نقد الليبرالية

بقلم/
مصر : ۱۸-۱۱-۲۰۱۰ - ۸:۰۵ ص - نشر

عرض كتاب: نقد الليبرالية. تأليف: د. الطيب بوعزة. دار النشر: مركز البحوث والدراسات ـ مجلة البيان. سنة النشر: 2009. عدد الصفحات: 190 صفحة.

يؤكد الدكتور المغربي الطيب بوعزة في كتابه المعنون " نقد الليبرالية" على أن توجيه أي انتقاد لليبرالية لا تعني بأي صورة نقد الحرية، ولا دعوة للاستبداد وترجيحه على التحرر، بل أن الموقف المبدئي هو مع كل دعوة إلى التحرر المسؤول. فحرية الكائن الانساني خصيصة ميزه بها الله عز وجل، وجعله بها حقيقاً بمهمة الاستخلاف في الأرض، تلك المهمة/الأمانة التي تستلزم الحرية وتستوجب المسؤولية الأخلاقية.

مشيراً إلى أن الخطاب الدعائي المصاحب لليبرالية والذي يكاد يرادف بينها وبين الحرية والعدل والمساواة والسعادة، فيجعل من ناقدها عدواً للتحرر، خطاباً يذهل عن ادراك المعني الفلسفي والديني للحرية والعدالة والحقيقة والجمال والسعادة، فهذه المفاهيم هي مثل عليا تتوزع عليها فعاليات الانسان المعرفية والخلقية والجمالية.

ويحتوي الكتاب على عدد كبير من الأفكار والمعلومات الرصينة والمفيدة، وقد جاء في ستة فصول رئيسية هي على الترتيب: في دلالة مفهوم الليبرالية، النظرية السياسية الليبرالية، النظرية الاقتصادية الليبرالية، الليبرالية الجديدة، الليبرالية والحرية والسؤال الاخلاقي، وأخيراً الخطاب الليبرالي العربي.

الليبرالية والحرية:

وحول مفهوم الليبرالية، يذكر المؤلف أنها مذهب فلسفي/سياسي ونسق مجتمعي لها شروط وسياق وصيرورة وتطور، لابد من الإحالة عليهما من أجل فهمها وإبصار دلالتها الواقعية، ومحدودية آداء شعاراتها ومقولاتها، وإلا سنبقى في مستوى التجريد اللفظي، نقارب اللفظ على أرض المعجم، ونوغل بلا فائدة في الاشتقاق اللغوي، دون القدرة على إبصاره بوصفه كينونة مجتمعية، والحال أن الليبرالية نمط وأسلوب حياة ونظرية فلسفية تخطت أرض الورق إلى أرض الواقع، وليس فقط رؤية وتنظير.

إن التحليل التاريخي يكشف عن ضرورة الفصل بين الليبرالية والحرية، فالليبرالية مذهب/مذاهب، ونمط/أنماط مجتمعية، بينما الحرية قيمة مثالية، أي أنها ليست كينونات محسوسة للإمساك، بل هي قيم آفاقية تنجذب نحوها كينونة الوعي الانساني وحركته في التاريخ.

وبناء على المنظور المثالي، فإن الإنسان بوصفه كائناً عارفاً وأخلاقياً فإنه في كل بعد من أبعاده هذه له نزوع مثالي نحو المتسامي، وبالتالي لا يمكن اختزال مفاهيمه المعرفية المتسامية في محض استقراء تجريبي، ومن ثم فإن كل مذهب يزعم تجسيد المثل، فإنه في الواقع النظري والعملي يقوم بمسخها.

ويشير الطيب بوعزة إلى أن الدرس المنهجي والمعرفي لليبرالية هو وجوب اعتماد المقاربة التاريخية والسوسيولوجيه لهذا المذهب في التفكير والعيش، مع استصحاب النقد المثالي لتأسيس الوعي النقدي بأن الليبرالية هي مجرد نزوع نحو المثل لا تجسيد لها، أما أولئك الذين لا يؤمنون بالمثل، ولا يعتقدون بآفاقية مثال الحرية، فيكفي وعيهم المبتذل ونظرهم القاصر تمثالها الرابض في مياه مانهاتن!

ويوضح المؤلف أن النظرية السياسية الليبرالية تقوم من حيث مرتكزها الفلسفي على ثلاث محددات:

  1. الفصل بين السياسي والاخلاقي : حيث تنزع نحو التنظير للعلاقة السياسية على نحو لا يضع في الحسبان القيمة الاخلاقية.
  2. الرؤية الذرية للوجود الاجتماعي: وهي رؤية موجهة لا ينحصر أثرها في منظور منهجي اجرائي فقط، بل يتعداه الى بلورة فكرة فلسفية عامة تنهض عليها الليبرالية في المجتمع.
  3. النزوع نحو تحرير الفرد: حيث ان الخطأ الذي يسقط فيه كثير من الدعاة المسوقين للنظرية السياسية هو انهم يعتقدونها تحريراً للفرد هكذا باطلاق، ولا ينتبهون الى أن الفرد المقصود عندها، أي الذي له اعتبار في تنظيرها، ليس الفرد الانساني عامة بل الفرد المالك بمدلوله الاقتصادي. كما أن الرؤية الذرية تسقط الفلسفة الليبرالية في مأزق.

ويوضح المؤلف أن النقد لايعني اغفال فيمة كامنة في القصد الليبرالي وهي قيمة مثالية ليست من إنتاج هذا الفكر وان كان له الفضل في ابرازها والانشغال بمحاولة تجسيدها وهي قيمة حرية الفرد/الشخص، فإذا كان هذا الفكير الليبرالي قد ابتذل حرية الفرد باختزالها الى حرية الفرد المالك، فإنه توكيده على الحرية الشخصية دفع الى واجهة التأمل الفلسفي بإشكال الحرية وعمق من استهجان السلطة الاستبدادية للحاكم.

وحسب بوعزة فإن الاسهامات الفلسفية الليبرالية هي أكثر نتاجات الوعي الفلسفي إظهاراً لمساوئ الاستبداد وتوكيداً على قيمة الحرية، كما أن هذا الاظهار والتوكيد ينبغي تشميلهما ليفضيا الى فضح الاستبداد المتخفي خلف المنظور الليبرالي ذاته.

ثم يعرض أبو عزة لعدد من رواد الليبرالية الأوائل من أبرزهم آدم سميث والمفكر البريطاني ريكاردو وغيرهم، كما تطرق بصورة كبيرة إلى بما يعرف بالليبرالية النظرية الفيزيوقراطية والتي تتمحور حول ثلاثة مبادئ رئيسية هي:

  • قداسة الملكية الفكرية.
  • حرية الفرد في التصرف في ملكيته.
  • رفض تدخل الدولة في الوضع الاقتصادي.

الليبرالية الجديدة:

ويتحدث الكتاب عن ما يسمى بالليبرالية الجديدة أو النيوليبرالية، مؤكداً على أنه لم تأت بجديد سوى مزيد من إطلاق النزوعات التي أفصح عنها الفكر الليبرالي الكلاسيكي، مع تعميق البعد المنفعي وتأسيس الفضاء المجتمعي على مبدأ اللذة بمفهومها الحسي. وهذا النزوع النفعي الذي يهيمن على الرؤية النيوليبرالية لا يتمظهر في رؤى منجر وفالراس الناقدة لنظرية سميث وريكاردو القائلة بالعمل بوصفه محدداً للقيمة، بل أنه نزوع عام يتجلى بداءاً من نظرية القيمة وانتهاء بنظرية السوق الذي تم تأليهه مع النيوليبرالية وإطلاق آلياته التي بلغت مع المؤسسة الإشهارية حد تنميط الذوق، وإختراق الحرية الذاتية للفرد الإنساني بتكبيلها بحاجات "عبثية" من أجل استدخاله في دوامة الاستهلاك.

إن البشرية اليوم في أمس الحاجة الى التخلص من هذه الهيمنة النيوليبرالية الغربية التي تسعى الى تشميل نموذجها المجتمعي الذي يحمل مفهوماً ساقطاً عن الإنسان والقيم الناظمة لعلاقاته، حيث تسعى هذه الثقافة المهيمنة الى تجذير ما يسمية المفكر الفرنسي روجيه جارودي نموذج "إنسان السوق" أي الانسان الاستهلاكي، إنسان يدور ويلف حول الأشياء، منشغلا كلياً بالسعي نحو امتلاكها، إنساناً محكوماً بكوجيتو (مبدأ) جديد مفاده "أنا أستهلك.. أنا موجود" بدل الكوجيتو الديكارتي " أنا أفكر.. أنا موجود"، ولكنه في الحقيقة لا يستهلك الأشياء بل تستهلكه الأشياء.

من سلطة السياسة الى سلطة الاقتصاد:

أن الأمر المشترك بين القوى السياسية المسيطرة اليوم مع أهل النظر والفكر المنبهرين بالنموذج الليبرالي في اعلانه بأسلوب يمتزج فيه فقر التفكير بعنجهية السلطة، أسلوب آمر مهدد يقول: "خذ الليبرالية ولا داعي للتفكير".

إن النسق المذهبي الليبرالي، رغم الملاحظات السابقة، له إضافات إيجابية إلى الخبرة الثقافية والمجتمعية الإنسانية، ولديه قيم عديدة أهمها: الكشف عن صيغ وظواهر ثقافية ومجتمعية جديدة أوضحت للوعي البشري قيمة مثله العليا، مثلما أوضحت بسبب مزاعمها الإطلاقية نسبية كل عملية من عمليات الاقتراب منها ومن ثم وجوب ديمومة محاولة الاقتراب ونقد الابتعاد.

ويذكر الدكتور الطيب بوعزة أن الوعي البشري يؤشر لحظة ميلاد المدينة الصناعية على وعي بالفردية ورفض للسلطة الاستبدادية ومناداة بتقليص فعلها الوظيفي الذي كان إطلاقياً في النظم الزراعية، لكن الليبرالية بتقليصها دور الدولة اعلنت وأطقلت دور الدرهم فهي حررت الإنسان من سلطة السياسة لتسقطه تحت سلطة الاقتصاد الذي استحال إلى قوة مهيمنة وهذا مكمن من مكامن نقصها، وبالتالي فإن الليبرالية ليست تحريراً للفرد بل هي طلباً لهذا التحرير أخطأ الطريق الى انجازه.

ويختتم بوعزة كتابه بالقول :

صحيح أن وضعنا المجتمعي يحتاج الى الحرية، سواء في مستواه الثقافي أو السياسي المثقل بالاستبداد وفكره وأدواته، لكن مجرد الوعي بالمشكلة لايعني الاقتدار على حلها، كما أن معالجتها لن تجري بمجرد استقدام مذهب جاهز وفرضه، إنما لابد من اعمال الوعي النقدي وتأصيل مفاهيم التفكير، إن أردنا لتلك المفاهيم أن تكون مؤثرة وفاعلة وقادرة على تحريك الوجدان والوعي والفعل.

أحمد حسين الشيمي مصر

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

Leave your vote

0 points
Upvote Downvote

Total votes: 0

Upvotes: 0

Upvotes percentage: 0.000000%

Downvotes: 0

Downvotes percentage: 0.000000%

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق



Hey there!

Forgot password?

Don't have an account? Register

Forgot your password?

Enter your account data and we will send you a link to reset your password.

Your password reset link appears to be invalid or expired.

Close
of

Processing files…

أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك

Warning: mkdir(): Disk quota exceeded in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/vendor/websharks/html-compressor/src/includes/classes/Core.php on line 2715

Warning: file_put_contents(/homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/cache/zencache/cache/http/ahlan-com/2010/11/18/critique-of-libralism.html-5a5f114dd7b7b305490293-tmp): failed to open stream: Disk quota exceeded in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 355

Fatal error: Uncaught exception 'Exception' with message 'ZenCache: failed to write cache file for: `/2010/11/18/critique-of-libralism/`; possible permissions issue (or race condition), please check your cache directory: `/homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/cache/zencache/cache`.' in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php:360 Stack trace: #0 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->WebSharks\ZenCache\Pro\{closure}('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #1 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/classes/AbsBaseAp.php(55): call_user_func_array(Object(Closure), Array) #2 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AbsBaseAp->__call('outputBufferCal...', Array) #3 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->outputBufferCallbackHandler('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #4 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-includes/f in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 360