

ما هو المطلوب بالتحديد لإدارة الأزمات والكوارث بشكل ناجح يحد من خسائرها؟

المطلوب هو إنشاء جهاز قومي أو هيئة قومية لها صلاحيات كبيرة تعمل على المستوى القومي وتشارك فيه كافة الوزارات وبخاصة الوزارات السيادية منها إضافة إلى منظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية بحيث يعمل هؤلاء جنباً إلى جنب من أجل إقامة أنظمة الإنذار المبكر ضد الأزمات والكوارث ويجب لإنجاح مهمة هذا الجهاز أن توفر له الإمكانيات المادية والبشرية المدربة والقادرة على التحرك أثناء الأزمات والكوارث للسيطرة عليها والحد من نتائجها السلبية كما يجب أن يمنح هذا الجهاز أو الهيئة صلاحيات واسعة تمكنه من التنسيق بين هؤلاء الشركاء ومن الحركة السريعة والاستجابة الفورية بعيداً عن بطئ الأداء الحكومة والبيروقراطية الإدارية المنتشرة في الوزارات والمؤسسات الحكومية وأجهزة الدولة.

هل هذا المطلب جديد؟

هذا الاقتراح أو ما اقترحته الآن بشأن إنشاء جهاز أو هيئة للإنذار المبكر من الأزمات والكوارث هو اقتراح قديم سبق أن تقدمنا به في أوائل التسعينات لكن لا توجد استجابة حتى الآن.

هل تؤيد أن يتبع هذا الجهاز أو الهيئة رئاسة الجمهورية؟

لا أرحب كثيراً بأن يكون هذا الجهاز تابع لرئاسة الجمهورية لأنني لا أحبذ أن نرهن كل شيء على سلطات رئيس الجمهورية ولكني اعتقد أن الأهم هو منح هذا الجهاز سلطات تنفيذية واسعة وإمكانيات مادية وبشرية حتى يستطيع القيام بمهامه. وأؤكد لك أن هناك بعض التجارب الدولية والعربية في هذا المجال فهناك في بعض الدول وزارات لتصريف الأمور وقت الأزمات والكوارث وإدارات مستقلة وهيئات للتنبؤ بها وفي دول أخرى هناك هيئات أو لجان تشارك فيها كل الوزارات وهيئات المجتمع المدني وتكون تابعة لمجلس الوزراء.

توجد أزمات وكوارث قد تواجه مصر في المستقبل كيف يتم الاستعداد لها؟

في ظني أنه من الضروري أن نبدأ من الآن التخطيط والتنفيذ لإنشاء جهاز الإنذار المبكر بغض النظر عن تسميته أو تبعيته لأي جهة المهم أن نبدأ لأن التغيرات المناخية ستؤثر علينا بقوة وقد تتعرض أجزاء من مصر إلى نوعيات جديدة من الأزمات والكوارث التي لم يسبق لنا التعامل معها ومن الجائز أن ترتفع دراجات الحرارة إلى مستويات غير متوقعة أو أن يزداد فيضان النيل بدرجة عالية أو ارتفاع منسوب مياه البحر المتوسط وإغراق أجزاء من الدلتا وتهديد بعض المدن الشاطئية وأشدد أن ما نحتاج إليه هو نوع جديد من الفكر والأداء الاحترافي رفيع المستوى ولن تكتمل هذه المنظومة إلا بتوفير إمكانيات مادية وبشرية هائلة وتوفير دعم مساندة كبيرة وتقديم توعية كافية تجعل المواطنين مشاركين في مواجهة الأزمات والكوارث وليسوا مجرد متفرجين أو ضحايا.

كيف ترون اللامركزية في إدارة الأزمات والكوارث؟

إدارة الأزمات والكوارث تتطلب تضافر كل الجهود الحكومية والأهلية وكذلك الجهود على المستوى المحلي، والتجارب العالمية تؤكد ضرورة التناغم والتنسيق بين الأداء الحكومي المركزي والأداء المحلي وكذلك جهود المجتمع المدني في ضوء ذلك فإن ما نقترحه وقد اقترحناه منذ عدة سنوات بشأن إنشاء جهاز أو هيئة قومية أو مجلس أعلى لإدارة الأزمات والكوارث تشارك فيه الوزارات السيادية يجب أن يدمج فيه المحليات والمجالس المحلية في المحافظات ويجب أن يكون لهذا الجهاز إدارة ومسئولين على المستوى المحلي.

محمد عبد الرحمن مصر

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك