ماريو يوسا.. على عرش نوبل للآداب

مصر : ۲۱-۱۰-۲۰۱۰ - ۱۲:۲۵ م - نشر

عندما رن جرس هاتفي المحمول معلناً وصول رسالة أخرى عرفت أنها قد تكون إحدى الرسائل الدورية التي تعيد إرسالها شركات الاتصال أو قد تكون نتيجة اشتراكي في موقع بي بي سي الأخباري الذي أصبح من أهم معجبيني، يراسلني في اليوم الواحد أكثر من خمس مرات وأنا أتجاهل تقديره، لذلك لم أكلف نفسي عناء تفقد المرسل خاصة في مثل هذا الوقت، إذ لن يجرؤ أحد على تذكيري بأحد مهامي التي نسيتها، ولا أن يطالبني بإجابة عن سؤال يدور في خلده وربما سيكون أصحاب هذان الخيران في غفلة عني مع مائدة طويلة او قيلولة ممتعة لذا تجاهلت أمر الرسالة وتابعت تحضير طاولة الطعام التي ازدوجت مكوناتها إلا من كرسي واحد.

لم يطل انتظاري فسرعان ما استعادت زوايا بيتي ضحكاتها بصوته وقد بدا لي بعيداً متعباً غير ان ذلك لم يمنعه من ألقاء التحية الحارة كالمعتاد لكنها اليوم بابتسامة خافتة، لم أشأ أن اغوص في تفاصيل إرهاقة فأزيدها شدة وتظاهرت بالفرح فجاة وكشفت عن مجهود ساعة ونصف في المطبخ من خلال رائحة زكية ابتهجت لها معالمه، ومع اكتمال ساعتين على قدوم تلك الرسالة لم يكن قد حان الوقت بعد لتبوح باسرارها.

في الموعد تماماً غادرت البيت مسرعة لعملي في الفترة مسائية وتذكرت حين خطوت خطوتي الأولى خارج البيت أن هناك شيء ما بانتظاري، نعم هي تلك الرسالة التي شغلت حيزاً كبيراً من تفكيري الباطني ولم أعلم إلا عندما أصرت علي وأنا أفكر فيما ينتظرني في المكتب، فتحت صندوق الرسائل، العناوين مألوفة والمرسل أحب معجبيني كما توقعت الـ بي بي سي تعلمني أن جائزة نوبل للآداب قد ذهبت هذا العام للكاتب البيروفي مايرو فارغاس يوسا، أكملت طريقي وأنا مزدانة بخبر آخر جيد أسمعه اليوم، لكن ماريو فارغاس يوسا ألح هذا الأسم على ونبه في أحاسيس لكن الذاكرة لم تدعمني في استخراج اسمه، أشعر أن هناك شيئاً ما يتعلق بيوسا لكني لم أدركه بعد.

حاولت أن ألفظ الاسم مجدداً يوسا، وبانتظار الإجابة جائتني خيالات طفلة صغيرة وعجوز في بزة عسكرية ورسائل كثيرة في صندوق وشبه جزيرة بعيدة وهائدة وها أنا الآن أصر لأعرف الرابط بين الاسم والصور.

أذكر أن آخر مرة فكرت بنفس الطريقة كانت النتيجة أن وعيت على كارثة إذ ربطت بين اسم فتاة ذكر أمامي وبين خاتم زواج وباقة ورد ودموع واكتشفت أخيراً أن صاحبة الاسم كانت خطيبة زوجي السابقة، أرجو أن لا أباغت اليوم بمزيد من هذه الصدف لكن "يوسا" اسم كاتب وعندما نحاكم بالمنطق نستنتج أن ما يمكن ان يربطني بالاسم ذكريات قراءة لكن لم هي قوية لهذه الدرجة.

لم أشأ ان أصعد الموضوع وأرد كل ما انا فيه للدواء الذي ما زلت مستمرة في تناوله منذ 6 سنوات فقد كتب في صياغة النشرة الطبية المرفقة به يسبب ضعف في الذاكرة وها انا الآن بين اسم كاتب واسم دواء وخيالات صور من جديد في طريقي لمهمات وأعباء جديدة في العمل، فلما افعل كل ذلك بنفسي.

كلما قلت الكيلومترات بين مكتبي الذي أمضي فيه 8 ساعات متقطعة من المطالب التي لا تنتهي كلما شعرت أني سأرتاح الآن عندما ادخل من الباب ستنهال المطالب فوق رأسي وأنسى يوسا وأنسى نوبل وأنسى كل جوائز الأدب التي لن احظى بواحدة منها يوماً، لكن هل سانسى أني في يوم كنت صحفية ثقافة نشطة وكانت حياتي مسطرة بأقلام يوسا وزملاءه أمضيها على كلماتهم المبتكرة وأضيع أوقات الفراغ في رسم صور لشخوص رواياتهم وأنتشي باحتفالاتهم العاطفية وأحزن عند وداع أحبائهم، هل سأنسى؟

عندما جاورنا باص المدرسة الذي يقل أطفاله نائمين تذكرت طفلة مع كتاب ورأيتها تكبر وكتاب تلو الآخر يتدحرج بين كفيها الصغيرين تذكرت مكتبة أبي العتيقة وخشبها الجوزي الغامق وتذكرت عمي النحيل الذي لطالما أهداني كتباً على نجاحاتي المتواصلة تذكرت "يوسا" يوسا أيها الرائع، كيف غابت تفاصيلك عن مخي الصغير؟ كيف أنكر جهلي عبقريتك العظيمة؟ كيف نسيت منعطفاً حاداً جرفني إلى عمق الحياة التي أحببت "حفلة التيس" التي حضرت و الدموع التي ذرفت؟ يوسا أيها الكاتب هنيئاً لك بنوبل في 74 من العمر وأنت شيخ الكتاب، وهنيئاً لي بذكريات "حفلة التيس" التي جعلت مني شخصاُ آخر، شخص أدرك معان أخرى للحياة اندمجت فيها السياسة مع عاطفة الأبوة مع مشاعر الغربة مع نقمة على مصير مكتوب لشعوب ودول لا ذنب لها إلا أنها بدون إرادة، هنيئاً لي بك يا صانع إرادتي يامفجر جرأتي يا أبت إتقاني.

هنادي دوارة الإمارات

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك