أنـا.. وهـو.. ومـدام هـَرَطـْـش

بقلم/
مصر : ۳۰-۹-۲۰۱۰ - ۸:۲۰ م - نشر

أما أنا فهو هذا المصري العربي المسلم، هو ذلك الإنسان المسالم، الآمل في دنيا هانئة وجميلة، ليحيا الناس كلهم في هدوء و راحة، ينعمون بالأمن الذي لا يشوبه خوف، فلا خوف على أنفسهم أو على أولادهم من بعدهم، أو خوف على عقيدتهم و علاقتهم بربهم، فهذا هو منبع الأمن.

وبالفعل هذا أنا وأنت وكثير من الناس نحيا بهذا المبدأ وعلى نفس الأمل، أياً  كان بلدهم أو مكان ميلادهم، وظروف الحياة التي قد تجبر بعضنا لتغيير المكان والوجوه ولكن لا تتغير المبادئ بداخل كل واحد، ويبقى ذلك الحلم الدفين الراسخ في الأعماق كما هو، ينتظر لحظة التحقيق ولحظة الميلاد للحياة.

أما هو إنه (ش.ع) ــ عذراً  للقارئ الكريم فلم أعثر عليه لأستأذنه في كتابة اسمه الشخصي ـ هو هذا المصري العربي المسيحي، فهو ذلك الجار الطيب الذي كان يجمعنا جوار واحد، يهديني التحية في عيدي، وأرد له التهنئة والتحية في عيده، ولعل عدم كتابة الإسم يعمم المثال المطروح، فمن الممكن أن يكون هو ذلك الطفل الذي يلعب مع أطفالي ولا يجمعهم إلا البراءة و المرح، ولعله زميلك في الدراسة فهو منافسك بشرف لتسموا معاً  ويرتفع شأنكما سوياً، بل هو كان زميل غرفتي أثناء تأديتي لخدمتي العسكرية، ولم يفرق لهيب الصحراء بين الملل والأسماء، فكنا نغرس أقدامنا في الرمال لنزرع مجداً وعِزة لكل واحد يتنفس في ظل هذا الوطن، بلا أي فارق يذكر بيني وبينه وبين أي أحد منا، في أي مكان.

أما مدام هرطش فهي هذه الأجنبية الأرمينية اليهودية، التي أقامت في مصر مع زوجها السيد هرطش وابنهما، وكان لهذه الأسرة نشاط  تجاري  في وقت سابق، حيث كان وجود اليهود شيئاً  عادياً  بل كانوا من نسيج المجتمع المصري، فكانوا الجيران والأصدقاء وزملاء العمل، بل ونشاطهم الاقتصادي كان نشاطاً  فاعلاً  في المجتمع المصري وما زالت الأذهان تذكر الأمثلة وبوضوح.

والشاهد في موضوع كلامنا أنه كانت تربطنا بهذه العائلة روابط مادية، متمثلة في تجارة بين الوالد وبينهم، وروابط معنوية، من حيث تبادل الزيارات ورموز المحبة الاجتماعية الصادقة، بلا أي حواجز تذكر كحاجز الدين أو الجنسية أو الانتماء، فكلنا إنسان نريد أن نحيا في سلام وأمان، وكانت تكثر حكايات والدي عنهم فقد زار بلادهم وعاملهم كثيراً.

ومازلت أذكر مدام هرطش وبعض الكلمات العربية التي تعلمتها باللهجة المصرية، فكانت طريقتها مبعث للمرح حينما تحاول أن تنطق اللغة العربية، وحينما نصحح لها ما تنطقه، تضحك وتقول "أنا أخبك كتيير خبيبي"، مازالت في ذهني صورة زوجها بحلته السوداء الداكنة وقبعته الأوربية المميزة، مازلت أذكر ابنها و ملامحه الأجنبية الحادة وأتذكر استعدادات زواجه ومراسم زفافه، وكثير من المواقف فلم يكن هناك هذا الفارق الذي يوجد الآن، لم تكن هناك تلك الهوة التي طالما أحالت الواقع إلى كابوس مخيف، كابوس أطاح البسمة وألغى الضحكة، فاستبدل الابتسام بالحزن وغير الضحك بالبكاء والدموع، فلم يفرق هذا الكابوس بين عرق وآخر أو بين جنس وآخر، بل حلَ على الجميع و في كل مكان.

لا نستطيع أن ننسى أسماء كثيرة، وملل متعددة من الذين تعاملنا معهم في أي مجال من مجالات الحياة، ومن جمعتنا بهم أهداف مشتركة ومشاعر سامية ومحبة من القلب، لا نستطيع أن نتغاضى عن رموز قد أثروا في بناء شخصياتنا وأبعادها ووضعوا بداخل كل فرد فينا صورة الكمال الذي نحاول أن ننشده، لا نستطيع أن نفكر في راءات من يدعي أن هناك فتنة موجودة بين طوائف معتنقي الأديان السماوية.

فالمسلم الحق يؤمن ويجل ويقدس الأديان السماوية جميعاً، وكذلك يؤمن بكل الرسل الذين أرسلهم الله برسالاته للبشرية على مر العصور، ولأي معتنق حق لأي ديانة أخرى غير الإسلام، هو ملتزم بتعاليم دينه و ما يحمله بداخل نفسه من تعاليم تدعو للمحبة والخير لكل الإنسانية.

لن نصدق مدعين الوطنية ذوي الأبواق المزعجة التي تنادي بالشحن والمشاحنة، والفرقة وعدم الإتحاد والنفخ في النار التي يحاول العقلاء إخمادها، إعلاء الشأن يأتي بيد كل فرد يحيا في ظل هذا الوطن، يأتي بالعمل الجاد أياً  كان مكانك أو مكانتك، وأياً كان ميدان عملك، بلا اعتماد على دينك أو بلدك، حتى لو كان في مؤسستك وشركتك من هو على دين آخر أو من جنسية أخرى، العمل والعمل فقط هو الذي يمنحنا القوة، ويا حبذا إذا توحدت قوانا معاً وتعملقت خطانا سوياً .

فما سننجزه في عشرات السنين منفردين، يمكن تحقيقه في بضع سنين إن توحدنا، فالوحدة أمل وهدف وقوة لا يستهان بها، وحدة وطنية عربية، لرفعة شأن الوطن كله ولأمن لنا كلنا ولكل الأجيال من بعدنا.

صلاح عبد الله الباشا الإمارات

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك