أزمة دارفور بين التدويل والتسوية

بقلم/
مصر : ۲۵-۱۱-۲۰۱۰ - ۷:۳۵ ص - نشر

يذكر السفير الدكتور عبد الله الأشعل، نائب وزير الخارجية المصري السابق في كتابه "أزمة دارفور بين محاولات التدويل وجهود التسوية" أن الولايات المتحدة وبريطانيا تلحان منذ بداية ديسمبر 2006 على التدخل العسكري في دارفور، باعتباره الحل النهائي، ما دامت الحكومة السودانية ترفض نشر القوات الدولية في الإقليم، في الوقت الذي تشتد فيه المذابح وانتهاكات حقوق الإنسان، وفق زعمهم، بما يظهر للمراقب أن التدخل العسكري يهدف إلى وقف هذه المذابح.

وإذا كان الوضع الإنساني في دارفور بالغ السوء فهذه فرضية لا علاقة لها بالتدخل الأجنبي في السودان الذي يرمي إلى أهداف أخرى خاصة بأجندته الدولية والإقليمية.

ورغم ذلك، كان من الواضح أن مشكلة دارفور كانت قائمة منذ مدة، ولكن الحكومة السودانية لم تكن في وضع يسمح لها بمعالجتها بالطريقة المناسبة، ويبدو أنها كانت صراعاً داخلياً، وجدت الحكومة في السكوت أو المساندة لبعض أطرافه حلاً مناسباً، ولكن هذا الحل كرس أوضاعاً أدت إلى ظهور المشكلة على النحو الذي ظهرت به فيما بعد.

تدويل القضية

بداية يوضح د. عبد الله الأشعل أن الخط الأساسي الذي يظهر في الموقف الدولي بالنسبة لدارفور هو أن الولايات المتحدة هي التي تولت إثارة المشكلة، وقامت بتصعيدها بشكل مكثف، واعتمدت في تحركها على أربعة محاور أساسية هي:

* المحور الأول: هو تحريك الكونجرس الأمريكي وتنبيهه إلى خطورة الموقف الإنساني في دارفور، وصور الأمر على أنه صراع بين القبائل العربية المتوحشة والمدعومة من الحكومة السودانية والجيش السوداني ضد القبائل الإفريقية الضعيفة، التي وقعت ضحية هذه الهمجية العربية، فأنتج ذلك آلاف الحالات من الإبادة العرقية، كما دفع مئات الآلاف إلى اللجوء إلى الدول المجاورة. هذا البعد الإنساني العرقي في الخط الأمريكي الداخلي دفع حكومة واشنطن إلى استصدار مجموعة من المواقف من الكونجرس، من بينها قانون محاسبة السودان، وتطبيق قانون الحريات الدينية، وفرض عقوبات أمريكية على الحكومة السودانية حتى توقف هجوم القبائل العربية وتنزع سلاحها وتسيطر على الإقليم.

* المحور الثاني: وهو الأخطر ويتمثل في اللجوء إلى مجلس الأمن، وتصوير الموقف الإنساني في دارفور، مما دفع المجلس إلى اتخاذ عدد كبير من القرارات التي تتسم بالتصعيد ضد السودان، فضلاً عن قيام منظمات حقوق الإنسان ولجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وكذلك بعثات تقصي الحقائق والتحقيق التي استعان بها المجلس والأمين العام لمتابعة الموقف في دارفور.

* المحور الثالث: هو المحور الأوروبي، حيث شايع الاتحاد الأوروبي وبشكل أخص فرنسا وألمانيا وبريطانيا للموقف الأمريكي في مجلس الأمن وفي الساحة الدبلوماسية الدولية، بل إن بريطانيا هي التي اقترحت إرسال قوات دولية إلى دارفور.

* المحور الرابع: هو الإعلام الدولي ومنظمات حقوق الإنسان والمنظمات الدولية الأخرى، وكان أضعفها صوتاً هي المنظمات الإسلامية والعربية، بل إن قضية دارفور وهي في قمة اشتعالها على المستوى الدولي، وقمة إحراجها للحكومة السودانية، لم توضع على جدول أعمال القمة العربية في الجزائر في مارس 2005، واكتفت بعض الوفود العربية بالإشارة إلى مخاطرها، بينما استغل الأمين العام للأمم المتحدة هذه القمة للتنبيه إلى الخطوط الدولية في المشكلة، مثلما نبه المفوض العام للاتحاد الإفريقي عمر كوناري إلى ضرورة مساندة العالم العربي ماديا ولوجستيا لجهود الاتحاد الإفريقي في دارفور.

وبذلك فإن الولايات المتحدة تدفع نحو تدويل المشكلة، وإخراجها من الإطار الوطني والإقليمي، كذلك تسعى من خلالها إلى سحب الاهتمام الدولي عن الساحة العراقية، حيث ترى أنه كلما اشتد الاهتمام بدارفور خفت الاهتمام بالعراق، والعكس بالعكس، كما استغلت الجانب الإنساني حتى تحقق مخططها، والذي يتمثل في تقسيم السودان، والإضرار بالمصالح المصرية والتمكين لإسرائيل، وإعادة رسم خريطة المنطقة من خلال السودان، بحيث ينتهي الأمر في النهاية إلى استقلال الغرب والشرق والجنوب عن الحكومة المركزية في الخرطوم، بالإضافة إلى توسيع الفجوة بين العرب والأفارقة ويتحول السودان لساحة صراع.

دارفور في مجلس الأمن

وتطرق الأشعل إلى مراحل تطور قضية دارفور في مجلس الأمن وأخذ يحلل مضامينها، مستشفا منها بعض الأهداف التي تقف خلف تلك القرارات، فيقول أن قضية دارفور بدأت تعرف طريقها إلى مجلس الأمن في 11 يونيو 2004، عندما عقد المجلس بناء على طلب الولايات المتحدة جلسته رقم 4988، وأصدر القرار رقم 1547 في ذلك اليوم، ويساند فيه بشكل عام الإعلان الذي أكدت فيه الحكومة السودانية مع ثوار الجنوب موافقتهما على البروتوكولات الستة، والتأكيد على الالتزام بإتمام المراحل المتبقية للمفاوضات، وتأييد المجلس لبروتوكول ماشاكوس في 20 يوليو 2002، الذي فتح الباب لعملية السلام في الجنوب، ثم وردت الإشارة الأولية إلى قضية دارفور في الفقرة السادسة من هذا القرار حيث أيد المجلس ما خلص إليه الأمين العام في تقريره، خاصة الفقرة 220 حول دارفور وأعالي النيل، وأهاب المجلس مع الأمين العام بالطرفين المتصارعين بوقف القتال في دارفور، والالتزام باتفاق وقف إطلاق النار المبرم في العاصمة التشادية ناجامينا في 8 يونيو 2004.

ثم صدر في 30 يوليو 2004 القرار رقم 1556، والذي أشار فيه المجلس بشكل محدد إلى بيان رئيس المجلس في 25 مايو 2004 حول الوضع في دارفور، والأزمة الإنسانية المستشرية.

ويحلل المؤلف هذا القرار من أن المجلس قد بدأ يضع قضية دارفور في منظور تهديد السلم والأمن الدوليين، ويحذر السودان من تطبيق جزاءات الفصل السابع غير العسكرية عليه، إذا لم يف بالتزاماته التي أوردها القرار على سبيل الحصر، موضحا أن الانتقال بشكل مفاجئ إلى هذا التصعيد وتسخين الموقف وتدويل المشكلة قد تزامن مع اشتداد معركة انتخابات الرئاسة الأمريكية في ذلك الوقت، فأصبحت قضية دارفور جزءًا من هذه المعركة.

وألمح د. عبد الله إلى تطور الأمر وصدور القرار رقم 1564 بعد شهر ونصف من القرار السابق، والذي أدان السودان والحركات المتمردة لعدم تعاونها خاصة في نزع السلاح للمليشيات. وفي 19 نوفمبر 2004 أصدر المجلس في اجتماعه الاستثنائي بنيروبي القرار 1574، حيث ربط القرار بشكل أوضح بين التقدم في تسوية الصراع في دارفور وبين تهيئة الظروف المناسبة للمساعدة في تنفيذ اتفاق السلام الشامل بين الحكومة ومتمردي الجنوب. أما في 3 ديسمبر 2004 قدم الأمين العام تقريرًا إلى المجلس حول تنفيذ القرارات 1556، 1564، 1574، وقد تضمن التقرير نقدا شديدا كذلك من الاتحاد الإفريقي لكل الأطراف (الحكومة والمتمردين).

ويضيف السفير المصري، أنه لم يتوقف اهتمام مجلس الأمن في 2005 بمشكلة دارفور، وإنما تصاعد الاهتمام بها. فقد أصدر مجلس الأمن ثلاثة قرارات هي 1590 ،1591، 1593، وذلك خلال الأسبوع الأخير من شهر مارس. ففي القرار 1590 أشار إلى أهمية مبادئ حسن الجوار وعدم التدخل والتعاون الإقليمي، فيما أكد القرار 1591 على التزام المجلس بسيادة السودان ووحدته واستقلاله وسلامته الإقليمية، وطالب الحكومة السودانية بالكف فورا عن التحليق العسكري الهجومي في إقليم دارفور بموجب اتفاق ناجامينا 2004، وبروتوكول أبوجا الأمني في 9 نوفمبر 2004. وأكدت الفقرة السابعة على سريان هذه التدابير على جميع المقاتلين في دارفور.

ويقارن د. عبد الله الأشعل بين هذا القرار الذي يمنع الطيران الحربي السوداني فوق دارفور، رغم أنه لم ينشئ صراحة منطقة لحظر الطيران في الأقليم، وقرار حظر الطيران في شمال وجنوب العراق عام 1991. فقد كان يفترض أن القوات الأمريكية والبريطانية تنفذ هذا الحظر في العراق لصالح الأكراد والشيعة، ولكن في دارفور ليس هناك إجراء مماثل. من ناحية أخرى، فإن إنشاء منطقة حظر الطيران في دارفور يثير القلق لأن الحظر الذي بدأ في العراق كان مقدمة لتقسيمه، ويخشى أن يكون هذا الحظر هو الآخر مقدمة لتقسيم السودان، خصوصا وأن نفس الاعتبارات التي سيقت عام 1991 قد تكررت في عام 2005 وهي عدوان الطيران الحكومي على المدنيين، وعدم المساعدة في توصيل المساعدات الإنسانية إلى المتضررين.

ثم صدر القرار رقم 1593 الذي أثار جدلاً واسعاً في السودان وخارجه، وقد استند القرار مباشرة إلى أن تقرير لجنة التحقيق الدولية وما تضمنه من اتهامات مبدئية لواحد وخمسين شخصا يجب أن يحول مباشرة إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية. حتى انتقل مجلس الأمن في عام 2006 إلى مرحلة جديدة من الضغوط حيث أصدر في أغسطس القرار 1706 الذي أثار جدلاً واسعاً لم يحسم حتى الآن، لأن القرار أكد على أن المشكلة في دارفور تحتاج إلى قوى دولية ولكن الحكومة السودانية ساورها الشك في النوايا الأمريكية.

التعاون العربي الإفريقي

ويشير مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق إلى أن القمم الإفريقية الموسعة والمحدودة وأهمها قمتا طرابلس عامي 2004، 2005، قد أكدت على رفض التدخل الأجنبي في أزمة دارفور، وعلى تسويتها في الإطار الإفريقي، وأنه لأول مرة تهتم القمة العربية في الجزائر يومي 22 و23 مارس 2005، بقضايا السودان، أي التسوية والجنوب وقضية دارفور.

فقد تناول القضية معظم الزعماء العرب في إشارات عابرة في كلماتهم. وركز الأمين العام للاتحاد الإفريقي على قضية دارفور، كما ركز عليها الأمين العام للأمم المتحدة، وطلب من القمة العربية مساندة مادية وسياسية لنشاط الاتحاد والمراقبين والقوات التي شكا الأمين العام من أن ما قدم من مساعدات مالية لا يصل إلى عشر ما كان مطلوبًا حتى يتمكن الاتحاد من مواجهة المشكلة.

وأردف المؤلف بالقول أن التعاون العربي الإفريقي لا يجوز أن يكون شعارا عاما، وإنما لا بد من البحث عن مضمون عملي له، مما يتطلب التوصل إلى قناعة مشتركة عربية وإفريقية للتعاون بين الطرفين على مقتضاها بدارفور، وبذلك تجنب البيئة العربية الشعور بأن الصراع في دارفور يجب الانحياز إلى أحد طرفيه، وأن من مصلحة الطرفين العربي والإفريقي أن يكون السودان موحدا ونموذجا للتعايش بين الأعراق، وساحة للتسامح ورابطا قويا في مناطق التخوم العربية الإفريقية .

وشدد الأشعل على ضرورة التنبيه إلى الواجبات الإعلامية والثقافية والسياسية التي يجب أن يقوم بها العرب والأفارقة معاً، بالنظر إلى إغفال الإعلام العربي للقضية بصورة كبيرة، كما أنه استكان إلى أن مجمل القضايا السودانية لم تعرض يوما على الجامعة العربية، وأنها عولجت دائماً في الإطار الإفريقي، مما أعطى الانطباع بأن السودان إفريقي أكثر منه عربي، والصحيح أنه عربي إفريقي شأنه شأن الدول الثماني الأخرى العربية في إفريقيا.

أحمد حسين الشيمي مصر

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك