هل لدينا ثقافة إستثمار حقيقية؟

بقلم/
مصر : ۲۸-۱۰-۲۰۱۰ - ۹:٤۰ ص - نشر

تتعدد مفاهيم الاستثمار وطرق تدوير عجلة التنمية، وتتبادر لدى الأذهان بين الحين والآخر أسئلة حول كيفية الاستفادة برؤوس الأموال في تحقيق أرباح والحصول على فوائد؟ إلا أن ثقافة الاستثمار تبقى هي المحرك الرئيسي لتوجهات رجال الأعمال، وحتى المواطنين العاديين، نحو الدخول في حلبات البورصة والتكتلات الاقتصادية في المشروعات التي توزع بالأسهم والأنصبة.

هوة سحيقة

وتؤكد التقارير الاقتصادية والمالية أن الوطن العربي يعتبر أكبر مصدر لرؤوس الأموال للخارج سواء بطرق مشروعة أو غير مشروعة، حتى أن رجال الأعمال العرب يمتلكون حوالي مائة مليار دولار في بنوك أوروبا يضاربون بها في أكبر البورصات العالمية دون استفادة حقيقية منها في عمليات التنمية ببلادهم.

ولدي العرب ممتلكات ثابتة وعقارات بحوالي عشرة مليارات دولار في الغرب، كما أن عمليات غسيل الأموال هي الظاهرة الوحيدة التي تجلب معظم الأموال للوطن العربي من الغرب، حيث تقدر تلك العمليات بحوالي عشرة مليارات دولار سنويا لدول المنطقة إلا أن عواقبها الوخيمة تنتقل معها من فساد وإقامة مشروعات كستار للاتجار في المخدرات والسلاح وغيرها من الأنشطة غير المشروعة.

وكشفت الدراسات الاقتصادية مؤخرا عن حجم الهوة السحيقة بين آليات الاستثمار والادخار بالوطن العربي والخلل التضخمي للبنكنوت في أسواق المستهلكين الذي أدى لعجز متتالي في الموازين التجارية والمصرفية وصلت لحوالي 30% في الدول العربية بشمال أفريقيا، و10% بالدول الخليجية المعتمدة على النفط كرافد اقتصادي شبه وحيد و حوالي 40% كمتوسط بدول القارة السمراء في وسط وغرب أفريقيا.

الإستثمار أساس التنمية الحقيقية

ويرى المحللون الاقتصاديون أن التنمية ترتبط بالاستثمار وتوظيف رؤوس الأموال في مشروعات ناجحة تدر عائداً على أصحاب هذه الأموال، وعلى العاملين بالمشروعات، إلا أن نمط الأعمال الريعية المرتبطة بثقافة "حصد العائد والفوائد دون تعب أو مجهود" هي المنتشرة في عالمنا العربي، ولعل هذا جاء انعكاسا للنمط السائد في الاقتصاديات الكلية بدول المنطقة، فهناك اقتصاد يسعى فيه المنتج للقيمة المضافة، كما كان لدى النمور الآسيوية، وهناك أيضا اقتصاد الموارد الطبيعية الذي يعيش على ما وفره باطن الأرض من موارد دون زيادة أي قيمة مضافة أو إنشاء قطاعات إنتاجية، وتمثل بعض دول الخليج هذا النموذج الريعي.

ويرى الخبير الاقتصادي المصري، عبد الحافظ الصاوي، أن عدم قدرة الاقتصاديات العربية على خوض مضمار السعي ذي الطابع الاستثماري جعلها عاجزة عن تنفيذ مشروعات تنموية وتواجه مشكلات مزمنة كالفقر والبطالة والتخلف التكنولوجي وغيرها، ويبدو من خلال هذا المنطلق أهمية تعميق ثقافة السعي للاستثمار لدى المواطنين العرب، والتي تعني توجيه موارد المجتمع في أنشطة تحقق مصالحه، وتجني قيمة مضافة، وتساعد على عدالة توزيع الثروة، وبالتالي فليس المعنى بتلك الثقافة فقط المدخرون الصغار ورجال الأعمال والمسئولون الاقتصاديون في الحكومات، وإنما يجب أن تمتد لكافة فئات المجتمع سواء أكانوا متعلمين أو حتى حرفيين؛ لأن ذلك سيساعد على نشر قيم العمل المنتج، بدلا من القيم الاستهلاكية والريعية التي تحبذ نمط الربح السريع كما نراها في واقعتا حاليا.

وقد كشفت أحدث الدراسات الاقتصادية العالمية عن العديد من الروافد التي تمثل وقود ثقافة الاستثمار من اجل الكسب والربح لتطوير بيئة الأعمال و الأداء الاقتصادي والبورصات، ومن أبرزها التنظيم والتعاون المؤسسي والطموح الشخصي في الغنى بالعمل والجد وخوض غمار المشروعات الخاصة مهما كانت مخاطرها كما في اليابان والصين ودول جنوب شرق آسيا.

الديمقراطية والعدالة

وكذلك فمن أسباب النجاح الاستثماري والاقتصادي إعلاء قيمة العمل، وهي ليست فقط لجلب المال، ولكن لأنها ستحقق للإنسان اكتفاءه الذاتي والنفسي واستقلاله عن الآخرين في قراراته وهذا سر نجاح الأوروبي والأمريكي في صناعة مستقبله.

أما العدالة فهي إحدى أهم العوامل المحفزة على تدوير رؤوس الأموال المحلية في الأسواق الداخلية، فليس هناك شك في انه من الصعب توجيه الأموال في أسواق تعانى من الفساد، فانعدام الأمن والامان يعنى غياب التنمية.

فالعراق مثلا لديه كنوز بترولية هائلة إلا أن العنف الدموي جعل الجميع يرونه لا طائل منه، ومعظم المجتمعات الأوروبية تعمل فيها القوانين، ولذلك فالأفراد فيها واثقون من أن القانون هو الحكم الفصل فيما بينهم من أعمال، بينما في غالبية الدول النامية لا يثق الناس في تحقيق العدالة، وتتفشى قيم سلبية مثل الرشوة والفساد والوساطة والاختلاس والنصب، وتعد الديمقراطية أحد أهم صور انعكاس السياسة على صعود الاقتصاديات، فالتنمية طويلة الأجل لا تتحقق إلا في ظل ديمقراطية حقيقية وليست مصطنعة، ومن هنا يترسخ لدى الأفراد ثقافة المشاركة وتحمل المخاطر.

ومن خلال التجارب المالية يستطيع الأفراد التمييز بين الإصلاح والأفضل من فرص الاستثمار، ويجب عليهم أن يحرصوا على التعليم الحديث والإعلام الواعي، وبالتالي توفير المتطلبات الحضارية للأمة، فترسيخ قيم العمل، وتثمين الإبداع والتطوير يجعل الأفراد يتجهون نحو طرق الثراء الحلال وإقامة المشروعات البناءة والمنتجة وعدم تضييع الوقت في البحث عن اللهو والملذات ولعلنا نرى أن الحضارة الغربية قامت على العلم والعمل بينما الحضارات القديمة لشعوب الشرق فقدت بريقها بتركها لهما.

وفي النهاية يبقى لنا أن نقول إن من يرغب في تفعيل الثقافة الاستثمارية سواء، كانوا أفرداً أو دولاً ، فعليه أن يسعى لتحقيق متطلباته المالية بالكد والجهد،  وعلى أولي الأمر والحكام الضرب على أيدي أصحاب النفوذ المفسدين والمحتكرين والقضاء على أشكال الغش والتزييف والإغراق في الأسواق، خاصة أن تلك الصور للأسف تعاني منها المجتمعات النامية عامة والعربية على وجه الخصوص.

أحمد حسين الشيمي مصر

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك