من فضلك.. إذا سمحت

بقلم/
مصر : ۱۸-۱۱-۲۰۱۰ - ۷:۵۰ ص - نشر

لم أقصد التنصت على الحوار الذي يدور على مقربة من مسامعي، في هذه الحديقة العامة حيث كنت أجلس على الأريكة بغرض نيل قسط من الراحة، بعد كثير من المشي في هذه الأمسية الخريفية المعتدلة المناخ، وبما أنني غالبا حينما أسترق السمع لا أسمع، فلقد لفت انتباهي الحديث بين شابين على الأريكة المجاورة، ليس لحاستي القوية ولكن نظرا لارتفاع صوت كلاهما.

فقد كان أحدهما سريع الكلام ويعبر عن أفكاره بألفاظ دارجة، ولا ينهي الجملة دوما لأخرها ولكنه يترك دوما إتمام الجملة لصديقه، أما الآخر فكان أهدأ وأرصن في اختيار الكلمات ونطق الألفاظ، وكان نقاشهما حول مدى وكيفية التعبير عن الاحترام بين الأصدقاء.

فكان الأول رأيه أنه لا فرق بين الأصدقاء بعضهم البعض، فلا مانع من استخدام أي لغة وأي تعبير في التعامل بين الأصدقاء، ولنرفع الكلفة فيما بيننا فهذه تعقيدات بلا داع، فأبناء المجموعة الواحدة من داخلهم قد اختاروا بعضهم البعض، فيقتسمون الوقت ويتشاركون في اللحظات، بلا حواجز وتعقيدات في التعامل، وليترك هذا الشكل الرسمي في التعامل وإظهار هذا الاحترام لمن هو غريب وليس بقريب.

ولم يكن هذا رأي الصديق الآخر، فإذا كان إظهار الأدب وقواعد اللياقة في معاملة الأغراب، ومن هم ليسوا بالأقرباء عموما، فمن باب أولى أن تمنح هذه المعاملة الجميلة ذات الكلمات الدالة على الاحترام، لمن اخترناهم زمرتنا ومن انتقيناهم وانتقونا بعناية لكي نكون معا حلقة واحدة، فنكون كاملين متكاملين، ولا داعي لتجاوز الحدود في الجد أو الهزل، ولا داعي لرفع الحواجز لدرجة التطاول، فقليل من الضوابط في التعامل قد يضيف للمحبة، ويزيد من رصيد الاحترام الذي هو أساس كل نجاح في الحياة بوجه عام.

تعجبت كثيرا من فرط ما سمعته أذني وأنا في هذا المكان، وما تشاهده عيني في كل مكان وفي كل يوم، ومن يدعون أنه أصدقاء بعضهم البعض، وترى عيني من الضوضاء البصرية ما يؤذيها، وتسمع أذني من التجاوزات السمعية ما لا يحدث في أي مكان، فهذا صديق تحية صباحه لزميله صفعة مهينة، يتندر عليها زملاء العمل ويصورونها بالهاتف المحمول وتظل أضحوكة، وهذا آخر يتحدث مع صاحبة وينعته بصفة غير سوية، وإن كان هذا التصرف غريب، فالأغرب منه الذي يقبل على نفسه هذا، ومن يبتسم ويضحك مع كل تجاوز.

وأنعي في داخلي ونفسي هذه الألفاظ التي لم يعد لها وجود، حيث تذكرت قبل الكلام طلب الإذن بالكلام، وقبل أي طلب كان هناك من فضلك وإذا سمحت، وكان هذا السلوك طبيعيا بلا كلفة أو مجهود، فكان بين الأصدقاء هذا الحاجز الذي يوصل ولا يفصل، كان هناك بين الأصدقاء هذه الحدود التي تجمع ولا تفرق، تجمع الكل على المحبة والأدب والاحترام وحسن الحديث، فإذا كنا طامحين في تحقيق هدف ما فلنحسن انتقاء صلات الربط بيننا، ولتكن وصلاتنا فولاذية غير قابلة للكسر، فليس برفع كل قواعد اللياقة سأظل صديقك، وليس بزيادة العشم ينتهي فيما بيننا حدود كل منا للآخر، ومرحبا بك في مداري إذا كنت ستحميني منك قبل الآخرين ووعد اقطعه على نفسي أني سأكون بالمثل وزيادة.

قليل من السكون والهدوء يبعث على راحة الجسد، وقليل من الماء يقتل العطش لمن تعذر عليه أن يجد الماء بعد بذل المجهود في يوم حار، بعض لقيمات الخبز تلهي أصابع الجوع، فتكف عن اللهو في بدن من يريد أن يأكل، لكن ماذا عن من ينشد أن يرضي ما ليس له علاقة بكل الماديات، جسد وماء وغذاء، ماذا عن من يرفض كل ما يرغب في سعادة ليس لها صلة بسد جوع أو إطفاء ظمأ، من يريد حياة كريمة في مدينة فاضلة، ويرى مثله كثير من النماذج المضيئة المبهرة، وعلى نفس المستوى يشيح بوجهه للناحية الأخرى لأنه يرى ما يرفضه من نماذج كثيرة تحيطه وتحاصره من كل حدب وصوب.

ماذا عن من يكره أسباب تعب النفس قبل تعب البدن، من تعطش روحه ولا يجد قطرة ماء من نهر روحاني ينبع من الماضي ويصب في المستقبل، أو من تجوع أماله فلا يجد ما يطعم به أحلامه فتنهار جوعا وتموت من شدة ما تعاني من الضعف والخور، هل في أي سلوك مما نتبعه يمكن أن يؤدي هذه المهمة، بل الأجدر بالمراعاة والاهتمام طريقة تعاملنا مع بعضنا البعض.

ولنبدأ من المحيطين والأقرباء، فلنبدأ بقليل من الاختيار لألفاظ عفيفة وراقية، ولتكن البداية نابعة من نفسك، من يقينك أنك مهم ومؤثر، من إيمانك أنه إذا ما توحدنا في الهدف فالطريق سهل وبسيط، ليكن هدفنا احترام الصديق وإظهار الأدب في معاملته، ولنحي أدب التعامل بمن فضلك.. إذا سمحت..

صلاح عبد الله الباشا الإمارات

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

Leave your vote

0 points
Upvote Downvote

Total votes: 0

Upvotes: 0

Upvotes percentage: 0.000000%

Downvotes: 0

Downvotes percentage: 0.000000%

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

4 تعليقات

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق



Hey there!

Forgot password?

Don't have an account? Register

Forgot your password?

Enter your account data and we will send you a link to reset your password.

Your password reset link appears to be invalid or expired.

Close
of

Processing files…

أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك

Warning: mkdir(): Disk quota exceeded in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/vendor/websharks/html-compressor/src/includes/classes/Core.php on line 2715

Warning: file_put_contents(/homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/cache/zencache/cache/http/ahlan-com/2010/11/18/interpersonal-manners.html-5a64872e61f69369943157-tmp): failed to open stream: Disk quota exceeded in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 355

Fatal error: Uncaught exception 'Exception' with message 'ZenCache: failed to write cache file for: `/2010/11/18/interpersonal-manners/`; possible permissions issue (or race condition), please check your cache directory: `/homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/cache/zencache/cache`.' in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php:360 Stack trace: #0 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->WebSharks\ZenCache\Pro\{closure}('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #1 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/classes/AbsBaseAp.php(55): call_user_func_array(Object(Closure), Array) #2 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AbsBaseAp->__call('outputBufferCal...', Array) #3 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->outputBufferCallbackHandler('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #4 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-includes/f in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 360