الحوار مع الغرب.. أسسه ومنطلقاته

بقلم/
مصر : ۳۰-۹-۲۰۱۰ - ۸:۵۰ م - نشر

تتزايد كل يوم صيحات معاداة الغرب للإسلام والمسلمين، فتارة رسوم مسيئة لنبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، وأخرى مخططات شيطانية لحرق المصحف الشريف، وثالثة جرائم تمييز وتعصب ضد المسلمين، والقائمة طويلة.

وبين الحين والآخر نسمع عن منتديات ومؤتمرات مخصصة للحوار بين الدين الإسلامي والأديان الأخرى، لكن أيضاً النتيجة غير ملموسة، وظاهرة الإسلام-فوبيا (الخوف الشديد من الإسلام) على أشدها، ليبدو السؤال المهم هو: ما هي أهمية الحوار مع الغرب؟ وما هي الوسائل الضامنة لنجاحه؟ وما هي الصعوبات التي تعترضه؟

الشيخ يوسف القرضاوي الداعية الإسلامي الشهير يؤكد على أن الحوار جزء من مناهج الدعوة وجزء من منهج التعامل مع الآخرين، وهذا ما يشير إليه القرآن الكريم في قوله تعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)، فالجدال بالتي هي أحسن هو الحوار، ولكن الإسلام لم يكتف بالأمر بالحوار، ولكن أراده أن يكون حواراً بالطريقة التي هي أحسن، بمعنى أنه لو كانت هناك طريقتان، إحداهما حسنة جيدة في الحوار، والأخرى أحسن منها وأجود فالمسلم مأمور أن يحاور بالطريقة التي هي أحسن وأجود، يختار أفضل الطرق وأرقى الأساليب للحوار مع الآخرين، بمعنى أنك إذا ما أردت أن تحاور المخالفين فينبغي أن تحاورهم بالتي هي أحسن، وهذا ما قاله القرآن في حوار أهل الكتاب (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون).

أهمية الحوار ووسائله

نفهم من ذلك أن الحوار مع الآخر، مهما كان يختلف معنا في بعض الأمور العقيدية والحياتية، أمر في غاية الأهمية والخطورة في ذات الوقت، إذ من شأن ذلك الحوار أن يقينا عداوة الآخر، ويجعلنا نعرف مكامن قوته، وعناصر ضعفه، كما أن من شأن الحوار أن يزيل لدى الآخر، ما علق في أذهانه من أفكار ومعلومات خاطئة عنا، مثلما هو حادث الآن في الغرب، بعد أن قامت وسائل الإعلام التابعة لليهود بتشويه صورة الإسلام والمسلمين، واتهمامهم بالتطرف والإرهاب، بالرغم من خطأ ذلك الواضح، أضف إلى ذلك دور الحوار الواضح في إشاعة روح التسامح بين الأمم والشعوب.

ويمكن القول أن هناك العديد من الوسائل التي يمكننا من خلالها إقامة حوار بناء مع الغرب، ومن تلك الوسائل ما يلي:

أولاً: الزيارات المتبادلة من قبل قياداتنا لمؤسسات المجتمع المدني الغربية، وغيرها من المثقفين والمهتمين بشأننا، وكذلك استقبال مبعوثي تلك المنظمات والتحاور معهم فيما يتعلق بالأفكار المغلوطة عنا.

ثانياً: العمل على امتلاك وسائل إعلامية خاصة بنا في الغرب تتولي نشر أفكارنا، وتصحيح الأفكار المغلوطة المنشورة عنا في وسائل الإعلام الغربية خاصة تلك المملوكة ليهود.

ثالثاً: إعداد كتب ودراسات عن أفكارنا ومعتقداتنا ونشرها في الغرب، من أجل أن يأخذوا منا لا عنا.

رابعاً: عقد مؤتمرات وندوات ودعوة بعض مفكري الغرب للمشاركة فيها.

خامساً: الاستفادة من المنظمات الإسلامية الموجودة في الغرب في تصحيح الصورة المغلوطة عن الإسلام وتعميق الحوار.

سادساً: وأفضل من ذلك جميعا يتمثل في الحديث المباشر مع الآخر، عن طريق إرسال العلماء والمفكرين، لتصحيح صورتنا في الخارج، على أن يقوم هؤلاء بإجراء حوارات مع المؤسسات ذات التأثير في المجتمعات الغربية سواء علي المستوي السياسي أو الإعلامي أو الثقافي أو الديني.

سابعاً: وفي قلب ذلك ضرورة التركيز على الحوار الشعبي أي مع الشعوب والمواطنين في المجتمعات الغربية، أكثر من التركيز على الحوار مع القادة وصناع القرار، لاسيما أن الأفراد والمؤسسات الشعبية أقرب إلى الاستجابة لنداء الحوار، في الوقت الذي يحكم السياسيين ضوابط عديدة تجعل استجابتهم أقل بصورة كبيرة.

