الحرية.. بين حقي وحقك

بقلم/
مصر : ۱۳-۱۰-۲۰۱۰ - ۱۱:٤۵ ص - نشر

جلست غير بعيد عن شاشة التلفاز في مقهى من مقاهي العاصمة، التي لم تعد مقهى فأصبحت تسمى "كوفي شوب" كنت حريصاً على متابعة مباراة رياضية بين فريق أشجعه و فريق آخر منافس، وحينما طلبت من الموظف الذي يخدم رواد المقهى أن يرفع صوت التلفاز قليلاً، إعتذر بأدب شديد وشرح لي أنه إذا ارتفع الصوت قليلاً عن هذا المقدار فسوف يؤذى بعض السكان المحيطين بالمقهى، فيسبب لهم الإزعاج فيقوموا بتقديم شكوى إلى الشرطة مما يسبب لهم كعمال بالمقهى الأذى و الضرر.

فشكرته على الإيضاح و تقبلت الأمر بصدر رحب، فأنا على يقين أنه إذا كانت رغبتي الشخصية في أي أمر من الأمور خصوصاً في الأماكن العامة سوف تسبب أي أذى لأي شخص مهما كان، فلابد أن أراجع نفسي و موقفي و لا أكون سبباً للتعدي على راحة الآخرين، وكنت أتوقع أن يكون هذا المنطق البديهي هو حق مكفول لكل إنسان، ولكن ما حدث لاحقاً  سبب لي حزناً  لم يكن في حسباني.

حيث أنني وبعد أن انتهيت من قضاء الأمسية غادرت المقهى و توجهت عائداً  إلى المنزل، فوجدت شاباً في منتصف العشرينات واقفاً بجوار سيارته، و تارة ينادي بصوت جهوري على أحد اصدقائه من سكان العقار المجاور، وتارة أخرى يطلق نفير السيارة لعله يكون أجدى في جذب انتباه الصديق فيلبي نداءه، فلما اقتربت منه و بعد أن قمت بتحيته و استئذانه، في أن يكف عن هذا الإزعاج المستمر في هذا الوقت المتأخر من الليل، فإذا به يرد باستهتار وعناد "أنا حر" و تركني و غادر المكان حتى بدون إنهاء حواره معي مكتفياً برده المقتضب.

دخلت منزلي و مازال ذهني مشغول بالموقف بل بالأحرى الموقفين، حيث أنني كنت أفكر وأكرر المواقف في رأسي، واستعرض على نطاق أوسع كثيراً من المعاني والمترادفات، وبيني و بين نفسي أردد هذه الجملة البسيطة التي وقعت على مسامعي من الشاب، كلمتان فقط هما محتوى الجملة و لكنهما يحملان المبرر لكل من يريد أن يفعل أي شىء يخطر على باله دون الإلتفات للآخر.

ولما دخلت حجرتي و أصبحت بمفردي، رددت مابيني وبين نفسي هل أنا حر فعلاً في أن أفعل ما أريد في نفسي أو في غيري؟  فتحت جهاز الحاسب الآلي وطالعت بعض الأخبار المحلية والإقليمية والعالمية، وأنا أريد ان أقيم بالنماذج مقدار الحرية، وأرى بنفسي ماذا تعني وأين توجد ومن يطبقها ومن يلفظها، لفت انتباهي مصادرة بعض الأقلام الصحفية، سواء لإعلاميين مرموقين او لصحفيين كبار، مع أنهم لم يعبروا عن آرائهم إلا في حدود حريتهم في التعبير وما سمحت لهم هيئاتهم ومؤسساتهم بهذه الحرية، فما الذي حدث واستجد في الأمر, و ما هو الحد الذي قبله أكون أنا حراً وعنده أو بعده أصبح لست بحر.

مررت بعيني على خبر لبلد عربي يمنع تداول كتب بعض الكتاب من بلد عربي آخر، فتعجبت بشدة من الفكرة وأسلوب التنفيذ، وهل هكذا نكون أحرار فيما نريده وما لا نريده، وما نعرضه ليوافق ما نريد أن نستمع إليه وما نريد أن نصم آذاننا عنه، مابين حق المؤسسه في الرفض والموافقة فيما يصل إلي، فتصادر حريتي و حقي في أن أختار بنفسي ما أريده وما لا أريده، و كأن حريتي محدده فقط في أن أختار ألا أختار.

وجدت صدري قد بدأ يضيق من تدافع الأفكار و الأخبار تباعاً، وبلا شعور وجدتني أذهب إلى النافذه وأفتحها على آخرها، ولفح الهواء يضرب وجهي ويتخللني حتى أنني ملأت رئتي بشهيق عميق وزفرت زفرة قوية خرجت معها حرارة الغضب المكتوم من فكرة أن يسجن أحد حريتي وأنا طليق حر.

عدت لمكاني خلف جهاز الكمبيوتر، وقفزت أصابعي لخبر على الصعيد العالمي فيما يخص الزي الإسلامي المميز للمرأة، وكان الخبر مفاده أنه أي هذا الزي لا يصلح لهذا المجتمع، والمفروض أن المجتمع حر، فيكفل المجتمع الحرية لكل الناس الموجودة داخله، الحرية في المأكل والمسكن والملبس وحتى النقد والإعتراض، نعم فالفرد حر في نفسه و المراة حرة لدرجة ترفع حرارة من يرى المرأة الحرة وما تلبسه في هذا البلد الحر، حرية المرأة أن تتكشف فهي حرة، أما ان تتغطى فهي ليست حرة، في هذا البلد المفروض أنه حر، ويسمح بالحرية على أوسع نطاق وعلى أقصى مدى، أي حرية مبتورة وأي حقوق منقوصة، وأي تبريرات تساق وتتلى حتى تكون مقتنعا أن ما تم منحه بالفعل هو أبعد مما كنت تريد وتتخيل.

أرى حريتي في تمام الاختيار مع وضع في الإعتبار أن كل الخيارات متاحة لي وللجميع, بلا أي اجبار على أن أختار شيئا بعينه، أو زيا بعينه، أو رأيا بعينه، فهذا حقي، وعلى ألا أضرك بأي درجة أو مقدار، بل وبلا أي خسائر لك.. فهذا حقك.

صلاح عبد الله الباشا الإمارات

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك