ماذا يأكل الفقراء؟

بقلم/
مصر : ۱۱-۱۱-۲۰۱۰ - ۸:۵٦ ص - نشر

سؤال: عندما يصبح سعر كيلوجرام الطماطم أكثر من ٥ دولار، ماذا يأكل الفقير؟!

قالوا في أمثالنا: "من يرى مصيبة غيره، تهون عليه مصيبته" وهذا لتهوين الأمور والتخفيف من وطأة الهموم على البشر عند حدوث مصيبة ما. لكن أحياناً كثيرة يعجز الكلام عن التعبير في ظروف هي أكثر شدة من المصيبة. حينها تأتي الأسئلة:

ما الحل؟! ما الذي يمكن فعله؟!

ما الذي يمكن أن يعبر عما بداخل الانسان الذي قدر عليه أن يكون فقيراً في ظل غلاء المعيشة هذا؟!

باختصار هو معنى واحد مشترك وبلهجات مختلفة: بالفلسطينيه "يا شحاري"، بالمصرية "يا لهوي" وبالشامية اللبنانية "يا تعتيري ويا دلي".

هذا هو اصدق تعبير عن ما يحدث في ظل ما يسمى "غلاء معيشة". هذا العنوان العريض الذي يكنز خلف ستاره الكثير من "اللا انسانية".

"غلاء المعيشة" هذه المسرحية التي تدور احداثها على جثث واحلام التعساء من شعوب العالم، من ضمنهم شعبنا العربي الاكثر قهرا وخزيا من غيره.

اما ابطال المسرحية فهم تجار العار اللذين يتداولون دماء البشر في بورصة الحياة المغتصبة والمسلوبة من افواه الناس. أبطال يحترفون مص الدماء ويؤدون دورهم الاجرامي بكل عنف.

اما من يدير هذه المسرحية الكوميدية المدمية فهو ضمير مستتر رفيع المستوى تحت رعاية دبلوسياسية متواطئة على حساب النفوس البشرية.

كنت لا ازال احسب نفسي متوسطة الدخل، شاكرة وحامدة ربي على نعمه، اي لست من ابطال المسرحية هذه ولا من ضمن اخشاب مسرحها.

ظننت نفسي لربما انا من احد المتفرجين على مثل هذا الحدث، الحياديين بطبعهم، وانه لن يؤثر على كثيرا سوى تأثيرا نفسيا كوني "حساسة جدا وعاطفية لدرجة انه يبكيني اي مشهد درامي".

إلى أن اتصلت بي صديقة الطفولة لتطمئن على احوالي. كان قد مر زمن دون ان احادثها او اراها لكثرة مشاغلي، من ضمن ما جرى في حديثنا انني دعوتها على " قعدة تبوله" وهي عباره عن جلسة صداقة انثوية يتبادلن بها الاحاديث والسير والذكريات والضحك ولا بد بها من بعض النميمة النسوية كنوع من الفكاهة والتسلية، من ضمن مستلزمات هذه الجلسة الحميمية "التبوله" وهي اكلة شعبية تشترك بها بلاد الشام، تتكون من: بندوره (طماطم)، خيار، بصل، بقدونس، وبعض التوابل كألكمون، والزيت والحامض (الليمون).

كانوا يقومون بتحضيرها وهم يتبادلون الاحاديث كنوع من التسلية والمشاركة بطبق واحد تطابقا بالمثل القائل: "بيننا خبز وملح".

تعد التبوله اكلة شعبية لبخس ثمنها اذ تتكون من الخضراوات الاكثر تداولا واكثر رخصا من غيرها.

كان وقع العزومة على صديقتي كالمصيبة، بحيث ما ان اكملت جملتي الى ان صرخت "لا دخيلك ليش خابصتيها.. بلاها التبوله" (خابصتيها: تقصد بها لماذا تثقلين على كاهلك مثل هذه العزومة المكلفة؟).

ضحكت حينها وظننتها تسخر كعادتها كوننا لم نشارك بعض مثل هذه العزائم منذ فترة طويلة لانشغالي الدائم وعدم سؤالي عنها.

اجبتها: "بلاش دلع يا بنت.. انا اليوم اجازه وعندي وقت كثير اضيعه معك تعالي ندردش عصحن تبوله… بعرف التبوله مش من قيمتك، انت غلاوتك عندي بمنسف، بس الجيبه مخرومه وانت بتعرفي البير وغطاه".

ضحكت صديقتي لدرجه شعرت انها وقعت ارضا من الضحك وقالت:

"ولك يا مجنونه خليها قيمتي تبوله احسن واغلى من المنسف بهالايام.. تعالي عندي انا طابخه دجاجه بالفرن".

اجبتها بتعنت: "لا بدك تاكلي تبوله وغيرها ما في.. يلا تعالي وبكفي ضحك ومسخره.. باي".

اغلقت الهاتف وذهبت الى السوق لاحضار "مستحضرات التبولة" وبدأت مشترياتي بحسب القائمة التي اعددتها مسبقا لما ينقصني في المنزل، كانت كالاتي:

– ملح 1 كغم بـ 1$ (رغم ان الملح من منتجات بلادي التي تصدر الي الخارج لفائض انتاجها، اي انه من المفروض ان تباع لنا بأبخس الاسعار).

– كمون 100 غرام بـ 1.5 $ (لا اعلم ربما هو باهظ الثمن لانه مستورد، رغم انه مستورد من دول شرق اسيا).

– ضمة بقدونس بـ 1.5$ (غريب، ما الامر؟!)

بدأت اشك اننا في فترة اعياد للطائفة اليهودية، فقد اعتدنا في فلسطين على ارتفاع الاسعار في مثل هكذا فترات من السنة.

لكني سرعان ما ادركت اننا في شهر اكتوبر وقد انتهت فترة الاعياد لجميع الطوائف، ولا يوجد أية مناسبة تستدعي ارتفاع الاسعار.

اكملت مشوار التسوق هذا وأوقفني مشهدا لطابور من الناس ذكرني بطوابير العيش في مصر الحبيبة، حاولت الاقتراب لمعرفة الامر وما يدور في هذا الزحام الغريب، واذ بي ارى لافتة كتب عليها: "تنزيلات هائله على الموز 20 كغم بـ 5$".

دهشت جدا وأصبت بهستيريا من الضحك (ماذا سيفعل الناس بكل هذا الموز يا الاهي؟).

حقا امر غريب ان يصل سعر الموز لهذه الدرجة من البخس!

قبل اشهر قليلة كنا لا نشتري الموز الا في الحالات الطارئة كعزومة فخمة مثلا تستدعي وجود مأدبة باهظه بعض الشيء.

قلت: (سبحان الله على كرمه، كم هو سخي في عطائه لقد كان هؤلاء الناس يشتهون الموز اما اليوم فيشتروه كصناديق الطماطم).

اكملت طريقي الى دكان الخضار فاذا بها فارغة من الزبائن، عدا سيده متواضعة الشكل تحمل بيدها كيسا بداخله حبتين من الطماطم واخر مقدارهما من البصل كانت تحاسب البائع عليهم. انتابني عند رؤيتها شعور مختلط بين الشفقة والاستغراب. هل هي ظروفها سيئة لهذه الدرجة؟ ام هي سائحة ارادت ان تتذوق خضراوات هذه البلاد؟

اذت 1 كغم من الطماطم ومثلهما من الخيار حاجتي لمشروع التبولة الاثتثماري.. وذهبت لمحاسبة البائع الذي ما ان رآني مع الاكياس بدأت الابتسامة تشرق من محياه.

انا : كم الحساب لو سمحت؟

البائع : 15.

انا (متعجبة): 15 ماذا؟

البائع : 15$

انا: اتسخر مني؟!

البائع: ما عاذ الله يا سيدتي، هذه فاتورتك، كغم طماطم 5$، كغم خيار 7$، كغم بصل 3$ المجموع 15$.

صعقت!!!

بدأت اصرخ كالمجنونة دون وعي: "يا ويلكم من الله، حرام، شو بدها تاكل العالم، وين نروح، ناكل تراب؟ نشرب هوا؟ الله اكبر على الظالم."

بالمقابل رد البائع على صراخي: "يا ست انا شو ذنبي، بتصرخي بوجي انا حيالا بياع ويا ريت ببيع البضاعه، عمتخرب بالدكان وكل شغلتي خساره بخساره. في صندوق خضار عتيق مرمى برا روحي خذي منه الي بدك يا والرزق على الله".

موجة اخرى من الكهرباء نحرق جوفي.

شعور قاتل بالذل ينتابني، ليست الا بضع حبات من الطماطم ليس اكثر، احتاج ان اشحذ لاكلها؟! يا للعار..

نعم عار، عار للانسانية ان يأكل الانسان من مخلفات الحيوان، عار ان نصل لوضع نقول عن التجارة بكرامة الانسان "غلاء اسعار".

فكيف يمكن ان يرتفع سعر منتج اذا كان انتاجه يزيد عن احتياج البشر؟ كيف وكل يوم نرى بالاخبار اكوام من المنتجات تتلف على الشوارع وتحت اقدام من يتعالون على الخالق وعلى نعمه مقابل ان تزداد ملايينهم مليونا اخر حرام يسلب من ارواح الناس، تعبهم، وقوت ابنائهم؟

لماذا لا نزال نختبيء وراء هذه الشعارات الرنانة وقد "وصل البلل للحيتنا".

الله حلل التجارة وهذا امر لا جدال فيه، لكن المتاجرة بالبشر حرام، لقد عدنا لعصر هو اكثر جهلا من عصور النخاسة والتجارة بالناس.

كلما ازداد الكون تطورا ازداد انحطاطا اخلاقيا، انسانيا، وثقافيا.

حتما هناك مخدر للضمير البشري لا اعلم مصدره (او بالحري اتجاهل كسائر البشر مصدره، كوني امشي الحيط الحيط واقول يا رب الستر) رش على غالب البشر الذين سلمناهم رقابنا في ظل الديمكراتية السياسية المعاصرة.. نسأل الله ان يبطل مفعول هذا الغاز السام الذي امات ضمائرهم، راجين من الله ان ينخفض سعر الطماطم علنا نستطيع ان نطبخ شكشوكة يوما ما او يرزقنا طعم التبولة.. قادر يا كريم.

حنه كنعاني فلسطين


Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

Leave your vote

0 points
Upvote Downvote

Total votes: 0

Upvotes: 0

Upvotes percentage: 0.000000%

Downvotes: 0

Downvotes percentage: 0.000000%

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

3 تعليقات

  • روزانا خيربك

    كل عام و أنتي بخير , أضحى مبارك

  • حنه كنعاني

    اشكرك عزيزتي روزانا على تعليقك الجميل واتمنى ان اكون دائما عند حسن ظن الجميع … بمناسبة عيد الاضحى كل عام وانت وجميع الناس بألف خير دون تفرقة طبقية متمنية لهم ان ييسر الله امورهم ويهون عليهم مشقة هذه الايام في ظل ( غلاء المعيشة)

  • روزانا خيربك

    يحكى ان ملكاً كان يعشق الذهب حتى تمنى ذات يوم أن يتحول كل ما يلمسه الى ذهب, وتحققت الأمنية, لكنها حملت ما لم يتوقعه الملك فصار طعامه وشرابه ذهباً وفي النهاية مات جوعاً لأن الذهب لا يؤكل!!
    وكل شيئ حولنا أصبح غالي حتى البندورة أصبحت كالذهب.
    جميل أسلوبك في الكتابة
    شكرا لك

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق



Hey there!

Forgot password?

Don't have an account? Register

Forgot your password?

Enter your account data and we will send you a link to reset your password.

Your password reset link appears to be invalid or expired.

Close
of

Processing files…

أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك

Warning: mkdir(): Disk quota exceeded in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 321

Fatal error: Uncaught exception 'Exception' with message 'Cache directory not writable. ZenCache needs this directory please: `/homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/cache/zencache/cache/http/ahlan-com/2010/11/11`. Set permissions to `755` or higher; `777` might be needed in some cases.' in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php:324 Stack trace: #0 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->WebSharks\ZenCache\Pro\{closure}('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #1 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/classes/AbsBaseAp.php(55): call_user_func_array(Object(Closure), Array) #2 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AbsBaseAp->__call('outputBufferCal...', Array) #3 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->outputBufferCallbackHandler('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #4 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-includ in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 324