أسس الحوار الناجح

ولكي نقيم حوارا فعالا مع الآخر، هناك مجموعة من الأسس الهامة لإنجاح ذلك الحوار، منها على سبيل المثال لا الحصر، ما ذكره الكاتبان الشهيبي نسيم ومغبر محمد أمين في كتابهما "الحوار: أساليبه تقنياته وسبل تنميته عند الشباب" وهي:

1 ـ الحرية الفكرية المطلقة المتحررة من أي ضغط أو إكراه، قال تعالى (لا إكراه في الدين) البقرة: 256. وقال مخاطباً نبيه محمداً صلي الله عليه وسلم ـ وهو خاتم الأنبياء والرسل، ورسالته خاتمة الرسالات: (فذكر إنما أنت مذكر. لست عليهم بمسيطر) . الغاشية: 22.

وقال له كذلك: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين). يونس: 99.

2 ـ الحوار بالحكمة والموعظة الحسنة، فيخاطب الناس بما يألفون وينطلق في حوارهم مما يعرفون، ويتدرج معهم في الخطاب: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن). النحل: 125.

3 ـ الرفق واللين في الخطاب، قال تعالى مخاطباً نبيه واصفاً أسلوبه في حواره مع قومه ودعوته لهم إلى ما أرسل به من الحق: (فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) آل عمران: 159.

4 ـ إلتزام الحوار العلمي بعيداً عن الجدل بالباطل: (ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم، فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم) آل عمران: 66. وذلك علي أساس أن الجدال بالباطل مضيعة للوقت وإزدراء بالعقل ومجافاة للحكمة.

5 ـ عدم تعالي كل طرف على الآخر خلال الحوار، فلعل لدى الآخر حقاً يكتشف أثناء الحوار، قال تعالى حاكياً قول النبي صلي الله عليه وسلم، وهو يحاور المشركين من قومه: (وإنا أو إياكم لعلى هدىً أو في ضلال مبين). سبأ: 24. فإن الحوار بهذه النفسية أعون لكل من الطرفين على قبول الحق الذي يتكشف له، وصحيح أنه لابد أن أحد الطرفين على الهدى والطرف الآخر على الضلال، لكن ذلك ينبغي أن يتم التوصل إليه من خلال الحوار، لا قبله. إن الحق واحد لا يتعدد، ولكن الحوار بقلب يقظ وعقل مفتوح ورغبة وجدانية بالوصول إلى الحق سيوصل إليه حتماً.

6 ـ ليس من اللازم أن يكون الهدف من الحوار انتقال أحد الطرفين المتحاورين إلى موقع الطرف الآخر، بالتسليم له بكل منطلقاته بل لعل الأسلم في كثير من الأحيان أن يكون هدف الحوار التقاء الأطراف المتحاورة على ما يكشفه الحوار الصادق من النقاط المشتركة بين هذه الأطراف، ولعل هذا الهدف أقرب إلى التحقيق وأدعى إلى التعايش على أساس هذه المشتركات، وخاصة بين الأديان: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواءٍ بيننا وبينكم، أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً) آل عمران: 64.

صعوبات الحوار

وبالرغم من تسليمنا بأهمية الحوار، لابد وأن نذكر أن الحوار مع الغرب تشوبه بعض الصعوبات وذلك لعدة أسباب:

الأول: الخلاف بين المسلمين الواضح حول الكثير من مفاهيم وأحكام الدين الحنيف، وهو ما يعطي انطباعاً سلبياً لدى الغرب، لذا فإن تصفية الخلافات بين المسلمين وإقامة حوار داخلي لهي خطوة ضرورية في إعطاء صورة حقيقية عن الإسلام في المحافل الدولية.

الثاني: النظرة الاستعلائية لدى الغرب رغم انحداره الأخلاقي والقيمي وإفلاسه الحضاري، جعلت منه _ من وجهة نظره _ منبراً ونجماً ساطعاً لغيره من الشعوب والحضارات، وبالتالي ضرورة سيادة ثقافته على كل الثقافات الأخرى وهذا جوهر العولمة globalization، وتغليب مصالحه الخاصة على مصالح كل المجتمعات الإنسانية الأخرى القائمة من حوله.

إن النظرة الغربية الدونية للثقافات الأخرى جعلت العديد من المفكرين الغربيين يروجون لأفكار مثل نهاية التاريخ the end of the history، والتى ترى أن القيم والأفكار والثقافة الغربية القائمة على المصالح المادية، بعيداً عن القيم الروحية، هي نهاية المطاف في التطور التاريخي، وأيضاً بروز أطروحة "صراع الحضارات clash of civilizations"، والتي يرمي من وراءها الغرب الى ضرورة وجود عدو افتراضي لتخويف شعوبه، وهذا العدو بوجهة نظرهم هو الحضارة الإسلامية والمسلمين، وذلك بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي وسقوط سور برلين في تسعينات القرن الماضي.

وأخيراً تعتبر عملية اختيار القائمين على الحوار من أهم مراحل إقامة حوار ناجح وفعال مع الغرب، فلابد أن تتوافر لديهم الثقافة الواسعة والإدراك الواعي لطبيعة وعقلية المجتمعات الغربية، وفي قلب هؤلاء مسلمو الغرب أنفسهم فهم الأجدى بالقيام بتلك المهمة، علاوة على ضرورة إنشاء فضائيات إسلامية تبث بأكثر من لغة لتصحيح صورة الإسلام المغلوطة لدى الغرب، حتى يتحقق الهدف المنشود الذي طال انتظاره.

أحمد حسين الشيمي مصر

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك